; معالم على الطريق.. مصادر قوتنا الحقيقية هل نلتفت إليها؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. مصادر قوتنا الحقيقية هل نلتفت إليها؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 57

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 37

الأربعاء 02-يونيو-1993

قوة الإيمان: القوة الأعظم
1. مفهوم القوة الحقيقية

قد يظن البعض حينما نتكلم عن القوة أننا نتحدث عن الطائرات المقاتلة، والمدافع الهادرة والصواريخ العابرة، وإن كانت هذه بين وسائل القوة التي يحتاجها المسلمون لا مراء في ذلك.

ولكننا نتكلم عن قوة أعظم، وعن طاقة أشد، هي قطب الرحى، وسنام الأمر كله، هي قوة الإنسان المؤمن، فهي معين لا ينضب للنشاط الموصول، والحماس المذخور، واحتمال الصعاب ومواجهة الأخطار. وليس كالعقيدة مصدر، ولا كالإيمان دافع، لذلك إذا تغلغل واستمكن، إنه يضفي على صاحبه قوة في سلوكه كله. فإذا تكلم كان واثقًا من قوله، وإذا عمل كان مجيدًا في إنتاجه، وإذا اتجه كان واضحًا في هدفه، وإذا اطمأن إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تعمر قلبه، لا يعرف التردد سبيلًا إلى نفسه، ولا تزحزحه العواصف العاتية، ولا الخطوب القاسية. له من يقينه زاد، ومن إيمانه طاقة لا تُحد، لم تطوه اللجج الصاخبة، ولم تجرفه التيارات الهادرة، بل يقف كالطود الأشم، والصرح المنيع، رأسًا لا ذنبًا، وعقلًا لا هوى، وحقًا لا باطلًا.

2. صناعة الرجل المؤمن

رجل قرآنه، وتلميذ رسوله، يخاطبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيبث فيه الرجولة، ويلقي في روعه المجد والإيمان؛ حيث يقول: «لا يكن أحدكم إمعة، يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم». هذه الإمعات التي تعيش في الدنيا لا وزن لها ولا قوة ولا كرامة، هم أثقال الأمم وآفاتها. فلا تُقاس الأمم قوة أو ضعفًا بكثرة الإمعات أو قلتهم، وإنما بالسواعد القوية والعقول الذكية.

وكل أمة في حاجة دائمًا إلى نصح أبنائها وعقولهم وحكمتهم، وما أحسن قول القائل:

 إذا أنت لم تُرجَ لدفع ملمة ** ولا أنت في المعروف عندك مطمع

 ولا أنت ذو جاه يُعاش بجنبه ** ولا أنت يوم الحشر ممن يشفع

 فموتك في الدنيا وعيشك واحد ** وعودُ خِلال من حياتك أنفع

وقول آخر: يبني الرجال وغيره يبني القرى ** شتان بين قرى وبين رجال

3. الاعتزاز بالإيمان والتحديات

فالمؤمن الحق إعصار في وجه الباطل، لا يستعبده عُرف، ولا تتحكم فيه تقاليد، ولا يُقاد بالأغراض، ولا تأسره المنافع، وإنما هو دائمًا في جانب الله يعتز بقوته، ويستهدي بهداه.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أسخط الله في رضا الناس؛ سخط الله عليه، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس، رضي الله عنه، وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه، ويزين قوله وعمله في عينه». فـرِضا الناس وسخطهم شيء، ورضا الله شيء آخر. وقليل من الناس من يجد في نفسه القوة على مواجهة الباطل المتأصل في أعماق الناس، والمختلط بدمائهم وأرواحهم، ثم يوطن نفسه على تقويمه وتوجيهه رغم ما يتعرض له أصحاب الحق من السخرية والتهكم، وإن كانوا رسلًا أو أنبياء. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (الفرقان: 41-42).

ولكن شرف الغاية وقوة العزيمة، ركَلَت كل ساخر، وعَلَت كل هازئ بصبر وأناة وجهاد، حتى بلغت ما أرادت، ووصلت إلى ما أحبت. وما عسى أن يفعل الناس لامرئ اعتز بإيمانه، واستشعر القوة لصلته بربّه، واستقامته في دينه؟ فلو تألبت عليه الناس جميعًا ما نالوا منه قليلًا أو كثيرًا. عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: كنت رديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا على ذلك. جفت الأقلام وطويت الصحف».

4. الخلاصة: القوة التي نحتاجها

اعتزاز بالله وبنصرته وقوته، تلك التي تذيب الحديد، وتفتت الصخر، وتعجز العالمين، وتوقف الزمان مشدوهًا. إن في الإسلام تدريبًا على الرجولة، وعلى مقوماتها، وتأسيساً للرجال على المعاني الحقة والأسلوب الفريد، وتحصيناً من أمراض المجتمعات المهلكة للهمم والمبددة للعزائم. هذه هي القوة الحقيقية التي يحتاجها الناس في كل عصر، ويستشرفون إليها في كل زمان. قوة لا تكلف الملايين أو البلايين، وإنما هي بين جنبيك تستلهمها من كتابك، وترتشفها من رسولك، وتستعين عليها بربّك، وهو قريب مجيب. فهل نحن فاعلون؟





اقرأ أيضا:

القوة التي لا تُغلب.. بين الطالب وأستاذه

الحياة بالعقيدة: يا من أتعبكم الصعود.. تطلعوا إلى هذه القمة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1716

97

السبت 26-أغسطس-2006

حضارة الطائرات المقاتلة