; المجتمع الثقافي (1546) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1546)

الكاتب محمد علي البدوي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003

مشاهدات 76

نشر في العدد 1546

نشر في الصفحة 50

السبت 12-أبريل-2003

مسرحية من فصل  ... المصباح

محمد علي البدوي

لله درُّهم.. ما أقسى معاناتهم.

 وما أشد غربتهم.. وحدهم. 

وقت السحر.. آخر الليل.

 يدخل البطل، يحمل في يده مصباحًا.. وخلفه مجموعة من الرجال، من خلف المسرح... 

ينبعث حداء عذب يتسلل متناغمًا مع المشهد... تقطعه أصوات متداخلة من قهقهات شيطانية، عواء ذئاب جائعة، نباح كلاب مسعورة، صرخات متقطعة.

صوت: هل ترى المصباح في الروح انطفى؟

أما جفاك الصبح ما أقسى الجفا؟

فجأة: يسقط المصباح ويسود الظلام ويختفي الجميع

تفتح الستارة

المنظر: مقهى... تتوزع فيه الطاولات.. ويتناثر الناس على الكراسي في مجموعات، البعض يطالع الصحف، والبعض يتحلق حول التلفاز. وآخرون منهمكون في لعبهم ولهوهم.. يرتفع الدخان... تتعالى الضحكات والصيحات.

 المشهد: يتقدم البطل بخطوات متثاقلة..

يتسمر أمامهم. البطل «صارخًا»: أيها الناس... أيها الناس «صمت يطبق على المكان....» 

البطل: أيها الناس أتوسل إليكم... هل؟ هل رأيتم الشيخ عثمان؟... لم يعد يأتي إلى صلاة الفجر... لم يعد يحضر إلى الدرس... لم .... 

أحدهم «مقاطعًا»: تبًا لك سائر اليوم.. تفسد علينا متعتنا... من أجل شيخك هذا.

أحدهم: كان يا ما كان... كان هناك شيخ اسمه عثمان... «يضحك».

أحدهم: هل تريد الشيخ عثمان فعلًا؟ 

البطل «في لهف»: نعم... نعم.

الرجل: وهل أنت جاد في ذلك؟ 

البطل في لهفة اشد: أقسم لك؟

الرجل ضاحكًا، إذن... ابحث عنه جيدًا.... «يضحك الجميع».

أحدهم «وقد اقترب من البطل»: دعك منهم يا بني.. وأعطني فرصة... حتى أبحث لك عن الشيخ عثمان.. رضي الله عنه... أين...؟ أه.. لقد وجدته.

 البطل «في لهفة أخرى»: صحيح يا عم.

 الرجل صحيح يا ولدي. 

البطل أين هو ...؟

الرجل: إنه هنا.. في جيبي... «يخرج السواك من جيبه».... سواك الحاج عثمان.. قوي... ولطيف... ويحارب الجراثيم.. ها ها ... «يضحك الجميع». 

البطل «مغضبًا»: أنتم الجراثيم.

أحدهم «في حدة» بل هو الجرثومة الكبيرة.. هو أم الجراثيم.

أحدهم يريد أن يصنع منك ومن أمثالك من الشباب سلمًا يتسلقه للوصول إلى أهدافه.

 البطل «متعجبًا»: الوصول إلى أهدافه! ماذا تقصد؟

أحدهم: الكرسي على ظهر سجادة.

 البطل: ولكنه يعلمنا القرآن.

أحدهم هذه الوسيلة.. وتلك هي الغاية.

 البطل «صارخًا»: كفى ... كفى.

أحدهم: كف أنت عن ملاحقته.

أحدهم: احذر أن تتبعه.

أحدهم: دعه يسير لوحده نحو طريق الهاوية. 

أحدهم في «حنان بالغ» تمتع بشبابك يا بني

أحدهم أنت صغير... لا تحرم نفسك متع الدنيا وبهجة الحياة. 

البطل: إني أخاف الله.

أحدهم: كلنا يريد الله.

أحدهم: كلنا يعرف الطريق إليه.

البطل: نعم.. ولكنكم تجهلون.

 أحدهم: كيف...؟

البطل: إنكم تصلون وتخونون.. وتزكون وتسرقون.. تلعنون الكفار وترتمون في أحضانهم.

أحدهم: والله غفور ... ورحيم.

 البطل: ولكنه شديد العقاب.

 أحدهم «مغضبًا»: عقاب..... عقاب.. كف عن هذا الكلام.

أحدهم: هيا اذهب وابحث عن شيطانك عثمان..

البطل: نعم.. سأبحث عنه.... سأبحث عن اليد المتوضئة... الطاهرة لا تأكل أموال الناس.

 الجميع «في ارتباك»: أموال الناس.. ماذا تقصد؟

البطل: سأبحث عن الأقدام الطاهرة التي لم تمش إلى حانة ولم ترقص في خمارة.

الجميع «في ارتباك» هه.... حانه.. خمارة!!

البطل: سأبحث عن النفس البريئة الصافية التي لا تحمل غلا.. ولا حسدًا.

أحدهم «من بعيد.. وقد دخل ضاحكًا». ها.. ها..ها .. لن تجده.

البطل «وقد ألتفت إليه في رعب» ولماذا؟

البطل: لأنك تعيش في عالم متسخ جدًا.. إما أن تتسخ معه في الوحل.. وإما أن تسجن.. وإما

أن.

البطل «يتوجه للرجل ويمسك به» وإما...

ماذا..؟ أكمل.. لماذا توقفت؟ 

الرجل وإما.. أن تقتل

البطل «صارخًا» لا.. الشيخ عثمان.. الشيخ عثمان.. «يهرع خارج المسرح»

الجميع «يضحكون ويتمايلون» ها.. ها.. ها تطفأ الإنارة.. ثم تضاء

المنظر: في المقهى.. مرة أخرى

المشهد: الرجال يتحلقون حول التلفاز لمتابعة مباراة رياضية.

الجميع «في فرح»: هيه.. هيه «يتقافزون ويضم بعضهم البعض».

أحدهم يا سلام.. هدف.. هدف.

أحدهم: لقد أحرزنا هدفًا في الدقائق الأخيرة من عمر المباراة.

أحدهم: لقد هاجم رجالنا ببسالة.

أحدهم: وكانوا فدائيين في الذود عن مرماهم.

أحدهم ياسلام.. مبارك علينا الفوز بالكأس. 

أحدهم: «وقد هب واقفًا» بهذه المناسبة سأتبرع بمكافأة مالية لكل لاعب.

الجميع هيه.. «يصفقون له في إعجاب». 

أحدهم وأنا.. سأقيم حفلًا غنائيًا ساهرًا.

الجميع: هيه.

الرجل: انتظروا... انتظروا وسأجلب أفضل الفرق العالمية.

الجميع: هيه.. «يصفقون»

أحدهم: وأنا.. سأرقص في الحفل.

الجميع: ها..ها..ها.. «يواصلون الضحك»! 

يذيع التلفاز خبرًا مهمًا.. يتحلق الرجال حوله في اهتمام شديد.

صوت: جاءنا البيان التالي: بحمد من الله تعالى ثم إلقاء القبض على الإرهابي الخطير المدعو الشيخ عثمان والذي كان يعمل على إثارة الناس وإشاعة الفوضى والتمرد في صفوف طلابه واتباعه متسترًا بستار من الدين ومتظاهرًا بالتمسك بتعاليم الإسلام..

أعزائي المشاهدين.. دقائق وتستمعون إلى أغنية نجوم الملاعب بمناسبة فوز فريقنا القومي بالبطولة العالمية.

الجميع «يعودون إلى الرقص والغناء»: هيه.. فيه كان يا ماكان.... شيخ واسمه عثمان.. ها...

ها..ها..

تطفأ الأنوار

تسلط إضاءة خفيفة على البطل ويظهر هائمًا على وجهه...

البطل آه.. آه.. أين أنت يا شيخ.. هل قتلوك؟... لماذا.. لماذا؟ لقد كنت دائمًا كالشمس المشرقة، تبعث الدفء وترسل النور كنت كالنهر المتدفق والنبع الصافي.. هل حقًا فعلوا ذلك؟

صوت قادم من خلف المسرح قاطعًا: لم ينته كل شيء... بل ستبدأ حياة.. وستفتح صفحة أخرى من صفحات المواجهة بين الحق والباطل... البطل «يدور في المسرح»: الشيخ.. هذا صوت الشيخ.. أنت لم تمت إذن.. أين أنت؟ 

الصوت: الموت حياة أخرى يا بني.. فمن رحم الظلمات يولد الفجر ومن عمق المحنة تكون المحنة.

البطل: وأدوا النور الذي تحمله.

الصوت: قتْلنا هو بوابة الخلود.. والموت طريقنا للجنة.

البطل: والعمل؟!

الصوت: لن تصعد السلم ويداك في جيبك.

 البطل: لكنهم سيقتلونني كما فعلوا بك..... 

وسيزهقون صوت الحق الباقي في هذه القرية. 

الصوت: اطرح عنك هذي الوساوس.. فهم يحصدون والله يزرع.. هم يحصدون.. والله يزرع.. «يختفي الصوت شيئًا فشيئًا»

البطل يتبع مصدر الصوت.. تطفأ الإنارة تضاء الإنارة.

يدخل البطل وهو يحمل في يده مصباحًا وخلفه جمع من الناس يتبعونه وفي أيديهم مصابيح مماثلة.. يدورون في المسرح.. يصاحبهم حداء شجي...

الصوت: سائر في ربى الزمن.. طارق باب ذي المنن.

 تغلق الستارة. 

واحة الشعر

قمة المجد أن تعيش شهيدا

شعر: د. محمد أياد العكاري

بلغ القدس يا خليل عهودًا         ***                      صاغها المجد بالكماة خلودا 

خطها فتية الإباء بيانًا                 ***                 خضبوه لربهم توحيدا 

مهج ترخص النفوس لأخرى     ***                تعزف الروح بالدماء نشيدا 

للعلا عاهدت فبرت ووفت       ***                 بنفوس لا تعرف التنهيدا 

وعيون للفرقدين مداها          ***                 وجباه كالراسيات وجودا 

إيه يا نبرة الكرامة دوي           ***                وامتطي العز بالدروع حديدا 

واطلبي الحق بالفداء سبيلًا    ***               ما عرفت الحقوق تهدى وعودا 

ما عرفنا الآمال تزهو شرودا   ***                أصدق الوعد بالقنا تسديدا 

فهناك الضياء تحت سنانٍ        ***                وسنا البرق يستثير رعودا 

يا كرامات فتية تتأبي               ***                حالة الذل والهوان ركودا 

واقع الظلم والحصار فنون    ***                واغتصاب الأقداس والتشريدا 

سئمت منطق السلام جحودا  ***                 لحقوق فلقنته ردودا 

أبصرت دربها وخطت خلودًا      ***                 قمة المجد أن تعيش شهيدا 

ذروة العز للعقيدة بذل           ***                 بدمــاء وأن ترى صنديدا

 في سبيل الرحمن نحيا ونفنى ***                وجنان الفردوس نعم جدودا (*)

(*) الجدود: الحظوظ.

ما لم يقله الحداثي

شعر: خالد عبد الله الغانم

أنا من نحرتُ الشعر والأوزانا            ***                    ومـــــــددته لحـداثتي قربانا 

فإذا سمعتم آية ألقيتها                  ***                   فلتسجدوا صمًا لها عميانا 

أقفلت أبواب المعاني دونكم         ***                   فلتسألوا مفتاحها الكهانا

كم ذا أواري بالطلاسم سوأتي        ***                  لولا الطلاسم جئتكم عريانا 

حتام يبقى الشعر في زنزانة              ***                   يقف «الخليل» ببابها سجانا؟ 

ومعلقات الغابرين إلى متى            ***                    يبقى اتخاذكم لها أوثانا؟ 

وكان أمسكم المولي كعبة           ***                   لم تسأموا من حولها الدورانا 

فلتجعلوا المجنون قائد دربكم       ***                    للشعر وامشوا خلفه قطعانا 

قصة للأطفال

لصوص من وراء البحر

محمود أبو فروة الرجبي

نعم اسمي «أكابر»، ولكنني لم أكن في حياتي متكبرة - لا سمح الله - كل الذي حصل هو أن اسم جدتي كان «أكابر» فسماني والدي باسمها حتى تبقى ذكراها دائمة بيننا.

المرة الوحيدة التي تكبرت فيها كانت منذ زمن طويل، قبل أن يأتي المحتلون ويطردونا من مدينتنا الجميلة المطلة على البحر، في ذلك الوقت، اشترى والدي قطعة أرض كبيرة على أطراف المدينة، وكانت مزروعة بالليمون والبرتقال. ومختلف أصناف الفواكه اللذيذة. 

صدقوني.. شعرت وقتها - وكنت طفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها - بالخوف الشديد وتسألت بحيرة عن السبب الذي يجعل والدي يترك وسط المدينة، ويفر إلى أطرافها، يترك البحر الجميل الذي تعودت آذاننا على صوته العذب، ويذهب إلى أماكن تبعد آلاف الأمتار عنه.

كان البحر يمثل بالنسبة لي شيئًا جميلًا وعزيزًا، ولم أكن أخاف منه، نحن أهل يافا وأهل الساحل الفلسطيني لا نخاف البحر أبدًا، البحر بالنسبة لنا الأمل كثيرًا ما كنا نحدق به برجاء، فتطلع لنا باخرة محملة بالبضائع والهدايا، أو يرمي أبي الشباك في أعماقه، فيعود أخر النهار، هو وكل الصيادين محملين بعطاياه التي يسرها الله لهم.

الواقع أن والدي سمع أن اليهود الذين بدأوا يهاجرون إلى بلادنا بشكل كبير، سيهاجمون الساحل بسفن كثيرة، لذلك قرر ترك الساحل، وقال: إن السكن بعيدًا أسلم بالنسبة للعائلات بينما يمكن للرجال والشباب الاستماتة في الدفاع عن بحرهم وأرضهم.

لم أقتنع بكلام أبي عن اليهود، هل يمكن أن يقدر علينا اليهود، ونحن العرب والمسلمين الأشداء الأقوياء؟ هل يمكن للسكناجي «رجل دين يهودي، له ضفائر طويلة، كانوا قبل إنشاء الكيان الصهيوني دائمي البكاء» الذي يفر من الأطفال العرب وهم يطاردونه من مكان لآخر محاولين الإمساك بجديلته الطويلة التي تشبه جدائل النساء، هل يمكن لليهود الذين يتباكون دائمًا بذلٍّ ومهانة أن يطردونا من أرضنا ويسرقوا منَّا بحرنا؟.

أكثر هو ما حصل ذات ليلة صيفية دافئة. 

ليلتها كانت أمي تنام بالقرب من شباك غرفتها، وكان والدي مستيقظًا، يفكر بالكلام الذي ينقله إليه البحارة القادمون من كل مكان عن مخططات اليهود. 

وبينما كان والدي كذلك، لمح شيئًا يتحرك بالقرب من النافذة، ثم فتحت النافذة بهدوء، وتسللت عبرها يد غريبة لتمتد إلى يد أمي النائمة قرب النافذة، وتخلص من معصمها أسورة الذهب، في تلك اللحظة لم يستطع أبي التصرف بحكمة، فقد قفز من مكانه، وصرخ بأعلى صوته:

 قف.. أمسكتك يا لص..

فأدرك اللص أنه كشف ففر هاربًا ولم يستطع أبي الذي حمل بندقيته ولحق به أن يمسكه، وعندها لامته أمي على سوء تصرفه وأخبرته أنه كان من الأفضل أن يصمت، ويمسك بيد اللص ويكسرها، حتى يتمكن من إلقاء القبض عليه.

وأما أختي احتكام فلامت والدي لأنه لم يُطلق رصاصة على اللص، وعندها قال بعصبية: لن أضيع أية رصاصة على لص تافه، هذ البندقية اشتريتها لأحمي بها أرضنا من اليهود. 

وأصابتنا في البيت حساسية شديدة لما حصل في تلك الليلة، وأدركت أنا وأخواتي وأخي الصغير الوحيد بأن الشاطئ أكثر أمانًا من المنطقة التي سكنا فيها، وبدأت أشعر بالحنين الشديد إلى بحري الجميل، ومع ذلك لم أنس موضوع اللص، وكان والدي يعتقد أن اللص سيعود ذات ليلة ليعيد فعلته، فكان يبقى كل ليلة مستيقظاً ليحاول الإمساك به إن حضر.

أما أنا فقد لاحت لي فكرة جميلة، عندما شاهدت مصيدة الفئران تمسك بفأر من الفئران التي بدأت تغزو بيتنا.

فقد أمسكت مصيدة الفئران، ووضعت فيه أسورة مقلدة من أساور أمي، ثم وضعتها بجانب النافذة التي فتحها اللص في المرة السابقة. 

ولكم أن تتصوروا كم ضحك أخي وأخواتي ووالدي من هذه الفكرة التي قالوا عنها إنهـا طفولية وساذجة. وكم شعرت بالفخر، وبأنني عبقرية عندم فُتح ذلك الشباك ذات ليلة، ومد خلالها اللص يده ليتناول الأسورة التي راحت تلمع في العتمة وفجأة سمعنا صوت صرخة مدوية من اللص الذي أطبقت المصيدة على يده، حينئذ قفز والدي من فراشه، وأمسك بالمصيدة وبيد اللص. 

وفي اليوم التالي سلم والدي اللص إلى أهل قريته ليقوموا بتربيته وتأديبه، إذ إنه في ذلك الوقت لم يكن هناك حكومة تحكم فلسطين سوى حكومة الانتداب البريطاني البغيض، ولم يكن من عادة العرب أن يقوموا بتسليمهم أي مجرم، بل يقومون هم أنفسهم بمحاكمته ومعاقبته.

وعندما رجع أبي إلى البيت في ذلك اليوم، حملني بين يديه وقبلني، وقال إنني سأكون في المستقبل فتاة رائعة، ثم نظر والدي إلى الأرض وتنهد بحزن، وعندما سألته عن سبب حزنه غير المبرر وقد استطعنا الإمساك باللص دون أن يتمكن من سرقة أي شيء من البيت، قال والدي بأسى: 

- سيأتينا الكثير الكثير من اللصوص يا ابنتي ليستولوا على أرضنا وبحرنا وأحلامنا الجميلة في فلسطين، لكن هل سنستطيع الإمساك بهم؟

عندها قلت بلهجة طفولية:

- سنضع لهم مئات المصائد مثل هذه المصيدة يا أبي.

عندها هز والدي رأسه، وأمسك حفنة من التراب واحتضنها بتشوق، وكأنه سيفارقها.

وكم بكي ليلتها بحرقة!. 

إصدارات مختارة

كتاب جديد يفضح سياسة قصف المدن وقتل المدنيين

إذا كان المنتصرون هم الذين يكتبون التاريخ، فإن كتابًا جديدًا يلقى رواجًا واسعًا في ألمانيا جاء معاكسًا للتيار ومثيرًا لقضية الحرب فائقة الحساسية. 

فألمانيا التي هزمت وسُحقت، في الحرب العالمية الثانية لم تجد سوى من يروي فظائع نظامها النازي البائد. ولكن ماذا عن حضور البعد الأخلاقي والإنساني في الممارسات الحربية للحلفاء، المنتصرين؟ لا شيء يذكر تقريبًا.

وعادة ما تثير محاولات نبش تلك الممارسات شبهة التعاطف مع النظام النازي الكريه، وهو ما يجعل المهتمين بهذا الملف يؤثرون السلامة في العادة، إلا أن يورج فريدريش ليس أحدهم بكل تأكيد.

فكتابه الذي يحمل عنوان «الحريق: ألمانيا والقصف من ١٩٤٠ إلى ١٩٤٥». مرشح لإثارة جدل واسع حول سياسة القصف الشامل للمدن الألمانية التي كانت طائرات الحلفاء تقوم بها خلال الحرب العالمية الثانية.

وأدى ذلك القصف إلى إلحاق الدمار الواسع بنحو مائة وثلاثين مدينة، مما أزهق أرواح قرابة ثلثي المليون من المدنيين الأبرياء، ولا يتردد المؤلف في نزع الصفة الأخلاقية عن أعمال القصف هذه التي قام بها الحلفاء، تتقدمهم بريطانيا.

ومن المعروف أن واحدة من أشنع أعمال القصف قد طالت مدينة درسدن الألمانية العريقة في فبراير ۱۹٤٥، أي قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بأشهر قليلة، وهو القصف الذي أدى في غارة واحدة إلى سحق المدينة وقتل أربعين ألف إنسان دون مبرر عسكري.

ويذهب فريدريش إلى وصف أعمال القصف هذه بالإبادة الجماعية، مشيرًا إلى اختناق أعداد هائلة من المدنيين في الملاجئ، التي تحولت إلى محارق للبشر، رغم أن الحرب كانت تميل للحسم الذي لا يقتضي مذابح على هذا النحو المفزع، بل يحاول الكاتب أن يقف على قرائن حول الرغبة البريطانية في إبادة أعداد هائلة من المدنيين الألمان، مثل الاختبارات التي سبقت تصاعد موجة القصف في نهاية الحرب والتي تركزت على تحقيق أكبر عدد من القتلى بأيسر السبل.

وبهذا فإن فريدريش يخلص إلى الاستنتاج بأن قصف المدن الألمانية، الذي استمر خمس سنوات أثناء الحرب العالمية الثانية، ليس له مثيل سابق في التاريخ». فقد تم قصف أكثر من ألف مدينة وقرية، وأسقط نحو مليون طن من المتفجرات على ثلاثين مليون مدني، أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ.

كيف نتقبل الناس ونتجنب إيذاءهم؟

فكرة الكتاب أن أحدنا يذكر من أعماله ما أحسن به إلى الناس وينسى أو يتناسى ما أساء به إليهم، فهو يتعامل معهم بنصف الحقيقة لذلك نراه يستغرب أشد الاستغراب عندما يعدد أحدهم أخطاءه ويذكر مساوئه وتأخذه العزة بالإثم فيقول متحسرًا: أنا الذي عملت من أجلهم وقدمت لهم الخير والمعروف يقابلونني بنشر غسيلي وتعداد مساوئي! وقد يتمادى في غيه فيتمنى ألا يكون قد عمل من أجلهم أو قدم لهم شيئًا!

أين الخلل وكيف حصلت المفارقة؟ تروي لنا المؤلفة الفاضلة قصة الدكتورة التي كانت تعطف على الناس وتخدمهم وتساعدهم وتصبر على تصرفاتهم ونزقهم، لكنها عندما وقعت في ورطة أو محنة تنكر لها كل من يعرفها وشمت بها كل من أسدت إليه معروفًا، وعندما واجهتهم وصارحتهم بمشاعرها كشفوا لها الوجه الآخر من حياتها، ذلك الوجه الذي كانت لا تلقي له بالاً ولا تذكره على الإطلاق، حدثوها عن صلفها وتكبرها، عن إعجابها بنفسها عن إتباع الخدمة النبيلة بشيء من المن والأذى تحسبه لا يكاد يُرى أمام تضحياتها ونبلها، ويرونه كبيرة تمسح آثار النبل وتضع مكانها دمامل الإيذاء.

الخلل إذن أن نعرض جانبًا من الصورة ونسلط عليها الضوء بينما نبقي الجانب الآخر منها في الظل، تنساه الذاكرة ولا تبصره العيون. والأصل أن نعرض الصورة كاملة وأن تكون الإضاءة شاملة كل الزوايا والجوانب بحيث نراها على حقيقتها ولا يكون انطباعنا عن الأشياء أو الأعمال بناءً على نصف صورة أو رؤية مجتزأة ناقصة لها.

 هذه اللفتة التربوية تتعدى يومياتنا مع الناس في الدنيا إلى المكاشفة الصعبة يوم القيامة عندما يأتي أحدنا بصلاة وصيام وصدقة وبجانبها سجل فيه أنه ظلم هذا ونال من عرض هذا وشتم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى إذا فنيت أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في

النار، هل اكتملت الصورة وأضيئت كافة جوانبها؟ 

إذا كانت الإجابة بالإيجاب فما للعنوان الذي اختارته الكاتبة كأنه يتحدث عن قضية أخرى لا تمت لهذه بصلة؟ ليس في الأمر قضايا متعددة أو مختلفة وإنما هي مقدمات ندركها عندما نقرأ الكتاب ونستجيب لتوجيهاته ونصائحه فنجد أنفسنا أمام نتائج تعقب المقدمات، ولا نجد لهذه النتائج من عنوان أفضل من عنوان الكتاب: كيف نتقبل الناس ونتجنب إيذاءهم.

المؤلف: عابدة المؤيد العظم

الناشر: مؤسسة الأجيال للتأليف

والترجمة والنشر

E-mail: Books @ al-ajyal.com

 

في ملتقى رابطة الأدب الإسلامي العالمية:

 ملامح عن جهود أبي الحسن الندوي في تأصيل الأدب الإسلامي

الرياض- محمد شلال الحناحنة

أقام المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض لقاءه الأدبي الشهري مساء الثلاثاء الموافق غُرَّة محرم ١٤٢٤هـ، وقد حضره حشدٌ من الأدباء والمثقفين وأعضاء الرابطة، وكان ضيف اللقاء الأستاذ عبد الله بن صالح الوشمي المحاضر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجاء عنوان اللقاء بعنوان: «ملامح عن جهود أبي الحسن الندوي في تأصيل الأدب الإسلامي»، وهو موضوع رسالة ماجستير، وقد أدار اللقاء كاتب هذه السطور. 

الحمام الزاجل بدأ الشاعر عبدالله الوشمي محاضرته بعبارة شفيفة راقية للشيخ أبي الحسن الندوي - رحمه الله - وهو قوله: «هل يجوز أن تفقد الوردة الجميلة رونقها وبهاءها لأنها نبتت في ظل مسجد.؟! إن الأدب الإسلامي كالحمام الزاجل يغرِّد أعذب الألحان، ويصفق بجناحيه ومع ذلك فهو أمين على رسالته!، ثم تابع المحاضر، إن كان أبو الحسن الندوي سجل - رحمه الله - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟، فإنه يحق لنا أن نطرح بحزن وألم: ماذا خسر العالم برحيل الندوي؟! لقد ألف أكثر من مئة وسبعين كتابًا، إضافة إلى المقالات والندوات والحوارات، والتقديمات لبعض الكتب، وهذا الجهد العظيم يجعله رائدًا للأدب الإسلامي ريادة عريقة بلا منازع، ومهما كُتب عنه أو نال من الجوائز يظل تقصيرنا في حقه دافعًا للمزيد من دراسة شخصيته وكتبه وأعماله!.

التأصيل للأدب الإسلامي

يتميز الندوي في تأصيله للأدب الإسلامي بصفات ثلاث هي: القدرة والجدة، والابتكار.

 وهو يركز على الجذر اللغوي للأدب، فيرى أنَّ الأدب يتصل بالخُلق، ولا يمكن فصل كلمة الأدب» في لغتنا العربية عن معناها الخلقي، ونجد هذا الارتباط القوي العميق بين الأدب والخلق في العربية، كما لا يمكن أن نجده في لغة أخرى!

ويقول: نلحظ أن الأدب تحوَّل من التأثير إلى الإثارة، ومن التهذيب إلى الإفساد؛ وها نحن نرى طه حسين يقول: انحطَّت الأخلاق، وربح الأدب! وهي دعوة صريحة لا يخفى تأثيرها في نشر الأدب الماجن على حساب الأخلاق الفاضلة.

البيان الساحر

الرياض: محمد شلال الحناحنة

وتساءل المحاضر: كيف يقدِّم الأدب الإسلامي مصطلحاته؟ وما نظرة الندوي لمصطلح الأدب الإسلامي؟! وأجاب: يصنع الندوي مصطلحاته من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، فيُسمي الأدب الذي يعنى بالشكل على حساب المضمون الفاسد بزخرف القول، بينما يُسمي الأدب الذي يهتم بالأخلاق والشمائل البيان الساحر، ويصف الذين يخالفون الإسلام في أدبهم بالذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهو يرفض العصبية اللغوية، ويصفها بالردة، وألف كتابه الشهير في ذلك: ردةٌ ولا أبا بكر لها، وقد وجد بعض الهنود المسلمين يتعصبون للغة وطنهم، فأنكر ذلك عليهم، ودعاهم للاهتمام باللغة العربية، لغة الإسلام الأولى، وكان يؤلمه كثيرًا هذا الارتماء في أحضان التربية الغربية الضالة عن منهج الله، وسمى تقليد الغرب في التربية والتعليم بتقليد  «المرضعة الجديدة»، منكرًا ذلك أشد الإنكار، وفي تحديده لمصطلحاته الدقيقة يقول: كُل استقلال فكري وعلمي مقدم على الاستقلال السياسي! فما فائدة الاستقلال السياسي إن كان الفكر تابعًا لأمة أخرى، وغير مستقل؟! وهو يدعو إلى الاقتباس الحر ما دام لا يتعارض مع قيم الأمة ونهجها الإيماني وأصالتها، ولذا نجده يطلق على الأدب الذي يثير الغرائز الأدب الرخيص، والناشر للخلاعة والمجون الأدب الخليع، والذي يشيع الفاحشة الأدب المكشوف.

جهوده وريادته

بيَّن المحاضر لنا أنه لن يستطيع أن يُلم بالجهود الفكرية والأدبية الحافلة الزاخرة لأبي الحسن الندوي في هذه العجالة، فهو يكتب في موضوعات كثيرة، في الدعوة، والسيرة الذاتية، والترجمة، وفي الرسائل الإعلامية، والتاريخ الأدبي والفكر الإسلامي، والنقد الأدبي والاجتماعي، ولعل قمة جهوده الأدبية تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، فقد دعا مبكرًا إلى تأسيس روابط أدبية إسلامية تعيد للشباب المثقف هويته الإسلامية من خلال دعوته الصريحة للأدب الإسلامي عام ۱۹۳۲م، وكان يحزنه ويزيده أسى أن أطفال المسلمين لا يجدون ما يقرؤون، فألف قصص النبيين للأطفال، ويقول: إن الأدب أصبح يدعو إلى الانحلال والإباحية والفساد، فألغى بعض الأدباء رسالة الأديب، وأصبحت رسالتهم تجارية بعيدة عن القيم الأصيلة والأخلاق النبيلة، وكان ينبغي على الذين ذهبوا إلى الخارج أن يترجموا العلوم النافعة كما فعل اليابانيون، وليست الفلسفة الملحدة، والأخلاق التافهة، وهو يرى أن الأدب الإسلامي هو الأدب الحي لأنه يوقظ القلوب، ويهز النفوس، ويربي الشعور، ويسمو بالفكر، أما حياد الأديب فهو مستحيل، فلا بد أن يعبِّر عن نفسه وميوله وقلبه، وعاطفته، وينبغي أن يكون ملتزمًا لأن ذلك شعور بالمسؤولية لديه!.

ومن هنا: فإن مأساة فلسطين ليست إلا النقطة الأخيرة في الاتجاه الذي تخلَّى عن شرط الالتزام الإسلامي في الأدب، وامتلا بالانحراف، ويؤكد الشيخ الندوي ضرورة الالتزام في النقد، فبدونه تتحول الجهود العلمية من عمل جاد إلى فوضى، ويقول: من واجب ولاة الأمور ورجال التربية أن يأخذوا على يد الصحافة الخليعة والأدب الماجن، ويرى أن العقيدة الإسلامية تشجع الحرية ولكنها حرية مسؤولة، وليست مطلقة، ولم يكن الأدب الزاخر والزاهر إلا ثمرة من ثمرات الالتزام، ومثال ذلك أن إسبانيا حين دخلت في حضانة الإسلام اشتهرت أدبيًا، وكانت ملحمةً للشعراء ومدرسة في الأدب. 

أما رؤيته الإيمانية للأدب فهي تتدفق من منابع الروح، فيكتب لنا: إن الإيمان وصفاء النفس والاشتغال بذكر الله، والعزوف عن الشهوات يمنح صاحبه صفاء حس، ولطافة نفس، وعذوبة روح، ونفوذًا للمعاني الدقيقة واقتدارًا على التعبير البليغ، ولذلك فإن الأدب النبوي الذي كُتب بالعربية وغيرها يقطر عذوبة وصفاء. ويشير إلى أن الأدب الذي يفصل بين الأمة وتاريخها وتراثها أدب خائن فمن ضرورات الالتزام في أدبنا الإسلامي الاعتزاز والتغني بالشخصيات الإسلامية وبطولاتها وأمجادها، لذا يظل الأدب الإسلامي متنوعًا زاخرًا بمصادره الكثيرة، وليس محصورًا في موضوعات محددة.

من ضرورات الالتزام الإسلامي في الأدب لدى الندوي الاعتزاز والتغني بالشخصيات الإسلامية وبطولاتها وأمجادها

 الندوي يؤكد في فكره على المنطلقات وهذا من شأن الرواد دائمًا 

نوافذ للحوار

بدأ الحوار الناقد د.حسين علي محمد فتساءل: لماذا لا تجمع جهود الأدباء الإسلاميين لنظرية أدبية تضاف وتنقح وتعلو بالبنيان؟! لقد كنتُ أود أن يأخذ المحاضر البذور الأدبية لدى الشيخ الندوي لتُبنى عليها نظرية أدبية!.

أما الناقد محمد العقدة فقال: كنتُ أودُّ أن يحدثَّنا الأخ عبد الله الوشمي عن الأدباء الذين يمثلون الأدب الإسلامي في رأي الندوي؟! كذلك لو وقف معلقًا على بعض المحاور، وهل يعني الشيخ الندوي بزخرف القول الأدب الشكلاني؟! 

وطلب د سمير عبد الحميد من رابطة الأدب الإسلامي أن تترجم بعض كتابات الندوي التي كُتبت بغير العربية، وقال: إن مصطلحاته مأخوذة في كثير من الأحيان من الألفاظ المشتركة بين الأردية والعربية، أما الروائي د. عبد الله العريني المشرف على رسالة الماجستير التي قدمها المحاضر فقال: حقيقة كانت محاضرة رائعة وأنا أعتز كوني مُشرفًا على رسالته، وهو يمثل نموذجًا في الجد والاجتهاد، ومن توفيق الله أن تكون هذه الرسالة في سياحة مع هذا العالم الجليل، إن أبا الحسن الندوي يؤكد على المنطلقات، وهذا من شأن الرواد دائمًا فأجد حديثًا جليًا طلبًا محكمًا يفرِّق بين دلالة الأدب في اللغة العربية واللغات الأخرى، ففي العربية يعني الخلق والفضيلة، وهذا ملحظ تربوي، إن أبا الحسن الندوي أديبٌ داعية، كان رفيقًا هادئ الأعصاب حتى مع مخالفيه، أما طلبي فهو أن أرى مُختصرًا لرسالة الماجستير هذه ليكون النفع منها أكثر بإذن الله. 

أما الناقد د. سعد أبو الرضا، فأثنى على محاولات المحاضر بيان تأصيل الأدب الإسلامي، وأجاب عن بعض مداخلات الحضور.

بركة العصر

وجاء حديث د. عبد القدوس أبو صالح رئيس رابطة الأدب الإسلامي، ليضيء الكثير من جوانب شخصية الشيخ أبي الحسن الندوي فقال: ماذا تراني أحدثكم عن شيخنا أبي الحسن الندوي - رحمه الله؟، إنه عميد الأدب الإسلامي، كما سمته إحدى الأديبات، وهو رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، ومع أنني حضرت مناقشة هذه الرسالة في الجامعة، لكنني أفدتُ اليوم من أشياء كثيرة، وأذكر أنني قبل أكثر من عشر سنوات من قيام الرابطة حضرت مع سماحة الشيخ الندوي مؤتمرًا للأدب العربي الحديث في إحدى الجامعات في جنوب الهند، وقد ألقى كلمة الافتتاح قائلاً: إن العالم اليوم تحكمه الكلمة ويحكمه القلم!.

وفيما بعد جلستُ معه أساله: يا سماحة الشيخ، إن العالم اليوم يحكمه الصاروخ والدولار! فقال: ماذا وراء الصاروخ والدولار؟ حرب تُضرم فقط أم إعلام؟! قلت: إعلام قال: وهل الإعلام الجيد إلا نوع من الأدب؟ ولم يتخلَّف الشيخ الندوي عن ندوة عامة أو محلية للأدب الإسلامي، إلا في مرض موته، فقد قطع مرة وهو مصاب ثلاثة آلاف كيلو متر من الهند إلى إستانبول لحضور مؤتمر الأدب الإسلامي، وكان المرض يُعجزه أحياناً عن خمسين متراً بجانب بيته، أما في أخلاقه فقد كان ربانيًا، وأكثر ما يكون رفيقًا بأعدائه، كان يقدم لهم الهدايا، ولذلك أحبه الكل حتى الهندوس، ولما أنشأ جمعية الإنسانية، دخل فيها كبار الهنادكة، وفي آخر لقاء لي معه في الحرم، دعا لحكام المسلمين، وقال: أدعو الله أن يشرح قلوب الحكام المسلمين والعرب ليفيدوا من الأدب الإسلامي لإنقاذ الجيل المسلم.

أما ما أحب توضيحه بالنسبة للأخ المحاضر فقد قال: إن أبا الحسن الندوي هاجم شعر المناسبات وسمَّاه الهيام الأدبي، فآمل أن تجلو لنا ذلك، فمعظم شعرنا العربي شعر مناسبات حتى في الغزل، فإن صدر الشاعر عن عاطفة صادقة، وقدرة فنية وتجربة قوية متدفقة، فلابد أن يجيد في شعره، أما إن كانت العاطفة فاترة والموهبة متواضعة مع عظمة المناسبة، فلن يجيد كذلك أرى ضرورة التفريق بين الإلزام والالتزام، فالإلزام لا يُقبل في الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ (البقرة:256).

أما الالتزام فهو أمر داخلي عن قناعة وعقيدة صادقة، ولا يُفْرض فرضاً، أما إذا خرج الأدب إلى الاعتداء على ثوابت الأمة وأمن المجتمع المسلم، فمن واجب الدولة الإسلامية أن تتدخل للحفاظ على قيم المجتمع وتقمع العابثين المفسدين.

أما تساؤل بعض الإخوة عن الأدب الإسلامي ونظريته، فنرى أن مصطلح الأدب الإسلامي أضحى مستقرًا والمفهوم صار واضحًا، ونحن ندعو نقادنا وأدباءنا أن يعملوا بجد لتتكامل نظريته الأدبية الإسلامية على أسس ثابتة بإذن الله، وأدعو جميع الإخوة الحضور أن يكونوا مع الأدب الإسلامي بأقلامهم وأنفاسهم ووجدانهم. 

 

الرابط المختصر :