; مشاهدات عائد من أمريكا.. حيث ضاعت الروح | مجلة المجتمع

العنوان مشاهدات عائد من أمريكا.. حيث ضاعت الروح

الكاتب الأستاذ مازن صلاح المطبقاني

تاريخ النشر الجمعة 01-أغسطس-1975

مشاهدات 4

نشر في العدد 261

نشر في الصفحة 16

الجمعة 01-أغسطس-1975

شاء الله أن أحصل على بعثة دراسية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فذهبت إلى هناك في أواخر عام 1968 ومكثت فيها حتى منتصف عام 1973. وهناك شاهدت الحضارة الغربية وهي في تمامها، ونقصان الشيء في تمامه، وقد توصف بأبعد من ذلك بأنها كالجدع الذي حطبته الديدان من داخله ولكن مظهره الخارجي ما زال قويًا، وما هو إلا عامل الزمن حتى يتهادى هذا الجذع، والسبب الرئيسي لهذا الانهيار هو غيبة الدين وانقطاع الصلة بالخالق.

هذه الكلمات التي سميتها «حيث ضاعت الروح» قد تطلقون عليها إن شئتم «مشاهدات عائد من أمريكا»، وأعدكم بأني سأوالي الكتابة في هذا الموضوع، أختار في كل مرة جزءًا من الحياة هناك كالتربية أو الصداقة، ضاربًا المثل بمشاهداتي الشخصية أو ما يتحدث به الناس أو ما قرأته هناك.

والآن اسمحوا لي بأن أشكركم على جهودكم العظيمة في المحافظة على روح الإسلام في مجلتكم والتي هي من بين القلائل الباقية على هذا المنهج، فجزاكم الله عن الإسلام خير الجزاء.

قامت في العالم حضارات ومدنيات كثيرة وكان لكل منها مقوماتها التي أدت لنهوضها وارتقائها، ومن بين المقومات التي اشتركت فيها جميع الحضارات تقريبًا الجانب المادي من حيث استغلالها ما في الكون من طاقات وثروات وشبه تقوى البشرية لخدمته وإيجاد كيان سياسي مستقر. أما جانب القيم الأخلاقية والفكرية والروحية فهو الجانب الذي تمايزت فيه الأمم المنصهرة، وفي هذا يقول الشيخ سعيد حوى في كتابه الإسلام: "هناك نوعان من الحضارة: حضارة إسلامية وحضارة جاهلية؛ فالحضارة الإسلامية هي التي تقوم على الثقافة الإسلامية ويكون الناتج الحضاري متناسبًا مع هذه الثقافة". والثقافة الإسلامية هي تلك المستمدة من كتاب الله والسنة المطهرة واجتهاد علماء الأمة الإسلامية، بينما تستند الثقافة الجاهلية إلى العلوم المادية والتي تدعو قيمها إلى سيطرة تلك الأمة على مقدرات العالم من مادية وبشرية دون الالتفات إلى الروح وما جاء من عند الله من أديان سماوية.

مما جعل بعض مفكري الغرب، وأبرزهم ألكسي كاريل صاحب كتاب «الإنسان ذلك المجهول»، يقرر بأن كل ما في الحضارة الغربية- والتي أرى أنها أبرز مثال على الحضارة الجاهلية- مبني على غير أساس من معرفة طبيعة الإنسان الغربي، وأن فقدان الروح في هذه الحضارة هو من أهم الأسباب التي ساعدت على تحطيم الإنسان الغربي وجعل آماله كلها تخيب في الوصول إلى السعادة، ولا يعتقد أن مظاهر التقدم العلمي والنظام والتقنية كافٍ لإسعاد البشر، بل على العكس فهم في ضيق من هذا كله. ويبدو ذلك واضحًا في انتشار الجريمة بصورة واسعة، وانحلال الأخلاق، وضعف الروابط الأسرية والاجتماعية بل وانعدامها أحيانًا، وكذلك الإصابة بالأمراض النفسية والعصبية التي أدت إلى داء القلق، مما حدا ببعضهم إلى تسمية عصرهم هذا بعصر القلق. ودليل على ذلك قيام جماعات منهم تدعو إلى نبذ كل ما أتت به الحضارة الغربية والعودة إلى الحياة البسيطة الخالية من التعقيد التكنولوجي.

ولننظر الآن بدقة أكبر في هذه الحضارة الغربية التي كثر المنادون باتباعها والأخذ بما جاءت به في جميع شؤون الحياة؛ لا بد لنا أن نبرق حجب الظلام الذي يكاد يغلف العالم أجمع محاولين أن نلمس درب الحقيقة في أسلوبنا لنضيف منبع النور والحق والهداية.

نعم لنصل إلى الحقيقة، دعنا نتعرف إلى مظاهر هذا الظلام ولتكن أمريكا هي المثال لبحثنا هذا؛ فعندما بدأ الأوروبي القذر التوغل في الأرض الجديدة سعيًا وراء الثروات الطبيعية، بذل جدًا واجتهادًا بانيًا هنا مصنعًا وهناك مصنعًا ومدرسة وجامعة، انطلاقًا من إيمانه العميق بضرورة العلم والمعرفة، معطيًا أروع المثل في العمل الجماعي والاتحاد والالتزام، بيتها الكنيسة بعض كيانها مع علمه بأنه كان لها أكبر الأثر في محاربة العلم وأهله وتحطيم المبادئ الإنسانية أيام عصر النهضة وما قبلها. وكان من مظاهر الارتباط بالدين أن كان الدستور الأمريكي يضم الوصايا العشر التي جاءت في العهد القديم، وصلاة كان يؤديها الصغار في مدارسهم كل صباح، ولهم عيد شكر سنوي يذكرون نعم الله عليهم أن وهبهم هذه الأرض الثرية، وكان ترابط الأسرة والمجتمع ظاهرة ملموسة ويوم الأحد عيدًا للجميع لا يتخلف عن الكنيسة إلا القليل.

ولكن هذا كله ما كان إلا بقايا إيمانهم القديم بالدين، وإلا فإن أهدافهم تغيرت بعد إبعاد الكنيسة عن سدة الحكم وأصبح الثراء السريع والتقدم المادي هاديهم في ذلك القانون المعروف "الغاية تبرر الوسيلة". وكان من هذه الوسائل إبادة الهنود الحمر في أمريكا ذاتها، بدليل أن الإحصائيات أثبتت أنهم كانوا أكثر عددًا عندما اكتشفت أمريكا منهم في الوقت الحاضر، ثم استغلال الشعوب الأخرى واحتكار ثرواتها.

وطال عليهم الأمد وأخذت الحضارة الغربية في أمريكا في التراجع وسلوك طريق الخيبة، فألغيت الصلاة في المدارس، وراحت الوصايا العشر تحرف، وملابس النساء تنحسر قليلًا قليلًا حتى خلعتها أو كادت، وألغي القسم الديني في المحاكم، وطالب ملحدوهم بأن تكون لهم كنائس ومدارس تقوم بتبعاتهم المعفاة من الضرائب أسوة بغيرها من الكنائس والجمعيات الخيرية.

وراح القوم يفقدون وعيهم وراء كل تقليعة جديدة كتقليع الشعر أو حلاقته، وانتشرت المخدرات حتى أنهم لم يعودوا يستسيغون الحياة في صحوهم إن هم صحوا. وفي حياة تطمع وراء رفع الإنتاج وإثراء أصحاب رؤوس الأموال، فقد العامل صلته الإنسانية برب العمل وضاعت صرخاته طلبًا للإنسانية في وادي النقابات التي لا يرأسها إلا أصحاب رؤوس الأموال أنفسهم.

وزد على ذلك أن الطبيعة التي سخرها الله لهم اشتكت من تلوث مائها وأوساخ هوائها، والمرأة هناك لم تعد أمًّا للتربية ولا زوجًا لتكون سكنًا للرجل، بل إنها غدت آلة في خدمة الآلة وسلعة رخيصة لا قيمة لها، حتى إن الإحصائيات الأخيرة تشير إلى دخولها مضمار الجريمة وتفوقها على الرجل فيه.

وبينما تواصل أمريكا نزول سلم الرقي والحضارة، يتوقف بعض من عقلائها يبحثون عن مهرب وعن الروح المفقودة، عن الظل البارد والركن الهادئ من هجير الآلة وصخب التصنيع ونسمات الانحلال. وهنا تصبح أمريكا مسرحًا عجيبًا للعقائد تعرض فيه كما تعرض التمثيليات؛ أتى البهائيون وقالوا بوحدة الأسرة البشرية وجعلوا الرسالات واحدة سواء السماوي منها أو الوضعي وأسسوا لهم مراكز وباعوا واشتروا، وظهر على المسرح جماعة من الهنود يؤلهون كرشنا، يلبسون قطعتين من القماش البرتقالي حالقي رؤوسهم إلا من شعر قليل في المقدمة أو المؤخرة، يدورون بأفكار غريبة وعلى جباههم نقطة بيضاء كأنها قطرة من الحليب سالت ثم جفت، وهم في دعوتهم هذه يجتذبون الناس إلى موائدهم البسيطة التي يسمونها أعيادًا وعندها يطالبونهم بالتبرعات، ويقول العليمون بالأمر إن هؤلاء الأشخاص شحاذون مهرة ويمتلكون أموالًا طائلة.

وحركة أخرى أشبه بالهستيريا المحمومة ألا وهي دعوة اليسوعيين وهم ينادون بتأليه المسيح- والعياذ بالله- ويدعون إلى التحلل من جميع المذاهب الأخرى وتترك السياسة والعالم يسير كما هو دون التدخل، وهم في اعتراضهم على العقائد الأخرى لا يتوانون عن النيل من كل دين يخالفهم بأسلوب سفيه زاعمين أن أصحابها مصابون بالمرض والغباوة والتخلف. ويعود إلى أمريكا وهي في قمة العلم والمعرفة عصر السحرة والمشعوذين يدعون الناس إلى الانغماس في اللذات والشهوات دونما ردع أو تقريع من وازع ديني أو أدبي أو اجتماعي، بل وأنهم في دعوتهم هذه يهيئون لأتباعهم التحلل الكامل من الأخلاق بخلق الجو الملائم لاقتراف الآثام، وكيف لا يتبع الأمريكيون وهم صرعى نشوة المادة والترف.

ولا يسدل الستار هنا، فالشاب الهندي الذي يلقب نفسه بالسيد الكامل قام بدعوته لإحياء الروح في أمريكا ويا له من ادعاء خبيث، حتى إذا وقع الأمريكان فريسة لدعوته بدت على حقيقتها أنها استغلال لهم ولجمع المادة فقط. وقد ذكرت مجلة (التايم) الأمريكية في أحد أعدادها أن الخلافات بدأت تظهر بين الشاب الدجال وأمه وذلك لاستئثاره بالأموال دونها وأخيه، ولذلك قامت بتعيين أخيه قائدًا لهذه الدعوة بدلًا عنه.

كل هذا وأكثر حاصل في أمريكا، ناهيك عن أولئك الذين يصطرعون بين الموت والحياة بحثًا عما يسدون به رمقهم ويطفئون جوعهم وهم غير قليل، بل نيفوا على الأربعين مليونًا جلهم من السود والأقليات الملونة الأخرى والبعض من البيض أيضًا، وهؤلاء ضاعت أصواتهم في المسيرة المجنونة خلف الدرهم والدولار فهم لا يلقون بالًا لحركات عقائدية مثل هذه التي ذكرت ولو أنهم يتعشمون أن بعضها قد ينقذهم مما هم فيه من بؤس وشقاء وحرمان.

هذه صورة مختصرة للغرب في يومنا هذا، وياللأسف فإنها تبدو لكل ذي تفكير ضحل بأنها الحضارة والتقدم والرقي الذي على كل أمة أن تتمناه. ولكن كيف تكون هذه حضارة وآلاف الأبناء هاربون من آبائهم وأمهاتهم وهم لم يتعدوا الثامنة عشرة بعد؟ ولم أذكر أن في أمريكا وحدها يزيد عدد مدمني الخمر على العشرة ملايين، بالإضافة إلى مدمني المخدرات ابتداء من طلاب الصفوف الابتدائية!

لا.. لا، هذه ليست الحضارة؛ لأن حضارة الإسلام هي الحضارة الحقة التي تنعم بنور الله وشريعته وهدايته، والتي تدعو إلى خير البشرية جمعاء وإلى إحقاق الحق ونشر العدل بين الناس. والإسلام هو الدين الوحيد الذي يمكن لأصحاب بناء حضارة مثل هذه وهم قد بنوها وسعد العالم بها مدة طويلة، ولكن حين بعد أهلها عن منبعها ضاعت قوتهم واندثرت شخصيتهم أو كادت، وتركوا المجال لكل دخيل ليمزق وحدة صفهم ولينشر مبادئه الهدامة بين ظهرانيهم، بل زيادة على ذلك استولى عليهم الشعور بالنقص تجاه تلك الدعوات الأجنبية الضالة وراحوا يقلدون ما أتت به من أفكار وأساليب حياة وعادات وتقاليد كثير منها ما هو مناف لعقيدة التوحيد الصحيحة على علم من أبنائها وعلى غير علم.

وأعود لأقول إن إسلامنا عظيم، ونحن عظماء ما سرنا على نهج الله وشريعته ونظرنا إلى العالم بمنظارنا نحن وأمنا بأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي خير رسالة، وإننا كما قال رب العالمين وعلى شرطه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

154

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

163

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

164

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟