العنوان مشكلتي: محسودة على زوجي
الكاتب د. يحيى عثمان
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 65
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 56
السبت 23-يناير-2010
أخي الكريم قبل أن أبدأ رسالتي أحب أن أوضح أنني محسودة على زوجي بالفعل وتفخر أية زوجة بأن يكون زوجها على هذا النحو.. فهو إنسان ولله الحمد ذو خلق عال، يشغل منصباً مرموقاً بإحدى الوزارات السيادية.. خدوم جداً لدرجة أنه إذا مكث بالبيت بضع دقائق فإن هاتفه الخاص لا يهدأ عن الرنين طوال وجوده في البيت.
يبدأ يومه بالذهاب إلى عمله صباحًا مبكرًا، فهو مجتهد فيه حتى إنه لا يتناول إفطاره معنا حيث أكون مشغولة مع أولادي والإشراف على خروجهم لمدارسهم، ثم بعد عودته من عمله عادة ما أكون مستعدة لتلقي اعتذاره عن الغداء معنا لارتباطه بغداء عمل بإحدى شركاته الخاصة، وأصبح معتادا أن تكون له ارتباطات أخرى بعد ذلك، إما اجتماعات أخرى بسبب العمل أو ديوانيات يحضرها فهو إنسان محبوب ومتعدد العلاقات.. وعند عودته يكون الأولاد قد ناموا، وبلغ مني الجهد مبلغه بعد يوم حافل مع أبنائي؛ لأنني متحملة كل الأعباء والمسؤوليات في إدارة المنزل.
ورغم أنني أتمنى كأية زوجة مشاركة زوجها في أعباء إدارة المنزل إلا أننا قد تعودنا على ذلك، ولكن الأهم والأخطر هو تخليه مطلقا عن مسؤولية تربية الأبناء وعندما أتحدث معه يبادرني بسؤال: هل ينقصك شيء؟ نعم، هو محق في ذلك، إنه لا يضع أي حد لمصاريفنا، يقوم سنويا بتغيير سيارتي لأحدث طراز، وأسافر مع أبنائي في الصيف لإحدى البلدان والمنتجعات الفخمة، ولكن بمرور السنوات وبلوغ ابني سن المراهقة، ولم يجد والده المفقود دائما لدرجة أنه قال لي: «ماما أنا بقيت ريال أي بلغت مبلغ الرجال»، وللأسف قمت بدور الأب، عندما كان الأولاد صغاراً كان الوضع أيسر بالنسبة لي، أما الآن فأصبحت خارج نطاق قدراتي، وصار عبء الإدارة الكاملة للأسرة بكل متطلباتها بالإضافة لتربية الأولاد على كاهلي لذا أرجو إفادتي وجزاك الله خيرًا.
تلاشي دور الزوج وقيام الزوجة بكل الأعباء
التحليل
في البداية يجب توضيح أنه ليس هناك نموذج واحد ثابت يتم من خلاله توزيع أعباء الأسرة بين الزوجين، فكل زوجين حالة فريدة لا تتكرر، وعليه.. فأيضا كيفية توزيع الأعباء بينهما خاص بهما فقط، والأهم من ذلك أنه عبر عمر الأسرة التي تتغير خلاله الأعباء كما ونوعا فمن المؤكد إنه ما كان مناسبًا في مرحلة ما قد لا يكون مناسبا في مرحلة أخرى، ولكن دائما هناك ثوابت أساسية لا يمكن الإخلال بها إلا في حالة عجز أو وفاة أحد الزوجين، أهمها المشاركة بما يتوافق مع طبيعة جنس كل منهما، والإمكانيات التي وهبها الله لهما، ولا حرج إطلاقا في ظروف طارئة أن يقوم كل طرف ببعض أعباء الطرف الآخر.
إن اختلال المشاركة يؤدي إلى آثار نفسية سلبية، فالإحصاءات الغربية تشير إلى اضطراب نفسية الزوج العاطل عن العمل بنسبة ٧٢% بينما يتلاشى أو ينخفض المعدل بالنسبة للزوجة إلى %٥، ذلك في الغرب الذي ينشر مبدأ المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وعليه فإن اقتصار دور الزوج على أن يقوم بدور البنك للأسرة، بزعم تفرغه لبناء مستقبلها وتوفير متطلبات الحياة، فهذا خلل في العلاقة الأسرية.
وقد يرجع ذلك لعدة أسباب، منها: موروثات بيئية أو مجموعة القيم التي يحرص على اتباعها، أو بسبب تكوين علاقات اجتماعية يستند إليها كثيرا في آرائه، أو قد يرجع الخلل في التربية، فإذا كانت تربية الزوج مدللة وكانت أمه حتى لحظة زواجه تقوم بجميع التزاماته، فمنطقيا سيكون منتظرا أن تقوم زوجته بأعبائها الزوجية بالإضافة إلى دور الأمومة، أو قد يكون نتيجة المفهوم خاطئ لدى كثير من الأزواج، أنه يكفيه الإمداد المالي أما أعباء البيت فلا، متخليا عن دوره كزوج قيم على الأسرة وكأب يربي. ولكن الأهم هو قبول الطرف الآخر لهذا الخلل في بداية الزواج والفرحة، واستعداده للتضحية والعطاء والقيام بأعباء الآخر وينسى أنه يساهم في تأسيس خلل سيعاني منه فيما بعد.
ومن المعروف أن شكل العلاقات الزوجية يتم تحديده دون اتفاق لفظي ولكن بالموافقة الضمنية، يكون قد أقر الطرف الآخر على فهمه وتصرفه في الحياة الزوجية، ثم لا ينتبه إلا بعد سنوات بعد أن أصبح الخلل عرفًا متفقًا عليه، وبالتالي منطقيًا يتعجب الطرف الآخر «الزوج هنا» من اعتراض الزوجة على نظام قائم منذ سنوات.
لذا أقول لابنتنا: أين كنت قبل ذلك؟! فزوجك لم يمارس هذا الخلل اليوم، ولكنه منذ لحظة تقدمه للزواج بك.
الأثر: إن فقدان الدور التربوي للأب واقتصار دوره على الدعم المالي يجعل الأولاد يعيشون العلاقة المادية التي تربطهم بوالدهم مما يؤثر سلبا على نشأتهم، حيث يبحثون في الأم عن الأب المفقود، ويؤدي ذلك إلى خلل قد لا يعاني منه الابن اليتيم، وفي المقابل مهما بلغت الأم من حنكة وخبرة وقوة شخصية ستظل هي الأم وتعجز عن القيام بواجب الأب التربوي.
إن فقدان الأبناء للوالد كقدوة يحاول أن يحاكيها الأبناء يجعلهم يتأثرون بنماذج في حياتهم تكون نتائجها سلبية أو إيجابية عليهم.
ومن المتوقع - للأسف - عندما يكون الأبناء قادرين على الاعتماد على أنفسهم ماديًا ألا يكون لهم علاقة حميمة بذلك الوالد، إلا ما قد يمنحهم من أموال أو يتوقعونه من إرث.
إن الدور التربوي للوالد لا يقتصر على مجرد التوجيه والمراقبة، ولكن لابد من المعايشة، ونقصد بها أن يشعر الابن أن والده يعيش حياته معه، ومن خلال هذه المعايشة يتم أفضل أسلوب تربوي، ألا وهي التربية بالنموذج.. فمصاحبته له في المسجد خير من ألف موعظة وكتاب وخطبة عن قيمة الصلاة وأثرها، ومشاركته له في قراءة قصة هادفة للأطفال تزرع في نفسه قيمة القراءة وتساعده على استخلاص الأهداف التربوية من القصة، وغير ذلك الكثير من النتائج الإيجابية لتكامل الدور التربوي للوالدين، وإلا نشأ الطفل فاقدا لرافد مهم في حياته مما يؤثر سلبًا على سلوكياته.
فإن كانت أنثى فإنه كما يقال: إن الرجل الأول في حياة المرأة هو والدها فإن لم تجده فإنها تجنح لعلاقات عاطفية تعويضا عن فقدان دور الأبوة، وإن كان شابا تكون فترة المراهقة محفوفة بالأخطار في حالة الوالد الغائب وغيرها كثير من الآثار السلبية لافتقاد القدوة.
إن قصور العلاقة بين الزوجين على الجانب المادي في الأساس بحجة انشغاله «الزوج» يؤدي إلى ضعف التواصل والتواد بينهما، مما يجعل الحياة مضطربة ومهيأة المشكلات جمة نتيجة أي خلاف.
الحل
أوجه حديثي أولًا إلى الأزواج والآباء المفقودين يقول المولى جل وعلا: (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)) (لتحريم: 6) ويقول سبحانه: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ) ([النساء: 34).
إن تكليف القوامة فرض على الرجل وأمانة سوف يُسأل عنها، يقول الرسول ﷺ: «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته»، وعليه لا يمكن أن تكون القوامة بالعطاء المادي وإن كان وفيرًا، فهذا لا يقي من نار جهنم، بل قد يكون مؤديًا لها إن لم تحكم بالخلق.
وأقول لإخواني الآباء المفقودين: خذوا من رسول الله ﷺ الأسوة الحسنة، فكما ورد في الحديث «أنه ﷺ كان في مهنة أهله».
أما من ابتليت بمثل هذا الزوج فإني أقترح عليها هذا البرنامج بعد الإخلاص والدعاء وتجديد النية:
1- توليد القناعة لدى الزوج وتذكيره بالقيمة الشرعية لأمانة القيام بالقوامة الزوجية، وأمانة تكاملية رعاية الأولاد وعدم اقتصارها على النواحي المادية.
2- توليد الدوافع لديه لبذل جل جهده لمعايشة أولاده، وذلك ببيان الآثار السلبية المترتبة على اقتصار دوره على الجانب المادي، والآثار الإيجابية للاضطلاع بدور الأبوة.
3- أما عن الكيفية:
أ - إهداؤه المادة المعرفية من خلال کتاب بجانب السرير ليطلع عليه «شريط بسيارته - شريط فيديو - ندوة – محاضرة- مقالة بالجريدة ......»
5 - أن تعطيه الزوجة نموذجًا بأن تكون مكتبة مقروءة ومسموعة ومرئية ليطلع عليها.
6- تسجيل البرامج التربوية التي تتناول أهمية قيام الوالدين بدورهما التربوي، والاطلاع عليها في حضوره دون أن تطلب منه.
7- استغلال الأوقات المناسبة – مع كل الحذر أن تظهر له وكأنها أستاذة تعلمه ما يجهل - ولكن بأسلوب غير مباشر، كأن تحكي برنامجا أعجبها، أو قصة يمكن استخلاص القيمة التي تريد أن توصلها إليه.
8-إن الإشادة به وبدوره كزوج وكوالد وبقدراته التربوية التي تحتاج الزوجة إليها وأنه هو الأولى بأن يساعدها، وعدم بيان أي نقص به ولكنها تنشد الاستزادة من عطائه، هذا يسهل عليها بمشيئة الله البحث عن تغيير مفهوم اقتصار الرعاية على الجانب المادي.
أما ما قد تلجأ إليه بعض الزوجات في معالجة أخطاء في أزواجهن - وهذا واجب - ببيان أنه مخطئ، فإن ذلك للأسف يدفعه إلى الدفاع عن موقفه وقد يتحول إلى هجوم، كما أنه يحاول أن يبرر الخطأ، لذا من المهم أن تتلمس الزوجة البيئة النفسية المناسبة لزوجها قبل توجيهه.