العنوان مشاهد الحرب تعود من جديد إلى موستار
الكاتب عبدالباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 14-أبريل-2001
مشاهدات 71
نشر في العدد 1446
نشر في الصفحة 36
السبت 14-أبريل-2001
حين داهمت القوات الدولية التي رافقت لجنة تقصي الحقائق إلى منطقة الهرسك أحد البنوك للتحقيق فيما يقال عن تجاوزات ومعاملات غير مشروعة يقوم بها عدد من البنوك التي يعتقد أنها تابعة للتجمع الكرواتي الديمقراطي، ردت العصابات الكرواتية بالهجوم على القوات الدولية وأحرقت آليات عدة، واعتدت على ۱٨ عنصرًا من بينهم مغاربة وإيطاليون وأمريكان وفرنسيون وإسبان.
بدأت أحداث موستار بعد محاولة أكثر من ألف متظاهر من أنصار التجمع الكرواتي الديمقراطي، منع ١٠ من ممثلي الحكومة الذين رافقتهم قوات دولية عاملة في البوسنة من التدقيق في وثائق وملفات بنكي «زاغريباتشكا بنكا»، و«فيلالا» في ثمانية فروع بست مدن جنوبية، بعد شكوك أبداها المفوض الدولي في البوسنة والهرسك «ولفجانج بیتریتش» بشأن دور بعض البنوك في تمويل جيش الدفاع الكرواتي المنحل وحزب التجمع الكرواتي الديمقراطي بطريقة غير قانونية.
وحول النتائج التي وصل إليها فريق تقصي الحقائق قال الناطق باسم القوات الدولية في البوسنة: «لقد عثر الفريق على قرائن جديدة جدًّا، ومن ذلك وجود ٥٠ حسابًا لما يسمى بجيش الدفاع الكرواتي، والذي من المفترض ألا يكون موجودًا»؛ حيث إن قيام الفيدرالية نسخ ماضي الحرب، ولكن ما نشاهده هو استمرار لحالة الحرب التي كانت سائدة قبل توقيع اتفاقية دايتون، الناطق باسم ما يسمى المؤتمر الكرواتي ماركو توكيتش الذي يتهم بإثارة المشكلات في البوسنة وصف ما قامت به السلطات الحكومية بأنه «سطو مسلح في وضع النهار»، النائب الأول للمفوض السامي قال في مؤتمر صحافي: «إن الوقت قد حان لمراقبة حركة البنوك حتى لا تكون هذه المؤسسات الخطيرة عنصر تغذية لحالة عدم الاستقرار والاضطرابات التي قد تدفع للحرب مجددًا»، وقال: «إن الملفات التي صودرت من بنك زاغريباتشكا تخضع للتحليل من قبل خبراء محليين ودوليين وسيرفعون تقريرًا عند الانتهاء من التدقيق».
تلك كانت البداية لكن جذور الأزمة بين السلطة الدولية والتجمع الكرواتي الديمقراطي تعود إلى أسابيع عدة مضت عندما عملت منظمة الأمن والتعاون الأوروبي والمجموعة الدولية على ضرب الأحزاب القومية الكبيرة، وتمكين المعارضة من الوصول للحكم مستخدمة أساليب وصفت بأنها غير ديمقراطية، ثم قامت السلطة الدولية بالضغط على مختلف الأحزاب لمنع مرشح التجمع الكرواتي الديمقراطي مارتين راغوج من الوصول إلى سدة رئاسة الوزراء، وطرد اثنين من مرشحيه في البرلمان، فكان أن سحب التجمع الكرواتي جميع ممثليه من البرلمان الفيدرالي، وطالب بكيان ثالث داخل البوسنة والهرسك، وهدد بغلق الحدود، ونشر الاضطرابات، ولم يستجب الممثل الدولي ولفجانج بيتريتش لتلك المطالب بل قام بعزل أنتي يالافيتش من منصبه كعضو في مجلس الرئاسة، ووضع كرواتيًّا آخر مكانه، هذا الإجراء دعا التجمع لتصعيد الموقف أكثر، فأعلن الجنود الكروات أنهم يريدون جيشًا لكل البوسنة والهرسك في محاولة لجر المسلمين إلى صفهم «كما فعلوا سنة ١٩٩٣م عندما أعلنوا أنهم مع البوسنة الموحدة في الوقت الذي كانوا يجرون فيه اتصالات مع الصرب لتقسيم البلاد»، لكن المسلمين ورغم كل المظالم والاستفزازات التي يلاقونها من الممثلين الدوليين لزموا الصمت، ولم يستخفهم ما قام به الكروات في أول الأمر عندما غيروا شارة الفيدرالية بشارة العلم البوسني الذي يرمز للبوسنة الموحدة، ولما عرف الكروات أن حيلتهم الجديدة لم تنطل على المسلمين قاموا بمغادرة الثكنات العسكرية، وكذلك فعل الكثير من الشرطة الكروات في محاولة لهدم الفيدرالية من خلال أهم مؤسساتها.
انكشاف المشروع الكرواتي: أصبح المشروع الكرواتي، مكشوفًا أكثر من ذي قبل، وعاد الكروات الحديث عن الانفصال فبعد حملة المداهمات التي شهدتها موستار أعلن أنتي يالاقيتش أن أحلام الكروات لا يمكن أن يقضى عليها حتى لو عمدت السلطة الدولية إلى سجن القيادات المنادية بذلك، وسارت المظاهرات منادية بالانفصال ورفع فيها علم دولة كرواتيا، رغم أن الحكومة الكرواتية لا تؤيد ما يقوم به الكروات في موستار، وسبق وأن طالب الرئيس الكرواتي ميسيتش من الممثل الدولي سحق يالافيتش، وأعاد الكروات الاعتبار لزعيمهم المقبور بويان من خلال زيارة قبره، ووضع إكليل من الزهور عليه، لقد عادت مشاهد الحرب مجددًا في الأيام الماضية إلى موستار، وكان مشهد الدبابات والسيارات العسكرية، وهي تغلق الطرق وتجوب الشوارع يوحي بذلك سيارات تحترق والدخان يرتفع من جنبات المدينة، والذعر والتوتر سيدا الموقف، وأصبح الوضع في جنوب البوسنة والهرسك خطيرًا ولا يزال.
زيارة كولن باول
تأتي هذه التطورات الخطيرة على راهن ومستقبل البوسنة في ظل واقع إقليمي متوتر ينذر بالانفجار، وتجد الحكومة البوسنية نفسها عاجزة عن حله، بل هي مجرد شاهد عيان على أحداثه، لا فيما يتعلق بالوضع في موستار فحسب، وإنما بالحالة غير الطبيعية في مناطق السيطرة الصربية أيضًا، في وقت تزامنت فيه الأحداث مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي للمنطقة، ويعتقد عدد كبير من السياسيين والدبلوماسيين بما فيهم أمريكيون بأن کولین باول رفع سوط المساعدات في وجه ضرب البوسنة الذين سيخيرون بين السماح للمهجرين بالعودة لديارهم، وتسليم مجرمي الحرب للمحكمة الدولية بلاهاي أو قطع المساعدات الدولية عنهم، وأن يستطيع الصرب مواجهة تلك الخيار لحاجتهم الماسة للمساعدات، ولا سيما أن مصدرًا أمريكيًّا ذكر أن باول يحمل معه وعودًا بمساعدة البوسنة بعد التغيير الذي تم على مستوى الحكومة المركزية وعلى مستوى الفيدرالية؛ حيث وصلت المعارضة للحكم.