العنوان مشروع الضرار محاولة انشقاقية موجهة ضد التنظيم الدولي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
مشاهدات 98
نشر في العدد 848
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 22-ديسمبر-1987
· التنظيم
الدولي القائم كفيل بتحقيق التآخي وتوحيد الرأي والتشاور النظري والعملي في سبيل إعلاء
کلمة الله
لقد أثار مقال «ماذا يريد الترابي وسعد الدين؟» دهشة واستغراب كثير من الإسلاميين
والدعاة.. فلم يتوقع هؤلاء هذا التصرف من شخصيات كانت لها مكانة وتقدير في أنفس العاملين
بالحركة الإسلامية.. ولم يتصور هؤلاء أن الدكتور حسن الترابي يخرج عن إطاره ليبدأ بتأصيل
الفرقة وتكتيل المجموعات المنشقة ضد الجماعة الأم التي نشأ في صفوفها ونال مكانته من
داخلها.. ولم يصل خيال الإسلاميين إلى أن تبلغ خصومة الأستاذ سعد الدين إلى هذا الحد
من الإساءة لوحدة جماعة الإخوان المسلمين.. ولقد بدأت تساؤلات أخرى حول «المشروع الضرار»
الذي يستهدف تأصيل الفُرقة والانشقاق.. وطالب بعض المهتمين بمزيد من التفاصيل ومناقشة
فكرة هذا المشروع ومدى تلبيس إبليس على المختلفين مع الصف..
و«المجتمع» مساهَمة منها في تبيان خطورة الموضوع سوف
تقوم بمناقشة هذا المشروع الخطر..
هل هو كيان بديل؟
أطلق أصحاب هذا المشروع اسم «المؤتمر العالمي للحركة الإسلامية» على الكيان الجديد
الذي يدعون إليه، وزعموا في دعوتهم التي وجهوها للمدعوين أن هذا الكيان ليس بديلًا
ولا موازيًا لأي كيان أو تنظيم إسلامي محلي أو إقليمي أو عالمي آخر فهل هذا صحيح؟
إن أصحاب هذا المشروع أرادوا أن يستدرجوا كثيرًا من رجالات وجماعات الحركة الإسلامية
في العالم والتي لها علاقات وطيدة مع التنظيم الدولي للإخوان.. ولقد كان هاجسهم هو
تردد المدعوين من قبول الدعوة إذا ما فهمت أنها محاولة انشقاقية موجهة ضد التنظيم الدولي..
لذلك لجأوا إلى ترديد أن الكيان ليس بديلًا أو موازيًا لأي كيان إسلامي آخر.. ولكن
سرعان ما دعواهم تنقشع، وحيلتهم تنكشف عندما يعرف المدعوون أن جماعات الإخوان المسلمين
المرتبطة بالتنظيم الدولي كانت الاستثناء البارز من هذه الدعوات رغم أنها أكثر الجماعات
انتشارًا وشمولية، فلماذا تجاهل أصحاب هذا المشروع دعوة الجماعات والشخصيات الإخوانية
أكثر؟ فإذا كانت أهدافه بهذه البراءة، فلماذا حرص القائمون على هذا المشروع إخفاءه
على الإخوان المسلمين وإخفاء تحركاتهم من أجله؟
وهناك أمر آخر جدير بالمناقشة.. لماذا حرص أصحاب هذا المشروع على دعوة الجماعات
المنشقة من التنظيم الدولي؟ أليس هذا هو تأصيل للانشقاق وتنظيم للفرقة! وإذا كانت مبررات
البعض هي الانهماك في النشاط القُطْرِي والاعتذار عن الالتزام بالتنظيم الدولي للتفرغ
للنشاط القُطْرِي فأين موضع هذه المبررات من هذا المشروع؟ ولماذا الاصطياد في الماء
العكر وتقوية شوكة الخلاف والفرقة والانشقاق؟
إن أصحاب هذا المشروع إما يخدعون المدعوين، أو يخدعون أنفسهم عندما يرددون أن
مشروعهم (الضِّرار) ليس تنظيمًا موازيًا أو بديلًا.
مبررات التنظيم الجديد
أهداف التنظيم (الضرار) هي مبرراتُ نشأتِه.. وقد حددتها الدعوة الموجهة بالتالي:
1.
التعارف وتبادل الرأي.
2.
التشاور النظري والعملي.
3.
التعاون في مجالات العمل الإسلامي.
ونحن نسأل الدكتور الترابي، والأستاذ سعد الدين، هل هذه الأهداف لا تسعها أهداف
التنظيم الدولي؟! أوليس العمل الإسلامي القائم والمجرب كفيلًا بتحقيق هذه الأهداف؟
أليس من الأفضل الانضواء في ذلك العمل والمساهمة في تحقيق أهدافه بدلًا من تشتيت الجهود
وبعثرة الطاقات؟! أوليس التنظيم الدولي قائمًا على تحقيق دور أكبر من مجرد التعارف
وتبادل الرأي؟! إن التنظيم الدولي قائم لتحقيق التآخي وتوحيد الرأي والتشاور النظري
والعملي للتنسيق على المستوى الدولي والعالمي في إعلاء كلمة الله، إن أهدافه أعمق من
الأهداف التي يطمح لها هذا التنظيم (الضرار) وإن التجربة أثبتت نجاحه في تحقيق هذه
الأهداف على نطاق واسع.
تدويل الانشقاق
إن ورقة الدعوة التي وجهها أصحاب هذا المشروع تضمنت نصًّا يقول بجواز إنشاء فروع
إدارية أو إقليمية أو فئوية للمؤتمر، ونحن نستغرب ذلك إذ إن أي مؤتمر يُعقد يكفي أن
تكون له لجنة تحضيرية للإعداد لانعقاده السنوي.. حيث إنه مجرد مؤتمر تَلتَقِي فيه الشخصيات
أو الهيئات.. أما أن يكون للمؤتمر فروع إدارية وإقليمية فهذا لا يكون إلا للتنظيمات
الدولية وليس للمؤتمرات.. إذ ما دور هذه الفروع في التحضير للمؤتمر؟ وإذا قلنا دعوة
ومتابعة القرارات فهل يستدعي ذلك افتتاح فروع في مختلف الأقطار والدول؟
إن مضامين ورقة الدعوة فضحت نوايا الداعين لهذا التنظيم وكشفت تسترهم بدعوة الائتمار
أو عقد مؤتمر.. وهذا يدل على أنهم عازمون على تدويل الانشقاق.
الترابي يريد الزعامة
نعم.. إنه يريد الزعامة كيفما كان السبيل.. ولقد وجد سبيله في هذا المشروع..
لذلك جلس مع الأستاذ سعد الدين ووضعا سويًّا أهداف ووسائل وشكل التنظيم الجديد وحددًا
شروط العضوية ليضمنا زعامة الترابي لهذا التنظيم الجديد.. فقد شكَّلا اللجنة التحضيرية
المكوَّنة من عشرة أعضاء من أنصارهما، كما جعلاها تضع مسودة النظام الأساسي للتنظيم
الجديد، وتعتمد العضوية الأولوية لأعضاء هذا التنظيم.. ونحن نتساءل: كيف يكون هذا التنظيم
ائتماريًّا أفقي العلاقات إذا كان الترابي وسعد الدين يعينان العضوية فيه؟! أي صورة
من الشورى والديمقراطية ستكون إذا كانت العضوية بالتعيين؟ هل سوف يعين الترابي معارضيه؟
هل ستقبل عضوية مخالفي سعد الدين؟
إن الترابي حرص منذ أول لحظة على هيمنته على هذا التنظيم فقد هيأ الرأي لأن تكون
السودان هي مقر انعقاد المؤتمر.. كما جعل مواصفات مقر التنظيم مطابقة للخرطوم إذا حددت
دعوتهم المقر بالوصف التالي «يكون المقر في أي بلد تتوافر فيه حرية الحركة والرأي تعينه
هيئة المؤتمر» ولكي يحكم قبضته بصورة أكبر على التنظيم فقد جعل للمنظمات الإسلامية
الفئوية المستقلة «طلاب، نساء عمال، علماء... إلخ» عضوية في هذا التنظيم.. ومعنى هذا
أن التنظيمات المتعددة الفئوية التي أنشأها في السودان ستنال عضوية التنظيم مما يعني
أن نصف أعضاء هيئة هذا المؤتمر ستكون من السودانيين المناصرين للترابي والذين سوف لا
يخرجون بقراراتهم عن رغبة الترابي.
إن تشكيل اللجنة التحضيرية وتحديد العضوية في هيئة المؤتمر واختيار السودان مكانًا
لانعقاد أول اجتماع، كل ذلك يصب في تصميم تنظيم تكون الغالبية فيه للترابي.. ويكون
فيه زعيمًا يقود التنظيم الجديد وإن كان تحت منصة الرئاسة.
الرئاسة الدورية.. إلى أين؟
تقول الدعوة التي وجهها أصحاب هذا المشروع أن تنظيمهم ليس بذي ولاية آمرة.. أي
إنه ليس له قائد كالتنظيمات الهرمية.. بل حرصت الدعوة أن تصف التنظيم بأنه أفقي العلاقات..
أي إن جميع الأعضاء يتمتعون بحق الرئاسة والمرؤوسية.. وألا توجد وحدة تنظيمية أعلى
من أخرى.. ولكن هل هذا صحيح؟ إذا كان صحيحًا فلماذا أعطيت اللجنة التحضيرية حق الدعوة
للعضوية دون سائر غيرها؟! ولماذا اختارت هؤلاء الذين وجهت إليهم الدعوة بالذات؟! أليس
هذا امتیازا خاصًّا لأعضاء اللجنة التحضيرية دون سائر غيرهم من أعضاء الهيئة؟!
وهناك أمر آخر جدير بالمناقشة وهو أن رئاسة التنظيم دورية وتعين للاجتماع السنوي..
أي دورية هذه التي يتحدثون عنها لتنظيم عدد قياداته تتجاوز الخمسين؟ كيف سيصل الدور
للعضو رقم خمسين لرئاسة المؤتمر؟! أبعد خمسين سنة؟! أليس هذا من المضحكات! إن قضية
الزعامة محسومة لصالح الترابي بأغلبية أولًا.. وبتخطيطه لوضع الأمانة تحت سلطته في
الخرطوم.. وتقوية سلطات الأمانة لتتولى مسيرة هذا التنظيم وجعل الرئاسة شرفية صورية
لرئاسة المؤتمر السنوي فقط!
وختامًا لابد من كلمة ندعو فيها الدكتور حسن الترابي ومَنْ معه لمراجعة الذات
واستبطان الموقف الإسلامي العام الذي يقتضي من كل مخلص البُعد عن الهوى الشخصي وتغليب
المصلحة العامَّة على كل توجُّهٍ آخر.
وبمثل هذه المراجعة نأمل من أصحاب المشروع العودة إلى الصواب والكفِّ عن تمزيق
الرأي الإسلامي والموقف الإسلامي الذي يجب أن يكون واحدًا موحَّدًا في فكرته ومنهجه
وبرامجه وأسلوبه.. والله من وراء القصد.