العنوان مسلمو ألبانيا على طريق الحرية
الكاتب عبدالله أبو حميد
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1980
مشاهدات 85
نشر في العدد 484
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 10-يونيو-1980
- مدرس ألباني مسلم يُطرد ويسجن لأنه قال: الله موجود!!
- أنور خوجة ومحمد شيخو أقدم الحكام الشيوعيين في العالم!
- ألبانيا أصغر دولة أوروبية وأفقرها، ومع ذلك فهي مفتاح أوروبة البحر الأبيض المتوسط ودوله!!
في البداية، نقرر أن الحديث عن ألبانيا محفوف بالصعوبات البالغة، وأن الناظر في أمور هذه الدولة الأوروبية الشيوعية ليشعر بالغصة والمرارة لهذا الستار الكثيف المضروب حولها، فلا يصل إلى الأسماع إلا شذرات لا تغني ولا تكشف إلا القليل.
الدولة المنعزلة
تكاد ألبانيا تعتبر من الدول المنسية، لقلة الحديث عنها في الصحافة العالمية، ولكثافة السور الحديدي المضروب على أخبارها، كما هي طبيعة النظام الشيوعي المنعزلة في كل مكان..
هذه الدولة الأوروبية على صغرها وفقرها، ذات موقع فريد متميز، إنها تقع في طرف أوروبة.. في جنوبها الشرقي بين اليونان ويوغسلافيا وبحر الأدرياتيك.
الإسلام وألبانيا:
لقد دخل الإسلام إلى ألبانيا بواسطة التجار المسلمين في أوائل القرن الثالث عشر، ثم ازداد انتشاره بعد دخول جيوش الفتح الإسلامي بقيادة السلطان العثماني «مراد الثاني» عام ١٤١٢م، ثم كان امتداد الإسلام على أيدي الدعاة والعلماء القادمين من الأناضول! أولئك الأتقياء الذين كان لسلوكهم الجيد وإلزام أنفسهم بالقدوة الحسنة، صدى طيب الأثر في نفوس الألبان الذين دخلوا في الإسلام أفواجًا..
وفي أقل من نصف قرن بلغت نسبة المسلمين ٩٢٪ من مجموع السكان، وهذا فضل من الله عظيم.
ولقد شيد المسلمون في ألبانيا على مدار «٥٠٠» سنة أكثر من ثلاثة آلاف مسجد!! نعم إن ألبانيا المسلمة قدمت للإسلام خدمات جليلة: لقد كانت قلعة حصينة للدفاع عن الإسلام في الجزء الجنوبي من شرق أوروبة.
أهمية ألبانية استراتيجيًا:
هذه الدولة الأكثر فقرًا وعزلة، والأصغر مساحة في أوروبا تتمتع بمركز استراتيجي هام، إذ تُعتبر مفتاح أوروبا إلى البحر الأبيض المتوسط ودوله، كما أنها كانت تشكل رأس جسر للنفوذ الصيني في دول أوروبا الشرقية، على مدار ربع قرن من الزمن، ولذا فهي شوكة في حلق الاتحاد السوفياتي وحلفائه في هذه الدول. هذه الميزات جعلتها عرضة للغزو والاحتلال من قرون كثيرة.
بين الأمس واليوم:
سقطت ألبانيا في حظيرة الشيوعية العالمية منذ عام ١٩٤١ حيث أعلنت جمهورية شعبية محكومة من حزب العمال الألباني الذي أصبح معروفًا منذ ١٩٤٨ باسم الحزب الشيوعي!! ومنذ ذلك الوقت وهي محكومة بشخصين يعتبران من أقدم الحكام في بلادهم بعد الحرب العالمية الثانية وهما (أنور خوجة) رئيس الجمهورية و (محمد شيخو) رئيس وزرائه.
وباستلام الشيوعيين الحكم تكون قد أنهيت ثلاث مراحل بارزة مرت على ألبانيا في عصرها الحديث وهي:
- مرحلة الحكم الإسلامي التي استمرت ما يقرب من خمسة قرون (من ١٤١٢ إلى ۱۹۱۲) وهو تاريخ استقلال ألبانيا بعد هزيمة تركيا في حروب البلقان.
- مرحلة الحكم الملكي بعد الاستقلال بموجب معاهدة لندن (۳۰ مارس ۱۹۱۳) حيث صار (أحمد زوغو) ملكها الشرعي.
- مرحلة الاحتلال الإيطالي منذ عام ۱۹۳۹ حتى استسلام إيطاليا ١٩٤٣ وعودة ألبانية مستقلة ومحكومة من قبل جبهة التحرير الوطني بزعامة أنور خوجة قائد قوات الأنصار في حرب العصابات تحت قيادة تيتو في مقاومة الألمان منذ 44- ١٩٤٨
مسلمو ألبانيا تحت مظلة الشيوعية:
ألبانيا اليوم أصغر مساحة مما كانت عليه فعلًا قبل التقسيم من قبل الدول الكبرى حسب معاهدة لندن السابقة: فهذه تبلغ مساحتها10,629ميلًا مربعًا فقط لأن هناك منطقة ضمت إلى يوغسلافيا وعدد المسلمين فيها مليون وستمائة ألف نسمة وهناك منطقة ثانية أعطيت لليونان، فطردت من فيها من المسلمين وهم مائتان وخمسون ألفًا، فلجأوا إلى تركيا منذ ٦٠عامًا؟
أما المسلمون في ألبانيا الشيوعية فنسبتهم أكثر من ٧٥٪ من مجموع السكان البالغ عددهم مليونين ومائة ألف نسمة.
وقد تسربت بعض الأخبار عن أحوالهم رغم جدار الاستبداد والعزلة، فقد أذاع اتحاد الطلبة المسلمين في أوروبا منذ فترة شيئًا منها، وقد جاء في بيانه:
(لقد عمل الشيوعيون على طمس معالم الإسلام في بلد المليوني مسلم، فمنعوا التعليم الديني وحرقوا المصاحف والكتب الإسلامية وحرموا اقتناءها، لقد أقفلوا المساجد ومنعوا الناس من أداء كافة شعائرهم الدينية، ومنعوا نساء المسلمين من ارتداء الزي الإسلامي، بل ومنعوا الرجال أيضًا وعملوا على إغرائهم وجذبهم للانفلات والتحرر من أصالتهم وأخلاقهم.. وفي مكان آخر يقول البيان: إن المواليد الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلا بأسماء غير إسلامية! وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم ليمارسوا عليهم الشعائر الإسلامية من غسل وكفن وصلاة أما عند الزواج فيستحيل ذكر الديانة ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط، وبالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال. لقد طرد أستاذ لأن طالبًا سأله: هل الله موجود؟ فأجابه: نعم إن الله موجود، طرد من التدريس بعد أن قضى ستة أشهر في السجن).
ولقد فر بعض الألبان من بلادهم وشكلوا جاليات في المهاجر، منها الجالية الألبانية في بلجيكا التي يبلغ عدد أفرادها ستة آلاف نسمة.
ألبانية الغد:
يلزمنا هنا عودة سريعة إلى الوضع السياسي لألبانيا منذ استلام الشيوعيين الحكم فيها، لقد كان (خوجة وشيخو) منذ البداية من أشد المتأثرين بستالين وأعماله، وبعد موته وبعد هجوم خروشوف عليه انقلبا على موسكو، وانسحبت ألبانيا من حلف وارسو وقد شجعت الصين الشعبية هذه السياسة واحتضنت خوجة منذ ١٩٦١ تمامًا، ولكن وفاة ماوتسي تونغ وانقلاب القيادة الصينية الجديدة عليه وحركة التطهير التي مارستها ضد (عصابة الأربعة)بما فيها زوجة ماو نفسه، كل ذلك أدى إلى إعادة النظر مع الصين الحليف الوحيد الباقي، إلى درجة فك الارتباط معها تمامًا، ويميل بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ألبانيا قد تحاول توثيق علاقاتها مع يوغسلافيا ورومانية المستقلتين، تفاديًا لأية هزات داخلية، وقد يحاول خوجة ورفاقه تحطيم جدران العزلة مطمئنين إلى متانة حكمهم، وقد يتبنون سياسة جديدة منفتحة على العالم الخارجي وخاصة الدول غير المنحازة ودول البلقان مع استحالة العودة إلى أحضان موسكو التي لم يبق من حلفائها إلا (ألمانيا الشرقية وبولونية والمجر وبلغاريا وتشيكوسلوفاكية)
احتمالات المستقبل:
مايزال العجوز (أنور خوجة) على رأس السلطة منذ عام ١٩٤١ وهو مع رئيس وزرائه محمد شيخو، أقدم الحكام في أوروبا، ولكن هذا الرئيس الذي جاوز السبعين بقليل، بدأت شمسه تميل إلى الغروب، ولكل شيء نهاية!!
فبعد موته سيحصل في ألبانيا ما حدث في غيرها من الدول الشيوعية المنغلقة، إنها طبائع الأشياء وقانون الحياة.. دوام الحال من المحال!.. إننا لا نستبعد أبدًا حصول الانفتاح والميل إلى الحرية في الحركة، ولكن من المشكوك فيه أن يحصل ذلك بسرعة، رغم أن هناك معركة عنيفة للاستئثار بالسلطة بعد إشاعات قوية عن تدهور صحة خوجة ومرض شيخو الذي أجرى عملية جراحية في باريس قبل عدة سنوات، ومع ذلك يبقى المسلمون المضطهدون عاملًا ضاغطًا في حركة التغيير، إن هؤلاء المقهورين سينطلقون بإذن الله رغم الكبت والقهر، إن في الأفق بوادر وملامح للتحرك، إن أولئك الذين طردوا الطلانية الفاشيست من ألبانية، سواء في الداخل أو في المهجر، أولئك الوطنيون الأحرار هم الذين يعملون حقًا لحرية الشعب الألباني في حفاظه على الأديان ومواريث السلف من حب الوطن والموت في سبيل عزته، وهؤلاء هم أمل الغد القريب أيضًا، هم الأمل في إنقاذ ألبانيا من حكامها الشيوعيين الظلمة الذين يخونون الوطن ويهدمون الدين. والله غالب على أمره.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل