العنوان مشكلتي: المرأة الأخرى
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 63
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 60
السبت 03-ديسمبر-2011
نحن أسرة ننعم بحياة سعيدة بفضل الله علينا منذ حوالي عشرين عاما، ولدينا الأبناء والبنات ما تقربه أعيننا. نحن زوجان متحابان ولله الحمد والمنة هذا الحب بعد الله تعالى هو السياج الذي حمى هذه الأسرة من تقلبات الأحوال الحياتية والمعيشية لن أطيل عليك فزوجي وأولادي كل حياتي، فأنا لا أعمل ومتفرغة لرعايتهم تماما.
منذ فترة تقارب ٦ أشهر لاحظت أن زوجي يتغيب كثيرا خارج المنزل لفترات أطول من دوامه الطبيعي وأحيانا ليلا، ولكن للحق أنه كان يعوضني بأوقات نتنزه فيها، ونلتقي خارج المنزل بمفردنا ويغدق على بالهدايا أكثر.
توقعت أن يكون هذا الكرم الزائد نتيجة لزيادة وقت دوامه، أو لوجود أعمال أخرى يزاولها تدر عليه رزقا أكثر.
كنت خيالية طبعا في هذا التصور في عصر يوم من الأيام كانت ابنتي الصغرى تلهو بالجوال الخاص بوالدها بعد دخوله لينام إذا بها تضحك وتتندر على رسالة حب ظنت أنني أرسلتها لوالدها أخذت منها الجوال سريعا حتى أتبين ما تلك الرسالة ومحتواها فصدمت، وفوجئت فأنا لم أرسل تلك الكلمات بتاتا !
وأدركت أن زوجي المخلص على علاقة بأخرى. دخلت في دوامة من الحزن، وكنت على وشك أن أسقط على الأرض، ولم أدر ماذا أفعل، وما يجب عليّ أن أفعل، ثارت كرامتي ودخلت كالمجنونة عليه أثناء نومه، وأيقظته على هيئتي وأنا أمسك بالجوال، وأشير به في وجهه كي يفسر لي تلك الرسالة، بهت زوجي وظل مشدوها ثم أنكر تماما وبرر ذلك أنها ربما جاءت بالخطأ، وهذا ما يحدث كثيرا، وعليّ أن أتعقل ولا أجعل للشيطان سبيلا لإفساد حياتنا وخاصة أن الأولاد شاهدوا رد فعلي.
حاول أن يهدئ من روعي، وأنا لا أطيق أن يلمسني، باغتني أنه سيخرج حتى أهدأ ولكنني صدمته بسؤال: إذن سوف تذهب لتلك المرأة؟ أدهشني أنه قال: إذن لا أخرج حتى تتأكدي أن تلك المرأة ليس لها وجود إلا في خيالك.
تركني بعيدا بعد عدة محاولات منه حتى أخرج من تلك الحالة التي سيطرت علي هجرت فراشي إلى غرفة أخرى في اليوم التالي أحضر لي ورودا وزيلها بكلمات رقيقة، ولكني لم أعرها اهتماما ، أهملت شؤونه ولم أتفوه بكلمة معه، ولكنه بين الحين والآخر كان يحاول استرضائي ولكن بلا فائدة، ثم بدأ تغيبه عن المنزل يزداد أكثر فأكثر.
بدأت أشعر أن الأمور ستفلت من يدي، تكلمت معه بأنه إذا كان على علاقة بامرأة عليه أن يقطعها فوراً، وإذا كان متزوجاً - لأني أعلم أنه يخشى الله ولا يجب الوقوع في الحرام- أن يطلق تلك الأخرى حتى نستعيد حياتنا الزوجية السعيدة من جديد، وإلا فالطلاق هو الحل الوحيد لكي أثأر لكرامتي التي أهدرها ولم يقدر لي حياة حافلة بالتضحيات والذكريات الجميلة، أمهلته كي يرد علي، ولكني حتى الآن لم أتلق رداً هل أنا على صواب؟ بربك ساعدني في اتخاذ القرار الصائب، جزاك الله خيرا.
التحليل
الابنة الفاضلة، لقد اتخذت سيلا من القرارات الخاطئة ذات التأثير السلبي عليك وعلى علاقتك بزوجك، وكذلك أولادك وبعد أن أثرت دوامة هوجاء من الزوابع النفسية المحبطة، وكلها تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي تدمير حلمك الجميل الذي تعيشينه واقعا مع زوجك وأولادك، وإذا بك تتخذين قرارا واحدا رشيدا، وهو طلب الاستشارة، ولكن الحمد لله على كل حال، وعسى أن يكون في ذلك العبرة والعظة لك ولكل زوجة قد تواجه حالتك.
لنعد إلى ما قبل بداية تفجر المشكلة زوجك - بارك الله فيه - بشهادتك، نعم الزوج، ويعوضك خيراً معنوياً ومادياً عن فترات تغيبه خارج البيت بكرم زائد كما تقولين، وإذا برسالة قد تكون من امرأة على هاتف زوجك، وأقول "قد" لأن من المحتمل أن تكون رسالة ضلت الطريق إلى هاتف زوجك أو من إحدى العابثات أو العابثين، وإذا ما ربطنا الاحتمالين بحالة زوجك وعلاقتكما، فالعقل لا يرجح فقط، بل يؤكد الاحتمال الثاني وهو أنها رسالة طائشة، والسيدة الرشيدة فورا تؤكد لابنتها أنها هي التي أرسلت هذه الكلمات الرقيقة لزوجها لتحافظ على الصورة الذهنية الطيبة عن الأب لدى ابنتها؛ لأن عكس ذلك وهو ما تصرفتيه للأسف يسقط أجمل قيمة يمكن أن تعتز بها الابنة في هذه المرحلة العمرية، وهي قيمة سلوك والدها، ثم نهرها عن العبث بخصوصية أحد فتؤكدي لها قيمة أخلاقية سامية، ثم تعليمها.
وإن اطلعت دون قصد على شيء ما يخص الآخرين عليها ليس فقط كتمانه، بل ونسيانه هذا ما يجب أن تقوم به الأم المربية الحقة أما ما قمت به فقط أسقط ثلاثة قيم تربوية لدى ابنتك لعل أخطرها هو تدمير الصورة الذهنية لديها عن والدها أيضاً تعلمت منك كيف يكون رد الفعل والتعامل تجاه ما سوف تقابله من مشكلات مع الآخرين في ثورتك على والدها، وإن من الخطأ النظر البؤري في العلاقات مع الآخرين، فرغم قيمة وأهمية علاقتك بزوجك فإنه يجب ضبطها في حدود عدم التأثير السلبي على العلاقات الأخرى، وهي علاقة ابنتك بوالدها، وعلاقتك بها كنموذج تقتدي به هذا بعض من الآثار السلبية لتصرفك على ابنتك، نعود مرة أخرى للرسالة الطائشة حيث ما ذكرتيه من تصرفات زوجك تؤكد سوء ظنك به، وعدم ثقتك بنفسك أولا، ومن ثم ثقتك بزوجك، ونعود للشارع الحكيم الذي أمرنا بعدم السؤال والتقصي والبحث فيما قد يسوؤنا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: 101]، والمرأة التي تفهم وتعي تطرد فوراً نزغ الشيطان بالاستعاذة بالله، وإن غفلت أو تغافلت هذه الآية الكريمة، فلتتذكر الأمر بالتثبت من الخبر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وحيث إنه قد يصعب التحقق من شخصية الراسل، أو قد يكون بعض العابثين أو الحاقدين عليكما يريدون بكما سوءا، وقد حققت لهم ذلك هداك الله ، وإن غفلت عن الأولى والثانية وأوغر الشيطان صدرك تجاه زوجك، وتناسيت نعم الله عليك، وأردت التأكد مما علق بمخيلتك من غبش تجاه سلوك زوجك، فالحد الأدنى من العقل يقتضي تخير الوقت المناسب، واستخدام أرق الألفاظ للحديث، والبدء بأن ثقتك بزوجك لا يمكن أن يشوبها شائبة، ولكن خوفك وحرصك عليه لأنه حبيبك و... وإنك تريدين فقط أن يطمئن قلبك، وتأكيدا للصورة التالية التي تعيشها كل بنت عن أباها تريدين من إيضاح الأمر ليس لك ولكن لابنتكما.
أما ثورتك عليه، وهو نائم وإقرارك بأن الرسالة من امرأة، ورفضك محاولاته لتهدئتك ثم هجرك الفراش فقد أوقعك في إثم، فإذا كان الأمر للزوج بالهجر في الفراش فلا يحق للمرأة أن تهجر ،الفراش، ثم تجاهلك الورود التي أحضرها ، ثم عقبتي بإهمالك شؤونه، إذن لماذا تندهشين عندما يزيد معدل تغيبه عن المنزل؟!
وتتعجبين من أن الأمور بدأت تنفلت من بين يديك ! ثم تصدرين فرمانا بأن يقطع علاقته بتلك المرأة، وإن كان متزوجا فعليه تطليقها أو يطلقك، وتبررين ذلك بثأرك لكرامتك.
الآثار
دعينا نناقش الاحتمالين رغم رجاحة احتمال أن الرسالة ،طائشة، وزوجك ليس في حياته امرأة أخرى، وإهمال شؤون زوجك وهجرك الفراش وعدم استجابتك لتودده إليك رغم الورود وكلماته الرقيقة، كل هذا يدفع زوجك دفعاً للبحث عن زوجة أخرى، وبهذه التصرفات غير الرشيدة تكونين قد حولت هواجسك إلى واقع أليم صنعتيه بنفسك ودفعت زوجك لتنفيذه، أما الاحتمال الآخر فيجب التفريق فيه بين إن كان زوجك أخذ خطوات فعلية ولكنه لم يتزوج بعد، ولكن أيضاً تصرفاتك سوف تدفعه قدما لإسراع الخطى نحو إنهاء زواجه، وإن كان لديه أي قدر من التردد أو التوقف لإعادة تقييم قراره فقد أرسلت إليه عدة رسائل عملية مفادها سر على بركة الله ولا تتردد وانعم بزواجك بعد أن دفعتك إليه دفعا.
أما الاحتمال الآخر، وهو أن يكون زوجك فعلاً متزوجاً بأخرى، وهو كما كان قبل الرسالة الطائشة نعم الزوج ، ويغدق عليك من عواطفه وماله ويبذل جهداً إضافياً معنوياً ومادياً معوضاً زوجته الأولى عن حياته، أما وقد علمتي أنه متزوج، فقد أزلت عبئاً نفسياً ثقيلاً على قلبه، وعليه فلك شرعا نصفه، إن أحسنت معاملته، ولم تحولي البيت إلى بوتقة مشكلات، وأما قد أهملتي طلباته فإنك تقولين أعلن زواجك وأقم عند زوجتك الأخرى.
أما إنذارك له إما طلاق زوجته - إن كان متزوجاً - أو طلاقك فهذا خيار ليس فقط في صالحك، بل إنه يوقعك في إثم شرعي حيث لا يحق لإنسان أن يسعى للطلاق بين زوجين والذي يسعى لذلك ويعتبره من أعظم الأعمال هو إبليس.
الحل
لعلك تكونين قد اقتنعت بالآثار السلبية لتصرفاتك في كل الأحوال سواء كانت امرأة أخرى لا وجود لها إلا في خيالك، وهذا ما أتوقعه، أو أن هناك امرأة ولكن لم يتم الزواج بعد، أو أن فعلا زوجك متزوج بأخرى.
هذا ما آلت إليه الأمور من تصرفاتك ولكن ما الحل؟
الحل المبادرة بالاعتذار الصريح أو الضمني عن سوء ظنك به، وتفنني في كيفية استعادة الود بما يبعث الثقة بينكما، بل وأشيدي بإخلاصه وكرم خلقه وأن ما بدر منك - تعبير خاطئ عن حبك له - وهو من نزغ الشيطان وعدم التطرق كلية لهذا الموضوع تلميحا أو تصريحا، والتصرف بمنتهى حسن الظن والثقة المطلقة به كزوج، وعدم طرح الموضوع حتى في حديثك مع نفسك، وما دام زوجك يقوم بكل واجباته ومسؤولياته بدءا من احترامك وتقديرك، والإنفاق والتفاعل العاطفي المناسب لكما، فلا يجب التطرق إلى ما يعكر نفسك ومن ثم علاقتكما، وإن رأيت رأي العين ما يؤكد وجود امرأة أخرى أو حاول هو أن يشير إلى ذلك، فيجب عليك التجاهل والتغافل والرجوع إلى تصرفاتك، وزيادة تواصلك معه، وجذبه إليك أكثر.
أسأل الله أن يبارك لك في زوجك، ويديم المودة والرحمة بينكما.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل