العنوان مصارحات في الدين والفكر والسياسة «5».. في الدعوة والدعاة
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر السبت 23-أغسطس-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1565
نشر في الصفحة 39
السبت 23-أغسطس-2003
الجرأة على الوقوف أمام النفس ومحاسبتها بشجاعة على الجليل والتافه من شؤونها، دليل على روح اليقظة، وشارة على الضمير الحي.
وهذه وقفات أمام النفس، تصلح لأن تكون مقدمة لنقاش جاد في قضايا الدين والفكر والسياسة.
في ميدان الإعلان والدعاية، تختار الشركات الكبرى ممثليها والمروجين لها بعناية فائقة، فعرض البضاعة والترغيب فيها مهمة كبيرة لا يصلح لها إلا ذكي.. فكيف إذا تعلق الأمر بعرض الدين وتعريف الناس به؟!
إنها مهمة أخطر لا شك، ولا يصلح لها إلا أكرم الناس عرقًا، وأزكاهم معدنًا، وأرحبهم علمًا، وأذكاهم عقلًا وأطيبهم قلبًا. وتصور معي حجم الخسارة التي تقع على الدين عندما يتولى مهمة عرضه ونشره إنسان لا علم له ولا ذكاء!!
يحزنني أن يتوارى أصحاب الكفايات عن هذه المهمة الخطيرة، فيتصدى لها أحيانًا أناس تافهون لا هم إلى الدين ولا هم إلى الدنيا!!
ويقلقني أن يتحول ميدان الدعوة إلى الله إلى مجال رحب لذوي العاهات النفسية، يخوضون فيه دون نكير.
أنقل هنا نماذج لهؤلاء حتى يعرف العقلاء، أنهم عبء على الدعوة، وربما مصدر شر لها.
***
جلست مرة أستمع إلى شاب يلقي خطبة جمعة بحماس زائد، وتأملت فيما كان متحمسًا له، فلم أجد غير ما كان يمكن معالجته بإقناع هادئ ومحبة خالصة دون الحاجة إلى صراخ، كان يتحدث عن الذين يتأخرون عن الصلاة مع الجماعة في المسجد، وهو حديث واجب، غير أن حماسة الشاب حولت أعراض الناس إلى كلأ مباح، حيث راح يحصي سيئاتهم ويؤخر مكانتهم حتى ظننت أنه سيأمر بدق أعناقهم جزاءً وفاقًا!!
والأدهى أنه ذكر بعضهم بالاسم دون حرج!!
وتساءلت فورًا بحسرة: لماذا الحماس في مواضيع ومواضع لا تقتضيه؟
وهل هذا خطوة إلى الإصلاح؟
وهب أن للشاب هذا حقًا فيما يقول، فهل يجوز فضح المقصرين على الملأ وانتهاك أعراضهم؟
وهل هو أحرص من النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول: «ما بال قوم يفعلون كذا وكذا»؟!
إن لخطبة الجمعة رسالة ولا يجوز بأي حال استغلالها لمل الأجواء النفسية للجماهير بالبغضاء، وهراء لا يصلح فاسدًا ولا يقيم عوجًا.
إن من آيات الإخاء الصحيح أن ترشد أخاك إلى الخير، وتسارع بمحض الرحمة إلى الأخذ بيده وتجنيبه الأخطار والمزالق وإذا أغواه الشيطان وغلبته الأهواء، وحتى صيحات التحذير - إذا رأيته ينزلق للهاوية - ينبغي أن تصاحبها حكمة.
إن الحماسة للدعوة لا تعني السفاهة على الناس والمتاجرة بأخطائهم، وإذا كان التأخر عن الصلاة منكرًا، فمن الخير السكوت عنه إذا استتبعت إزالته مفسدة أعظم، وقد لا يكون الحماس الزائد علامة إخلاص، والتهور لخدمة القضايا الكبرى ليس علامة ذكاء وعلم، بل هو مهاد رديء للهزيمة.
والذين يجيدون الصراخ من أجل لا شيء، والحماسة في غير مواضعها، هم في الحقيقة ممثلون يجيدون لعب الأدوار في الروايات، وليسوا دعاة إلى الله.
كنت في مجلس مع بعض الأصحاب، وكانت المناسبة مناسبة زواج، وأخذ رجل وقور كان يرتدي عمامة العلماء يتحدث عن الإسلام وآدابه في الزواج.
وأنصت بإمعان علَّني أجد حكمة على لسانه إلى أن قال: إن فساد الأخلاق مرده إلى فتح المدارس والجامعات للبنات، ثم استرسل إلى أن قال في جرأة: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ولا تعلموا بناتكم»!!
وأخذتني رجفة، ورأيت على الفور أنه من العبث أن يسمع مني هذا الدجال كلامًا يفرحه.
قلت: من ألف هذا الحديث؟ بل هذا الافتراء؟!
إن كلامك مصنوع في الأرض ولا صلة له بالسماء.
وما زلت أقول: إن انتشار هؤلاء لعنة على الدعوة إلى الله، ووقف لنمائها، بل وبخس لقيمتها.
يتحدثون عن منع المرأة المسلمة من العلموحبسها عن أنواره حتى تتحول إلى مجرد «أنثى» تقدم المتعة للذكور أو مجرد «بهيمة» لا تعرف إلا الأكل والسفاد!!
إنني أكره المتاجرة بالفضائح، ولكن الانهيار الواقع في نفوس بعض من يسمون أنفسهم زورًا دعاة إلى الله بعيد المدى، وأخشى إن بقي طويلًا أن يضيع معه يوم الدعوة وغدها.
وأؤكد أن الدعوة ستكسب كثيرًا عندما تخلو من هؤلاء، ولن تخسر شيئًا من اختفائهم، والمطلوب فقط أن يتصدى لها أصحاب الكفايات لا النفايات.
***
لبعض الدعاة استعداد غريب للاقتتال مع كل من يخالفهم في رأي، بيد أن التنازل عن الرأي أمام القضايا الكبرى كمال بشري جدير بالاحترام.
لقد عشت في الغرب، وتابعت الخلاف بين حزب العمال والمحافظين في بريطانيا، وبين الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا، ورأيت كيف أن هذا الخلاف يتحول إلى تحالف مشترك عندما يتعلق الأمر بقضايا الوطن الكبرى، هنا يلتحم الفريقان في جبهة واحدة كأن لا خلاف بينهما أبدًا.
وعشت في بعض البلدان العربية والإسلامية، ورأيت كيف أن خلافات في الفروع، يحولها التعصب الأعمى إلى ساحات معارك ينطلق فيها الجنون إلى أقصى مداه، فلا أخوة مشتركة ولا اكتراث بانتهاك الحرمات!!
وكم تساءلت في مرارة:
ألم يكف الأمة عراكها مع أعدائها وإصابتها في البر والبحر والجو ؟!
كنت كسير النفس عندما علمت بوفاة صديق عزيز وأخ فاضل، وداعية محترم، هو الأستاذ محمد أبو سليماني الذي اختطفته من بيته جماعة جزائرية آثمة تدعى الإسلام، ثم دقت عنقه ذبحًا بعد أن رفض آراءها في الجهاد الذي أعلنته.
ما هذا التطرف؟
هل هذا احترام لرسالة الإسلام وحفظ لحدودها؟
أي فقه كوَّن هؤلاء، وأي إيمان يملأ قلوبهم الخربة؟
إن حرمة دم المسلم وعرضه من أمارات التقوى ودلائل اليقين، وانتهاكها لأسباب تافهة كلام بعيد عن الإيمان ومنطق الإسلام.
إن لدعوة الله نسيجًا من الأخلاق والأوامر والنواهي، تنظم علاقة الداعية مع نفسه ومع الناس، فإذا أهينت هذه الأخلاق وأبطلت وظيفتها، تحركت الشهوات، وقست القلوب إلى حد الكنود، إلى حد استباحة دماء وأعراض الآخرين ببرود!!
وهنا تضيق دائرة الدعوة المضيئة، وتغطي أشعتها سيئات تنمو حتى إذا جاءت الفرصة للظهور، تحركت تعبث بكل شيء يقع في طريقها، وإلا ما معنى أن يدافع فريق من الناس عن وجهات نظره القاصرة وكأنها وحي من السماء، كافر من يخالفها، مستباح دمه؟!
إنها رداءة الباطن التي صنعت هؤلاء، ومرض «الحول الدعوي» الذي يرى أصحابه المائل مستقيمًا، والواحد جمعًا والباطل حقًا.
جرأة بعض الحكام على الشعوب، ثم هم ينجون من عقبى الظلم والجرأة عليه، سمعت خطيبًا مأجورًا يدعو لبعض أولئك: «اللهم انصر حكامنا وقو شوكتهم...» وظل مسترسلًا في الدعاء، حتى ظننت أن مدافعهم ترابط على حدود القدس لتحريرها، والدعاء لهم في هذه الحالة من أقل الواجبات.
قلت لهذا الإمام وهو يرمقني بمقت: عندما يستقر الطغاة في سقر يرمى إليهم بفوج من أتباعهم ويقال: ﴿هَٰذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾ (ص: 59) فيردون: ﴿لَا مَرْحَبًۢا بِهِمْ ۚ إِنَّهُمْ صَالُواْ ٱلنَّار قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لَا مَرْحَبًۢا بِكُمْ ۖ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ِ﴾ (ص 59 - 60).
قال: أتقصدني؟ قلت: أقصد كل من عطل حواسه، وأهمل كرامته، وأهدر مرونته، وتحول إلى «ذيل» لا قيمة له!!
أي نصر يتمناه هؤلاء لظالم مستبد!!
إن العلماء والخطباء الذين تصنعهم محاريب الطغاة هم أخطر من الطغاة أنفسهم، بل أتفه، والاستبداد الذي وقعت فيه الشعوب فريسة له، وما زالت ترسف في قيوده، ليس مرده إلى أولئك الحكام وحدهم، بل أيضًا «للمواد الحافظة» لهم، ومنها مادة ذلك الخطيب.
ولو أن الشعوب ظفرت يومًا بحريتها، ومكنتها الأقدار من أن تنتصف لنفسها، لكان مثل هذا الخطيب في مؤخرة المسجد لا على المنبر!!
***
لقد أدركت الدعوة حظًا من النجاح عندما اعتمدت على رجال أذكياء أتقياء علماء أوفياء، رباهم الدين وضبط أحوالهم، فلما اختفى داعي العلم والدين، وقام داعي الجهل ودين التمثيل ركدت ريحها وهانت.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل