العنوان مسلمو الاتحاد السوفياتي... الآلام والآمال
الكاتب نور الإسلام محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990
مشاهدات 58
نشر في العدد 974
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-يوليو-1990
- الإدارة الدينية في الاتحاد السوفيتي فقدت
مصداقيتها واحترام الناس لها.
- عدد المدارس التي تخدم 70 مليون مسلم لا يتجاوز
ثلاث مدارس.
إن التغيرات الجارية في المعسكر الشرقي وبالذات في الاتحاد السوفيتي لا يمكن أن تمر على المسلمين مرور الكرام، دون أن يعطوها ما تستحق من الدراسة والبحث والتمحيص؛ لأنها تمسهم وتهمهم أكثر من غيرهم من الملل والنحل التي جاءت مسرعة ومهرولة؛ لأنها تمس 1/10 (عشر) العالم الإسلامي تقريبًا... لأنها تعني مصير 70-80 مليون مسلم لا نعرف عنهم إلا النزر اليسير. فما هي أخبار إخوتنا هؤلاء؟ وكيف طالتهم التغييرات؟ وكيف أثرت في حياتهم؟ هذا ما سنحاول أن نتلمسه في هذا المقال بإذن الله تبارك وتعالى، والذي سيكون على شكل حلقات تعني كل حلقة بمشكلة من مشاكل إخوتنا هناك وما أكثرها، وتضع الحلول المقترحة لحلها والتغلب عليها.
الجهل الشديد بتعاليم الإسلام
سنتناول في هذا المقال أهم مشكلة من مشاكل المسلمين ألا وهي مشكلة الجهل الشديد بتعاليم الدين الحنيف بسبب سياسة التجهيل المتعمد من قبل الدولة بمختلف مؤسساتها، وبسبب فقدان العلماء الموجهين وفقدان الكتب الإسلامية التي قُضي عليها وأُتلفت في أوائل ثورة أكتوبر البلشفية، وما نجا من أيدي العابثين والمفسدين لا يستطيع الغالبية العظمى من المسلمين قراءته والاستفادة منه بسبب تغيير الأحرف الأبجدية من العربية إلى الأحرف الروسية اللاتينية.
لقد كانت الحملة المشؤومة التي قام بها ستالين للقضاء على البقية الباقية من العلماء الذين نجوا من الإبادة في بداية الثورة الحمراء ذات مفعول تدميري إجرامي على عقيدة المسلمين؛ حيث قام هو وحزبه بالقضاء على العلماء في مجازر تقشعر لهولها الأبدان، وقاموا بحملة إبادة للكتب والمصنفات الإسلامية الشهيرة، وأغلقوا معاهد العلم وبيوت الله عز وجل وحولوها إلى متاحف ومخازن، وتم هدم أعداد كبيرة جدًّا من بيوت الله تبارك وتعالى. ثم الضغط الكبير الذي شكلته وسائل الإعلام السوفيتية بمختلف أنواعها من إذاعة وتلفزيون وصحف وجرائد ومجلات ونشرات، كلها تدعو إلى الإلحاد والتنكر للدين، وتسخر من الدين والمتدينين، وتهزأ بالشرع الحنيف وعلمائه في حملة غاية في الخبث واللؤم، من أجل نزع البقية الباقية من إيمان في نفوس المسلمين، كل هذا وإن فشل فشلًا ذريعًا في تحويل الغالبية العظمى من المسلمين عن إسلامهم، إلا أنه أدى إلى جهل مريع بالدين الحنيف، وإلى تحول الإسلام إلى عادات وتقاليد لا تغير ولا تؤثر في حياة صاحبها بقليل أو كثير، وأدت كذلك إلى تحول الإسلام في نظر الكثيرين «وبالأخص الطبقة المثقفة التي تلقت تعليمها في المعاهد العلمية السوفيتية» إلى تراث من الماضي البعيد أو -على حد زعمهم- إلى تخلف الشعوب الإسلامية السوفيتية.
قد يقول قائل: نعم إن هذا كله صحيح، ولكنه عهد ولى وانقضى، وها قد جاء عهد الإصلاح وإعادة البناء أو «البروسترويكا»، وأُعطيت الحرية الدينية إلى المسلمين وغيرهم، ولكني أجيب على هذا: بأن الكم الهائل من الأخبار التي تأتينا وبالأخص من الغرب يوحي بهذا فعلًا؛ لأن أبناء عقيدتهم نالوا حقوقهم فعلًا، وأُعيدَت إليهم مقدساتهم، واليهود سُمِحَ لهم بالهجرة.... أما المسلمون فكل ما حدث معهم لا يتعدى خطوات دعائية وحركات مسرحية لا تغير من واقع الأمر شيئًا. ولأضرب مثلًا على ما أقول فلعلي أكون أكثر إيضاحًا وبيانًا:
مدارس إسلامية لـ 70 مليون مسلم
إن عدد المسلمين حسب آخر الإحصائيات 70-80 مليون مسلم، وعدد المدارس الدينية التي تقوم بخدمتهم 3 مدارس فقط. «مدرستان في الجنوب - في طشقند وبخارى - ومدرسة صغيرة في أوفا» ولا يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم أن هذه المدارس مثل مدارسنا، وأن دخولها ميسور للجميع وتقوم بخدمة الإسلام والمسلمين، سأوضح كيفية دخولها.
إن دخولها لا يكون إلا عن طريق ترشيحه من قبل أحد أئمة المساجد المعتمدين، وما أدراك ما أئمة المساجد المعتمدين الذين لن أخوض في موضوعهم الآن، وذلك لأنني سأفرد لهم حلقة كاملة قادمة، ولا يحصل الطالب على هذا الترشيح إلا بعد موافقة المخابرات السوفيتية، هذه المخابرات التي قُصْقِصَت أجنحتها إلا على إخوتنا المسلمين، وبعد دوامة كبيرة من الإجراءات الإدارية يدخل الطالب المدرسة؛ ليتخرج منها بعد أربع سنوات إمام مسجد «ملي» كما يدعونه، يدعو لغورباتشوف والحكومة السوفيتية في صلاة الجمعة في مسجده.
صرف المسلمين عن الجوهر إلى القشور
والمسلمون -وأسفًا- يفرحون ويهللون لبناء المساجد أو لإعادة افتتاح بعضها، وغاب عنهم من سيستلم هذه المساجد ومن الذي سيوجه المسلمين فيها، أن الحكومة السوفيتية تقوم بتنفيذ خطة خبيثة محكمة... حيث تصرف انتباه المسلمين عن اللب إلى القشور ومن الدسم إلى العظم؛ إذ ماذا سيفيد المسلمين إرجاع مصحف عثمان –رضي الله عنه– إلى طشقند، بماذا سيفيدهم توزيع المصاحف عليهم وهم لا يستطيعون قراءتها؛ فضلًا عن فهمها.
الجهل بالإسلام فتح الباب أمام التنصير
إن هذا الجهل الشديد المريع بتعاليم الإسلام قد فتح الباب على مصراعيه أمام بعثات التنصير الحاقدة على الإسلام والمسلمين؛ لتَلِج منه في غفلة عن المسلمين وفي ظل انشغالهم بتوافه الأمور، التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن هذه البعثات التنصيرية التي انتشرت في أكثر بقاع المسلمين تخلفًا وجهلًا، قد نجحت في تحويل عائلات بأكملها عن الدين الحنيف، مستغلة وفي المقام الأول الجهل، ثم بالمساعدات الخيرية التي يستغلونها في خداع الشعوب.
إن خطر التنصير يتهدد مسلمي الاتحاد السوفيتي، ولا داعي لخداع النفس وتضليلها بأن المسلمين هناك بخير وعافية، وذلك لما نسمعه صباح مساء عن التغيير والحرية والإصلاح بإعادة البناء... إلخ من هذه الشعارات الخادعة.
الحاجة إلى مشاريع عملية نافعة
إن هذه صرخة استنجاد ونداء استغاثة أرفعه ومعي كل مسلم حر غيور إلى جميع المخلصين في الدنيا علها تلامس نخوة معتصم غيور أو همة ذوي النجدة والكرامة، فيبادرون إلى نجدة إخوانهم في الاتحاد السوفيتي بالمشاريع العملية والنافعة التي تخدم هذا الهدف السامي الكريم، ألا وهو القضاء على الجهل المستشري بين المسلمين. ولئلا يكون كلامي نظريًّا كله، فإنني أتقدم بجملة المقترحات التالية علها تجد آذانًا صاغية، والله من وراء القصد:
- توجيه
الدعم والأموال لبناء المدارس الإسلامية النموذجية التي
تبدأ من رياض الأطفال إلى المرحلة الثانوية، «وهو الصف العاشر في النظام
التعليمي السوفيتي»، وذلك بدلًا من دفع الأموال إلى مشاريع وهمية أو غير ذات
فائدة حقيقية.... مثلما فعل المدعو تاج الدينوف طلعت مفتي القسم الأوروبي من
الاتحاد السوفيتي الذي ألهى المسلمين بمسجد يعاد افتتاحه على أنقاض مسجد قديم
كان قد حُوِّلَ إلى كنيسة في العهد القيصري، وجمع أموالًا كبيرة من المسلمين
في العالم الإسلامي لهذا المشروع، والمسلمون –لا يدرون أنهم بعملهم هذا قد
قاموا بدعم الخزينة السوفيتية التي هي في أمس الحاجة إلى العملات الصعبة–
وصرفوا نظرهم عن أوجه الفائدة الحقيقية لدعم المسلمين.
- من
المشاريع المهمة في مواجهة سياسة التجهيل السوفيتية افتتاح
معاهد علمية عليا، تعمل على تخريج الأئمة والدعاة والخطباء والوعاظ الواعين
والمدركين إدراكًا تامًّا لمقاصد الدين الحنيف ولطبيعة المرحلة.
- ومن
المفيد في هذا الباب استقبال أبناء المسلمين في المعاهد
والجامعات العربية والإسلامية في مختلف التخصصات العلمية، ولكن هذا يجب ألا
يتم عن طريق الإدارات الدينية أو المفتين وغيرهم، ولا عن طريق لجنة التعليم
العالي السوفيتية، ولكن عن طريق مسابقات للترشيح للجامعات، ويُختار الطلبة المتفوقون
للسفر للدراسة، وكذلك عن طريق ترشيح المدارس الإسلامية –سالفة الذكر– للطلبة
المتفوقين فيها.
- ومن
الأمور التي تعين على مواجهة الجهل الكبير افتتاح مكتبات
عامة، تتعهدها الدول والمنظمات الإسلامية المهتمة بالموضوع، والتي تفتح
المجال لمن لا يستطيع الالتحاق بالمدارس الإسلامية أن يتثقف ثقافة ذاتية،
ويتعلم دينه بنفسه.
- وكذلك
لا بد من قيام لجان للترجمة إلى اللغات المحلية، ويُستعان
على ذلك بأهل البلاد المتقنين للغة العربية. ولا بد من وضع خطة للترجمة،
فيُترجَم الأهم فالمهم.
- ومن
أهم الخطوات التي لها أثر كبير في حياة المسلمين
السوفيت إرسال الدعاة والأساتذة والمحاضرين من الخارج ممن لهم باع طويل وخبرة
جيدة في الدعوة إلى الله. ولكن لا بد من الخروج عن هذه الدائرة المغلقة من
الزيارة عن طريق الإدارات الدينية والتي فقدت مصداقيتها، والأهم من ذلك ألا
وهو احترام الناس لها ولرجالها.
- عند
بناء المساجد يُراعَى أن يكون المسجد مركزًا إسلاميًّا
متكاملًا، يحوي دارًا للقرآن الكريم وقاعة للمكتبة والمحاضرات.... إلخ، مع
مراعاة المراقبة التامة للمصاريف والحسابات.
- إقامة
الندوات العلمية الصرفة، وكذلك المخيمات الصيفية للأطفال.
ولا يخفى أنه لا بد لجميع هذه النشاطات والمشاريع من جهود جبارة واستعانة قبل ذلك بالعزيز الجبار... ولا يقوم بهذا الأمر إلا الأفذاذ من الرجال... ولهذا لا بد من الاستعانة والاستفادة من جميع الطيبين ومن كل من له خبرة وجهاد في هذا الميدان.
وفي ختام هذه الحلقة أسأل الله عز وجل أن يوفق المسلمين إلى كل خير، وأن يأخذ بأيديهم، ويهديهم لكل ما يحقق مصلحة الإسلام والمسلمين.
- الإدارة الدينية في الاتحاد السوفيتي فقدت
مصداقيتها واحترام الناس لها.