; مصارحات في الدين والفكر والسياسة (3).. هل الغرب شر كله؟ | مجلة المجتمع

العنوان مصارحات في الدين والفكر والسياسة (3).. هل الغرب شر كله؟

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 42

السبت 09-أغسطس-2003

الجرأة على الوقوف أمام النفس ومحاسبتها بشجاعة على من شؤونها، دليل على روح اليقظة، وشارة على الضمير الحي.

الجليل والتافه وهذه وقفات أمام النفس، تصلح لأن تكون مقدمة لنقاش جاد في قضايا الدين والفكر والسياسة. 

من الخلط المنهجي عندما يتحدث البعض عن الغرب ألا يفرق بين ما يكتنفه من نزعات متباينة، فيتحدث بإطلاق عن الغرب الكافر الذي استعمر بلداننا ونهب خيراتنا وبنى حضارته على ظهورنا، ثم غزانا غزوًا ثقافيًّا أفلح في التمكين لنفسه بيننا، منذ أن حول هزائمنا العسكرية إلى كفران مطلق بما لدينا وإيمان مطلق بما لديه!

وهذا الكلام صحيح، لكن ليس دقيقًا؛ إذ لا بد من التفريق بين عدة نزعات متباينة في الغرب، إنني أعيش في أوروبا وأعرف أن فيها صليبية ما زالت تجر وراءها عقائد وثارات تاريخ طويل، وأعرف أن صدور بعض الغربيين من الساسة ورجال الكنيسة ما زالت مملوءة بالضغائن والأحقاد والأطماع، وما زالت تلتزم منهجًا مريبًا في معاملة الأديان والشعوب الأخرى.

لكن بالمقابل هناك ثقافة علمانية جديدة ليس لها علاقة بالدين، فهي تعتمد على العقل المجرد والفكر المتحرر، وتحمل على العادات الذهنية والعاطفية القديمة، وتوضح زيفها ومعارضتها للحياة العصرية الجديدة، ومن ثم فهي ثقافة مدنية بحتة لا صلة لها بالأديان بعد أن حسمت صراعها القديم مع الكنيسة.

وفي الغرب شعوب لا تعرف في أكثريتها مسألة الدين ولا تتخذ منه سببًا لثقافة الحقد أو هي بتعبير آخر شعوب تريد أن تأكل وتشرب وتحيا على هواها، ولا يهمها بعد ذلك أن يعيش إلى جانبها مسلم أو مسيحي أو بوذي ما لم يؤذها أو يقف في طريقها. 

وفي الغرب أحزاب وجماعات مثقفة تحاول في موجات واسعة النطاق محو الفوارق الاجتماعية والثقافية بين الشعوب، وتدعو إلى احترام وحدة الأصل الإنساني، ولا فرق بين هندق أوروبي أو غربي أو عربي.

وفي الغرب أيضًا مؤسسات رسمية وإعلامية تبذل جهودًا كبيرة لتلويث سمعة الإسلام وأهله تحت عناوين كثيرة لحمل الأمة الإسلامية على اطراح الدين في سهولة واستكانة.

فكيف تتعامل مع هذه النزعات المتباينة؟

1- إن الذين يقتاتون من الضغائن القديمة ويريدون إحياءها جمهور نافذ ومن ورائه نزعات ضد الإسلام نفسه، فهو في نظرهم عدو قديم في ثياب جديدة، والفرصة الآن متاحة لضرب الإسلام تحت تسميات كثيرة أكثرها رواجًا هذه الأيام «محاربة الإرهاب». 

لكن لماذا يتحول كره الإرهاب إلى غطاء لكره الإسلام ذاته؟

هناك منتسبون للإسلام، ينقصهم الفقه وقواهم النفسية والفكرية مقطوعة الصلة بمنابع الدين الصحيح، فهم كأشواك برية نمت في أرض لا صاحب لها، وهم بذلك يسيئون للدين أكثر ممن يحسنون إليه.

لكن لماذا الخلط بين الإسلام ومن يسيئون إليه؟

إنني مسلم أكره الكفر بالله، كما أكره من يبغضون الله إلى عباده بمسالك خرقاء ومزاعم حمقاء، وما زلت أنصح المسلمين بأن يرعوا الحكمة في الدعوة إلى الله، وألا يمكنوا خصومهم من النيل منهم بسبب تهور قبيح؛ فالإرهاب لا صلة له بالدعوة، ولا بقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إننا في الأرض لا لإرهاب الناس - مهما خالفونا في العقيدة والفكر - ومحاربة الإرهاب رسالة نبيلة، لكنها لن تغري المسلمين بحملها إلا بقدر ما تتضمنه من حق وإنصاف، وحين تتحول هذه الرسالة إلى مصدر لنكبة الشعوب فلن يحملها المسلمون.

وأريد هنا تأكيد حقيقة مهمة: إن أي دولة تحتطب في حبل إسرائيل ستحرم الأمر والاستقرار لا محالة.

وإذا كانت أمريكا تريد حقًّا إعلان الحرب على الإرهاب لإقرار السلام في العالم على أسس تقابل بالارتياح، فعليها أن تبني مشروعها على تصفية الاستعمار ورد الحقوق المسلوبة إلى أصحابها، وإعطاء كل شعب حريته في تقرير مصيره.

أما أن يجيء مشروعها وسط ملابسات تخذله، فلا معنى لأن تنتظر الإدارة الأمريكية غير حرب مجنونة تطلقها من عقالها غضبات أفراد وجماعات كرهت الاستعمار والظلم ومنابتهما الخبيثة.

ومن المؤسف أن تكثر المؤامرات ضد الإسلام وحده، وتتعدد المحاولات لإخماد نوره، ثم يطلب من أهله أن يكونوا حلماء طيبين.

2- إن في الغرب حضارة علمانية لا تؤمن بولاء لدين، وفيها عناصر متفاوتة القيم، وعلينا النظر في كل قيمة منها، فما يمت منها إلى العلم المجرد والطبيعة الأصيلة نأخذه ونقبله؛ فالاقتباس فرض عين في أيامنا وأحوالنا هذه، وما كان منها رجسًا مقررًا، أو رذيلة يشعلها الهوى والبغي والغرور، رفضناه مطلقًا ونأينا عنه. 

ونؤكد مسرعين أنه لا توجد أي خصومة بين الإسلام والعلم، وإذا كان الغربيون يكرهون الدين فإن رجال الكنيسة وحدهم يتحملون أوزار ذلك ويتلقون عاره وليس الإسلام والمسلمين.

3- وفي الغرب أحزاب وجماعات مثقفة تدعو إلى وحدة الأصل الإنساني وإلى نبذ التعصب المذموم، وهذه دعوات ذات صلة بروح الإسلام، وأحكام الدين صارمة في ضرورة المساواة العامة، وبلاد الإسلام لم تعرف قصة البيض الملونين التي تعرفها أمريكا، والمسلمون هم أسرع الناس إلى محو بذور التفرقة والشقاق.. والتجارب التي بلوناها في الأيام الأواخر ينبغي أن ترد لنا الصواب في تقدير الناس وتقويم منازلهم بعدل وإنصاف تبعًا لمنهج تحليلي منطقي حتى لو كانت نتائجه ضد ما ألفناه، أو كانت أحكامه تحملنا مسؤولية الأخطاء التي فرطت منا.. 

أقول هذا عقب قراءتي لكتاب ألّفه المحلل السياسي السويدي أنجمار كارلسون، عام 1992م، وخلاصته دعوة صريحة إلى عدم الخوف من الإسلام والمسلمين في أوروبا، ومن العدل الإشارة لمواقف هذا النفر من الأوروبيين خصوصًا وأن آراءهم أصلحت بعض العوج الذي ساد الثقافة الأوروبية في النظر إلى الإسلام، وأتاحت لطوائف من الأوروبيين معرفة الحق.

في كفاحنا العام نحتاج إلى كل صوت عاقل يعيننا على بلوغ مآربنا.. إننا نريد أن تكون لدينا منزلة أفضل، ومكانة أعز، والإسلام أبعد ما يكون عن التعصب ضد أتباع الديانات الأخرى ما داموا يعاملونه بشرف ولا يفكرون في الغارة عليه.

ونحن ننكر ديانة التثليث إنكارًا تامًّا، ولكن ليس من حقنا أن نرغم أتباع هذه الديانة على أطراح ما يعتقدون، فهم أحرار في ذلك، ولا يجوز أن نلجأ إلى أي إكراء مادي أو أدبي لتحويل أتباع دين عن دينهم حتى لو كنا نملك القوة النووية.

لكن عندما تتحول المسيحية إلى صليبية عنيدة، تحارب الإسلام وتهدد مستقبله، وتلفت المسلمين عن دينهم الذي يؤثرون وشرائعهم التي يعتنقون، فليس أمامنا يومذاك إلا إمتشاق الحسام والتنادي إلى الجهاد دفاعًا عن الدين والعقيدة والأوطان.

أما في غير هذا الموقع فـ «لكم دينكم ولي ديني»، ويبقى التعاون على الخير مع كل الناس حالة إندماج وتفاعل لا تختلف أهدافها عن الغايات الكبرى التي جاء الدين من أجلها.

فلماذا لا ننتفع بأصوات العقلاء في الغرب في مضمار تشابهت فيه الأمال وتوحدت فيه المصالح؟!

إن هذه الأصوات كسب لنا، وعون واسع لتحقيق ما ننشده لأنفسنا من رعاية وما يحفظ لنا من حرمات، وغاية ما نتحراه أن يكون المكسب متفقًا مع غايات ديننا، منسجمًا مع روحنا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 832

74

الثلاثاء 01-سبتمبر-1987

وللتضامن شروط

نشر في العدد 1044

76

الثلاثاء 06-أبريل-1993

فتاوى المجتمع