العنوان مسح خيانة الكامب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1984
مشاهدات 67
نشر في العدد 655
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-يناير-1984
على الرغم من صدق المقولة التي طرحها بعض المراقبين على هامش مؤتمر قمة الدار البيضاء لحكومات العالم الإسلامي والتي تنص على أن هذا التجمع الكبير مزعج للقوى الدينية اللا إسلامية..والقوى العلمانية اللا دينية «الشرقية منها والغربية»... على الرغم من هذا فإن بعض ما انشغل به المؤتمر لا يتناسق ومصداقية المقولة الفائتة حيث تحاول كل القوى المعادية لأي تجمع إسلامي ومهما كانت نسبة الإسلام فيه أن تجد الثغرة التي تنفذ منها عبر من يواليها.. وهذا الانفصام لا يقلل- طبعًا - من بعض الإيجابيات التي برزت في المؤتمر في إطار تضامن بعض الحكومات مع جهاد الشعوب الإسلامية في أفغانستان ولبنان وفلسطين والفلبين والقرن الأفريقي وغيرها.. أما ما هو غير متناسق مع أية أيديولوجية إسلامية مما ظهر في المؤتمر.. ومما يحقق نفوذًا تتسرب منه القوى العدوة فقد تجلى في أمرين.
• فلقد حاول بعض ممثلي الحكومات العربية إشغال المؤتمر بزواياهم الخاصة عندما طرحت الأيديولوجيات الثورية فاقعة، وقد استند إليها بعض الثوريين العرب في طرحهم وتناولهم للأمور مما يثبت ولاءهم للأيديولوجية المستوردة من خلف أسوار الوطن المسلم.. ليبقى ولاؤهم للأمة أمرًا لا معنى له ولا رصيد..
• كما انشغل المؤتمر في حيز كبير من وقته بمسألة إعادة مصر إلى عضوية منظمة المؤتمر الإسلامي مما فتح باب المزايدة الثورية والوطنية والقومية أمام بعض العرب الثوريين!! من أصحاب الولاء الأيديولوجي الخارجي أولئك الذين خلطوا حق الشعب الأفغاني بباطل كامب ديفيد في محاولة منهم لإفشال بعض التوجهات الإيجابية للتضامن بين أطراف الأمة الإسلامية من أجل إنقاذ أفغانستان والقرن الأفريقي وغيرهما من المناطق الإسلامية التي يسحقها الاستعمار بأشكاله المختلفة... هذا الخلط الانتهازي الذي استهدف بث عناصر الإفشال في مسألة التضامن مع شعوب الأمة جعل الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري يعكس هذه الحقيقة حيث يفترض أن يكون المؤتمر قد عقد من أجل تقرير قضية تضامن دول الأمة الإسلامية في كل مجالات الحياة وفق تصور إسلامي يشمل قضايا الاقتصاد والسياسة إلى جانب القضية الدينية.
وإذا كان تذمر الرئيس الغيني ونقده «كما روي» كان بسبب إقحام بعض العرب مشاكلهم الفردية...
كالموقف من النظام المصري... فلأن سيكوتوري كان يبحث في المؤتمر عن حل لمشاكله ومشاكل حكومات القارة السوداء ذات الولاءات السياسية المختلفة..
لكن اهتمام الرئيس الغيني هذا لم يكن ليلغي انجذابه إلى تبني مسألة عضوية مصر في أعقاب الرحيل عن الدار البيضاء مع الرئيس الباكستاني ضياء الحق... وبالتالي فإن موقف سيكوتوري الناقد في المؤتمر كان إحدى المحاولات لتجاوز مسألة اختلاف ولاءات بعض العرب عن ولاءات بعضهم الآخر داخل أروقة المؤتمر... لتبقى المسألة المصرية مهمة يقوم بها سيكوتوري نيابة عن بعض العرب الراغبين في مسح الوجه الخياني الذي ألبسه السادات لنظام مصر في كامب ديفيد.
على أن طرح مسألة عودة مصر بالشكل الذي تم في المؤتمر بدءًا من طرح القضية وانتهاء بتكليف سيكوتوري وضياء الحق بالمتابعة يحمل دلالات عديدة منها:
يعتقد بعض العرب أن عودة نظام مصر إلى صف الأنظمة العربية لم تعد إلا مسألة إجرائية فحسب... وهؤلاء يفضلون أن تكون بوابة العبور الجديد!! تمر من القمة الإسلامية باتجاه القمة العربية المنتظرة في وقت قريب. ليضمنوا أمرين:
الأول: تحميل الأمة الإسلامية جمعاء مسؤولية عودة نظام الكامب إلى صف الأنظمة العربية حيث لا ترغب إحدى المجموعات العربية أن تنفرد بهذه المسؤولية التي تقف منها شعوب الأمة العربية بالذات موقفًا معروفًا.
الثاني: تجاوز المزايدين الذين يعرفون كيف يلجون بمطالبهم وأيديولوجياتهم من المداخل الهشة... ولعل هؤلاء لن يجدوا ما يزايدون به على الأمة غير مسألة الرفض لكامب ديفيد وما يربط مصر بمعاهداتها... ولا نعتقد أن الشرف والغيرة سبب ارتفاع عقيرة هؤلاء فهم أعلنوا مرارًا أنهم موافقون على الصلح مع إسرائيل من خلال مؤتمر دولي يشترك فيه السوفييت يضفي على المصالحة «العربية- الإسرائيلية» شرفًا وبركة كانا مفقودين في كامب ديفيد!!
• على أن هذين الأمرين لا يغطيان أبدًا على حقيقة تعرضها الشعوب... وهي أن نظام كامب ديفيد المصري شيء... وشعب مصر المسلم شيء آخر... ومقاطعة الأنظمة العربية والإسلامية لنظام مصر أو مصالحته... واختلاف الأنظمة حول هذه القضية أمر لا نعتقد أنه يمس بكيان الشعب المصري وكرامته التي تحفظها له كل شعوب الأمة... إنما يبقى موقفنا من النظام مرهونًا بسياسة النظام نفسه... فهل تخلى النظام عن سياسة كامب ديفيد؟ وهل بإمكانه بعد أن عادت سيناء إلى مصر الأم أن يتحرر من القيود الأمريكية الإسرائيلية؟ وهل أصبح الكامب مسألة ميتة كما صرح أحد كبار المسؤولين العرب!
إذا كان الأمر كذلك... فإن شعوب العالم الإسلامي لا بد وأن تدعم كل اتجاه تحرري من قيود الصهاينة والأمريكان... أما إذا كان الأمر غير هذا فإن كل دعوة لمصالحة نظام مصر على المضي في أطر الاستسلام إنما هي دعوة صريحة للاستسلام.. ومحاولة للسير بالأمة في نهج الاستسلام نفسه.. وهذا ما ترفضه جميع شعوب الأمة الإسلامية.. فهل يعي الذين يريدون مسح خيانة الكامب وتناسي جريرتها العظمى هذه الحقيقة!؟