العنوان مصادر تكوين صورة الغرب عند الحركة الإسلامية المعاصرة
الكاتب إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1995
مشاهدات 113
نشر في العدد 1143
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 28-مارس-1995
لصورة الغرب عند الحركة الإسلامية ثلاثة ملامح أساسية هي الاستعمار الظالم، والتقدم التكنولوجي، ونمط المعيشة أو طريقة الحياة الغربية، وثمة أساس نظري ينتج هذه الصورة، ويسهم في تحديد موقف الحركة الإسلامية من الغرب بصفة عامة، سواء كان هذا الموقف بالقبول أو بالرفض، بالأخذ أو بالرد.
ويتكون هذا الأساس النظري من ثلاثة مصادر أساسية هي العقيدة الإسلامية، والتاريخ، والواقع المعاصر، وتختلف الأهمية النسبية لكل مصدر من هذه المصادر في تشكيل الخلفية الفكرية المعرفية التي تكمن خلف رؤية الحركة للغرب من ناحية، وتؤثر في تحديد ملامح هذه الرؤية ذاتها من ناحية أخرى، وهي في كل الأحوال جزء من رؤية أشمل للعالم وليس للغرب فحسب.
إن صورة الغرب عند الحركة الإسلامية هي جزء من رؤية العالم، Weltans chaung لديها، وهذه الرؤية تتسم بالكلية والشمول للعالم المحيط بها في ماضيه وحاضره ومستقبله، والغرب - بأي تعريف من التعريفات هو جزء من هذا العالم الذي تدركه الحركة وتصوغ رؤاها عنه وتحدد مواقفها منه.
قد يكون الغرب هو مركز رؤى العالم لدى ذاته إلى الدرجة التي يصبح فيها مرادفًا لمفهوم العالم، ولكن الحركة الإسلامية تضعه في جزء من رؤيتها للعالم، وأحيانًا في هامش هذه الرؤية، وهي في كل الحالات لا تساوي بين «الغرب» و«العالم»، أو بين «حضارة الغرب» و«حضارة العالم»، رغم ما يروجه الغرب وأنصاره من دعاوى وادعاءات باسم العولمة، أو العالمية مستخدمًا ثورة المعلومات والنظام الإعلامي الجديد بأفلامه وأخباره ومراكز بحوثه وأنظمة البث المباشر ذات المقدرة الهائلة على نقل المنظومة القيمية الغربية إلى كل أرجاء العالم.
_______________________
(*)ماجستير في العلوم السياسية، جامعة القاهرة وباحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.
إذن فالحركة الإسلامية لا تسلم بعالمية الغرب، ولا بعالمية حضارته المتقدمة من الناحية النظرية على الأقل، وترى أن بها من الخصوصيات ما يحول بينها وبين صفة العالمية، كما ترى أن لدى الشعوب والحضارات الأخرى، وفي مقدمتها شعوبنا العربية وحضارتنا الإسلامية - ما يؤهلها للإسهام في صنع حضارة عالمية جديدة تكون أكثر إنسانية من حضارة الغرب التي طغت عليها المادة وأكلتها الأثرة والأنانية.
مصادر رؤية الحركة الإسلامية
ومن منظور رؤى العالم، نجد أن المصادر الثلاثة المشار إليها آنفًا وهي: العقيدة والتاريخ، والواقع، لا تسهم فقط في إنتاج صورة الغرب لدى الحركة الإسلامية وفي إعادة إنتاجها، وإنما تسهم أيضًا في تكوين رؤية شاملة عن العالم الذي تسعى الحركة لاستعادة موقع القيادة فيه مستقبلًا ليكون بيد الأمة الإسلامية وبيان ذلك كما يلي:
الحركة الإسلامية ترفض ادعاء عالمية حضارة الغرب وترى أن شعوبنا لديها ما تسهم به في صنع حضارة عالمية جديدة تكون أكثر إنسانية من حضارة الغرب
- العقيدة
تؤسس الحركة الإسلامية رؤيتها للعالم- والغرب جزء منه - على أصل عقيدي ديني إسلامي في إطار فهمها الشامل للإسلام كمنهج حياة ينبثق منه تصور كلي للحياة وما فيها من ارتباطات بين الإنسان والكون والخالق سبحانه وتعالى، وثمة أربعة مفاهيم أساسية (عقيدية - إسلامية تقوم بالدور الأكبر في صياغة تلك الرؤية وهي:
- العالمية، وهي صفة من صفات الرسالة الإسلامية، فالإسلام هو دين للبشرية كلها قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158)، وهذه العالمية تفرض على المسلمين القيام بواجب تبليغها إلى كل بني الإنسان، ومن ثم فإنها تجعل المسلم يتطلع دومًا لزعامة العالم أو على الأقل المنازعة عليها، والوصول إلى الآخرين أينما كانوا، والقيام بدوره الرسالِي معهم ليُسهم في بناء نظام عالمي إنساني على مبادئ الإسلام السمحة، وكلما زاد شعور المسلم باختلال النظام العالمي وشيوع المظالم فيه زاد تطلعه لأداء دوره العالمي لهداية البشر.
- وحدة الإنسانية: وهي بمثابة الأساس الاجتماعي العالمية الإسلام، الذي جاء ليقرر وحدة بني البشر بنسبتهم جميعًا إلى أب واحد، وأم واحدة، وبعبوديتهم جميعًا لله الواحد عز وجل، فالآدمية والعبودية لله وحده هما سبيل الإسلام لوحدة الإنسانية وتحقيق العالمية في ظلها.
وهذا المفهوم يتناقض مع مسعى الغرب لفرض عالميته عن طريق القوة السافرة أو حتى المستترة في الوقت الذي يمارس فيه كافة أنواع التمييز والتفرقة العنصرية ولا يقيم وزنًا للتدين والعبودية لله وحده، وغايته هو أن يوحد العالم على قاعدة الاقتصاد وليس الدين.
- الجهاد في سبيل الله، وهو فريضة ملزمة لا يتوجه خطاب التكليف بها إلى كل مسلم مستطيع فقط، وإنما يتوجه أيضًا إلى الحكومة الإسلامية باعتبارها إطارًا نظاميًّا للتعبير عن إرادة الأمة، وتحقيق مهمتها في تبليغ الرسالة الإسلامية للعالمين.
إن مفهوم الجهاد - والقتال أحد معانيه - من شأنه أن يعيد تقسيم العالم طبقًا لأسس فقهية مختلفة تمامًا عن الأسس السائدة التي تقسمه إلى شمال وجنوب، أو شرق وغرب، أو عالم أول وعالم ثالث أو متقدم ومتخلف، فالنظر الإسلامي يقسم العالم إلى دور حسب موقفها من الدعوة الإسلامية فهناك دار الإسلام، ودار العهد، ودار الحرب على نحو ما هو مفصل في أبواب الحرب والجهاد في كتب الفقه.
ويختلف منهج الجهاد المحكوم بآداب وأخلاقيات الإسلام عن الحرب التي طورتها حضارة الغرب، وجعلت منها أداة تخريب ودمار ظلم واستعباد على عكس الجهاد الذي هو في جوهره أداة هداية وتحرر من الظلم والاستعباد.
- أستاذية العالم، وهذا المفهوم مستمد من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:110) ويعني أن تكون ريادة البشرية في يد الأمة الإسلامية، وساعتئذ سينعم العالم بالسلام الإسلامي، ويعيش الجميع في ظله آمنين متمتعين بحرياتهم المختلفة وفي مقدمتها الحرية الدينية إذ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256)
إن تحليل تلك المفاهيم الأربعة في وثائق وكتابات الحركة الإسلامية المعاصرة قد أكد لنا أن الغرب في رؤيتها مرشح لأن يكون ساحة للعمل، وموضوعًا للفعل، وميدانًا لنشر الدعوة والجهاد لإخلاء
العالم من الفساد، ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله.
وقد كان للإخوان المسلمين السبق في إعادة إحياء تلك المفاهيم والتأكيد عليها، وذلك منذ تأسيسها في أواخر العشرينيات، إبان بلوغ التحدي الاستعماري الغربي أوجه وقمته، وواصلت الحركة الإسلامية جهودها في لفت أنظار المسلمين إلى تلك المبادئ التي تنطوي بالضرورة على رفض زعامة الغرب للعالم، كما تتضمن التبشير بانهيار حضارته وصعود حضارتنا الإسلامية من جديد.
ب - التاريخ
إذا كانت الحركة الإسلامية تتخذ من العقيدة مرجعية عُليا لتؤسس عليها رؤيتها للغرب و(للعالم) كما ذكرنا آنفًا، فإنها تستمد من التاريخ الشواهد والأدلة، وتستخلص الدروس والعبر التي تؤيد وجهة نظرها وتثبت رؤيتها، ويصبح التاريخ مصدرًا للتعرف على السنن الاجتماعية، ومخزنًا للحكمة والموعظة.
وبهذا المعنى يحتل التاريخ مساحة كبيرة في تكوين رؤية الحركة الإسلامية عن العالم وعن الغرب في العصر الحديث بصفة خاصة، وفقًا لمنهج انتقائي لا يسوي بين مراحل أو وقائع التاريخ المختلفة، كما لا يهتم بها كلها، وينطبق هذا على نظرة الحركة لتاريخ العالم كله ونظرتها لتاريخ الإسلام، وتاريخ أوروبا والغرب الحديث بصفة عامة، إذ يحتل التاريخ العام للعالم مكانة هامشية في وعي الحركة، ولا يكاد يظهر أثره في تكوين رؤيتها للعالم أو للغرب.
أما تاريخ الإسلام فالحركة تهمل منه عصر الانحطاط والتدهور إهمالًا عامًّا غير مؤسس على منهج نقدي، في الوقت الذي تركز فيه على تاريخ الصدر الأول للإسلام وعصر الازدهار الحضاري، وهذا التركيز يسهم على نحو فعال في تكوين وعيها بالتاريخ ورؤيتها للعالم وللغرب على نحو يتناقض مع وعيها بتاريخ أوروبا والغرب الحديث بصفة خاصة فالأول هو تاريخ الذات الحضارية، وهو من صنعها، ويبعث على الفخر والاعتزاز، أما الثاني فمن صنع الغرب، ومن تقصيرنا نحن في الوقت نفسه، وهو تاريخ تدهور الأمة وانقيادها لغيرها، وعلى أية حال فإن الحركة ترى أن الأيام دول، وأن للتاريخ دورات والحضارة دورات أيضًا.
وإيمان الحركة بفكرة الدورات التاريخية يسهم على نحو فعال في تكوين رؤيتها لحضارة الغرب على أنها مؤقتة وإلى زوال، كما يسهم في تغذية تطلعها لاستعادة قيادة العالم وتأسيس حضارة جديدة ومتميزة، ويدعم هذا التطلع أيضًا اعتقادها بأن تاريخ التقدم يتحرك في مسار دائري متنقل ومتعدد المراكز، وليس مسارًا خطيًّا واحديًّا يحتكره مركز واحد، ومن ثم فإن احتكار الغرب لمركز التقدم وقيادته للعالم لن يدوم لأن ذلك ضد حركة التاريخ وسننه الثابتة ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:62).
هذا على مستوى التأصيل المعرفي - النظري لدور التاريخ في تكوين رؤية الحركة عن الغرب أما تفاصيل هذه الرؤية وخاصة في ما يتعلق بالغرب الحديث والمعاصر. فتقدمها نظرية المؤامرة، التي ينسج الغرب خيوطها باستمرار ضد أمتنا وضد وحدتها ونهضتها، وتجد الحركة أن مجريات الواقع وحوادثه تؤكد ذلك.
الأساس النظري لصورة الغرب لدى الحركة الإسلامية يقوم على العقيدة الإسلامية والتاريخ والواقع المعاصر
جدد الواقع
يأتي الواقع ليعزز المعطيات العقيدية والتاريخية التي تنتج صورة الغرب لدى الحركة الإسلامية فأينما تمد البصر في أرجاء العالم الإسلامي تجد الكثير من المآسي والمظالم التي يمارسها الغرب وأعوانه، لدرجة أنه قد استقر في ذهن أبناء الحركة أنه لا توجد أمة يسيء إليها الغرب مثل أمتنا الإسلامية اقتصاديًّا بالنهب والتخريب، وسياسيًّا بالتبعية ودعم الاستبداد، وعسكريًّا بالحروب والفتن والتدمير.
وقد يشير الواقع إلى بعض إيجابيات التقدم العلمي والتكنولوجي الغربي بالنسبة لمجتمعات أمتنا، بل
وبالنسبة للحركة الإسلامية ذاتها، إلا أن أهمية هذه الإيجابيات تتضاءل مقارنة بمساوئ الممارسات الاستعمارية والمواقف السلبية للدول الغربية من قضايا فلسطين، والبوسنة، وكشمير، وغيرها من القضايا الإسلامية.
أما بالنسبة لنمط الحياة الاجتماعية الغربية، وانتقال عاداتها في المأكل والملبس والمشرب، وانتشارها بين أبناء مجتمعات العالم الإسلامي فهو أمر يثير مخاوف الحركة الإسلامية، وكلما زادت موجة تقليد هذا النمط واتسعت قاعدته الاجتماعية في بلادنا، زاد قلق الحركة من جهة الغرب وحضارته الحديثة، لا لأن ذلك يهدد هوية الأمة ويهدر خصوصياتها الاجتماعية والثقافية فحسب، وإنما لأنها ترى أن الانفلات الحاصل في طريقة معيشة أهل الغرب يؤدي إلى تشويه فطرة الإنسان التي فطرَهُ الله عليها، وتحط من كرامته وتفقده الشعور بآدميته، وتضرب الحركة على ذلك أمثلة كثيرة أهمها إباحة الشذوذ الجنسي وتقنين الفاحشة وتيسير طرق ارتكابها، وما ينتج عن ذلك من مساوئ وأمراض اجتماعية وجسدية.
إن الواقع بمجرياته وضغوطه المستمرة، يؤكد على الحقيقة المرة التي ترفضها الحركة الإسلامية، وهي حقيقة تدهور الأمة الإسلامية، في مقابل استعلاء أمم الكفر والظلم والفساد، وتزداد مرارات الحركة من هذا الواقع عندما ترى أغلبية حكام وحكومات البلدان الإسلامية تابعين لسياسات دول الغرب وخطط حكوماته، الأمر الذي يدفع الحركة إلى مزيد من رفض الواقع، والسعي لتغييره بما في ذلك تغيير موازين القوى المختلة لصالح الغرب على حساب أمتنا.
صورة الغرب - إذن - لدى الحركة الإسلامية لا ينتجها مصدر أو أصل نظري واحد، وإنما تشترك فيها العقيدة والتاريخ والواقع، بنسب متفاوتة تحتل فيها العقيدة مكانة المرجعية العليا الحاكمة، بينما يحتل التاريخ المساحة الأكبر في تشكيل ملامح الغرب باعتبار أن التاريخ هو ذاكرة الأمة وسِجِلٌّ للعبرة، ومن خلاله تتم قراءة نصوص العقيدة ذاتها، كما يتم تفسير ضغوط الواقع ومعطياته الراهنة، أما الواقع فهو لحظة الحاضر، وخلاصة الماضي ومقدمة لاستشراف المستقبل، وهو من هذه الزاوية لا يمكن قبوله أو الرضا به لأن المستقبل للإسلام ولأمَّته لا للغرب وحضارته المادية..