; مشكلة المساجد في موسكو.. أين الحل؟ | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة المساجد في موسكو.. أين الحل؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 11-مايو-2013

مشاهدات 79

نشر في العدد 2052

نشر في الصفحة 28

السبت 11-مايو-2013

موسكو التي يعيش فيها مليونا مسلم لم يبن فيها إلا مسجد واحد منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام ١ ١٩٩م 

مداهمات للعديد من المساجد والمراكز الإسلامية واعتقال العشرات من المصلين بتهمة الدعوة إلى التطرف والإرهاب

حظر كتب الإمام النووي و«رياض الصالحين» بزعم أنها تحرض على التطرف

طرحت هذه القضية بإلحاح في الفترة الأخيرة، وفرضت نفسها على الساحة الروسية الإسلامية في الأيام الأخيرة، بعد المداهمات المتعددة التي طالت عددا من المساجد والمراكز الإسلامية في مناطق مختلفة من مدن روسيا، جرت بداية في مدينة سانت بطرسبورج يوم الجمعة ٧ فبراير من العام الجاري، في مداهمة كبيرة لإحدى أكبر المصليات والأكثر عددًا.

وتم إيقاف والتحقيق مع عدد كبير من المصلين بتهمة «الدعوة إلى التطرف والإرهاب»، ومصادرة مجموعة من الكتب الإسلامية المحظورة المصنفة ضمن قائمة «الكتب الداعية إلى التطرف»، من بينها كتاب الإمام النووي «رياض الصالحين»، وتم إغلاق المصلى، ثم تبعتها يوم الجمعة ١٥ مارس مداهمة ل«المركز الإسلامي بسانت بطرسبورج»، ورفعت النيابة العامة قضية أمام المحكمة «لإغلاق المركز على أساس الدعوة إلى التفرقة الدينية»، ووجود كتب محظورة ضمن مكتبة المركز.

وكان أخرها في مصلى تابع لجمعية «دار الأرقم» الدينية في موسكو، وإيقاف١٤٠ شخصًا - تم الإفراج عنهم جميعًا فيما بعد - بتهمة «المشاركة في أعمال المنظمات الإسلامية الإرهابية»، والدعوة كذلك لإغلاق المصلى التابع للجمعية، مع علم السلطات أن مشكلة قلة المساجد هي واحدة من القضايا الأكثر حساسية، وبقيت لسنوات طويلة دون حل يذكر.

سبب المشكلة قديم

ما ذكرناه سابقا يزيد القارئ عجبًا مما يحدث والغاية من وراء هذه المداهمات والإغلاق للمصليات التي أصبحت الملاذ الوحيد للآلاف لتأدية واجباتهم تجاه ربهم، فالمشكلة ظلت لعشرات السنين بين طلب المسلمين المتكرر لحلها، ووعود المسؤولين التي لا تنفذ، ولا تجد لها طريقا للتحقيق، العجب في المسألة يكمن في أن المسلمين الذين يصل عددهم إلى أكثر من ٢٥ مليونًا، يعيش منهم قرابة المليونين على الأقل في العاصمة الروسية موسكو.

منذ عام ١٩٩١ م يوم أن انهار الاتحاد السوفييتي تماما، وانتفى عن الوجود لم يبن في موسكو إلا مسجد واحد لا تزيد سعته على ٥٠٠ شخص، بقي المسلمون منذ ذلك الزمان وهم يطالبون بتسلميهم أراضي للبناء كما يفعل مع المسيحيين، أخذا في الاعتبار الأعداد الغفيرة للمسلمين العائدين إلى الدين والملحوظة للعيان، خاصة في صلوات الجمعة والأعياد.

أين المشكلة؟: يعتقد الكثيرون أن المشكلة تكمن في تجاذب المصالح السياسية والدينية المتشابكة في العاصمة الروسية، فالمسؤولون وإن صرحوا بنزاهتهم وعدلهم في التعاطي مع جميع الأديان سواء بسواء، وشعورهم بالضغط المتزايد من الشارع لحل المشكلة، إلا أن الواقع يثبت غير ذلك، ويشير - كما تقول شريحة من المسلمين هنا – بأن هؤلاء خائفون من غلبة مظاهر الإسلام في العاصمة السياسية موسكو والعاصمة الثقافية الشمالية سانت بطرسبورج، ويريد القائمون عليها أن تبقى مسيحية بامتياز.

ويدلل أصحاب هذا الرأي بالأعداد الكبيرة للكنائس والبيع التي بنيت خلال العشرين سنة الماضية، والتي أصبحت غالبية الشوارع لا تخلو من واحدة منها، ويكفي للتدليل على موقفهم هذا، موافقة حكومة موسكو في عام ٢٠١٢ م، على تقديم ٢٠٠ قطعة أرض في أماكن مختلفة للكنيسة الأرثوذكسية لبناء كنائس عليها، في حين يصرح عمدة موسكو «سيرجي سابيانين» بعد ذلك بأيام «أن المساجد الأربعة الموجودة في العاصمة كافية للمسلمين، وأن الأعداد الغفيرة من المصلين التي يراها الناس في الأعياد هي بسبب المهاجرين»، ونسي «سابيانين» أو تناسى أن هذه المساجد لا تسع في جملتها أكثر من ٣٠٠٠ مصل، وأن هؤلاء المهاجرين من دول آسيا الوسطى نصفهم على الأقل قدموا بطريقة قانونية اتفاقات لجلب العمالة بين روسيا وضمن وطاجيكستان وأوزبكستان وكازاخستان وقرغيزستان، وأنه كمسؤول مطالب - ولو أدبيا - أن يوفر لهؤلاء ظروفا تتلاءم مع طبيعة حياتهم ومعتقداتهم، هذا مع علمه الأكيد بأن سكان موسكو الأصليين والذين استقروا فيها رسميًا في السنوات الماضية، لا يقلون عن مليوني مسلم. الجهة الثانية في المشكلة، والتي لا تقل مسؤوليتها عن الأولى، هم القائمون على شؤون المسلمين، مشكلتهم الرئيسة اختلاف مشاربهم، فمع أن دينهم جاء ليوحد لا ليفرق، لكن مصالحهم الشخصية الضيقة كانت دومًا فوق كل اعتبار، فكل إدارة دينية تحاول أن يكون لها في العاصمة الروسية مكتب ومسجد تحت إشرافها، وهو ما لا يجد قبولا وترحيبًا من قبل الإدارة الدينية للمنطقة الأوروبية لروسيا، والتي يرأسها الشيخ «راوي عين الدين».. فبحسب معلومات، لم يتسن لنا التأكد من صحتها، تقول: إن الشيخ «راوي» هو من يعرقل كل المشاريع التي توصل أصحابها إلى اتفاق حولها مع سلطة المدينة، خوفًا من أن «يزاحموه في منطقة» نفوده.

وبالرغم من اعترافنا بوجود اختلافات عميقة، تصل إلى حد التناحر، بين القيادات الدينية، وتقف حاجزًا حقيقيًا أمام السلطة الباحثة عن التوافق، والابتعاد بها عن حسابات هذا أو ذاك، إلا أن السيد «محمد صلاح الدين»، رئيس المجلس الإسلامي الروسي، يعتقد حسب تصريحه لمجلة «المجتمع»، أن المشكلة مشتركة فالسلطة  مطالبة بالنظر إلى هذه القضية والبحث عن حلول سريعة ومعقولة، حتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، أخذا في الاعتبار مصلحة المسلمين أولا وليس أشخاصا بعينهم، كما أن المسلمين من جهتهم مطالبون بالتحرك لشراء وليس استئجار، فضاءات تستعمل كمراكز رسمية للتعليم والصلاة، كما يفعل في غالبية الدول الغربية».

 ويبقى السؤال مطروحًا: متى ستكون المصالح الشخصية والسياسية بعيدة عن قضايا الحريات الشخصية والدينية، وبعيدة عن تجاذبات هذا وذاك؛ ليتحقق الاستقرار في مجتمع عرف بسماحة تعامله مع أبناء الوطن الواحد من مختلف الأديان والأعراق، وتحل مشكلة عشرات الآلاف من المسلمين الذين لا يجدون غطاء غير السماء، ويقفون في الشوارع المحيطة بالمساجد في درجة حرارة قاسية البرودة، ولا يفهمون ما علاقتهم بتجاذبات ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

الرابط المختصر :