العنوان مصر تعود إلى صف الأنظمة العربية الحاكمة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1981
مشاهدات 57
نشر في العدد 523
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 07-أبريل-1981
سقوط كارتر وشيوع المبادرة الأوروبية دوليًّا يُؤثِّر في عودة مصر إلى صف الأنظمة في الساحة العربية.
مراقبون يعتقدون أن السودان وعمان مرشحتان لحملة سياسية تُعيد أجواء الصفاء بين العرب والسادات.
نميري يقول: المقاطعة العربية لمصر هي مقاطعة شكليَّة.
مؤشرات وخطوط عملية تشير إلى أن العلاقات ستعود بين مصر والأنظمة العربية في وقت قريب.
الإسلاميون يعتقدون أن جميع المبادرات والحلول لا تنقذ الأمة، وما ينقذها هو الإجماع على الجهاد فقط.
مرَّت العلاقات العربية – المصرية في أطوار مُتذبذبة كثيرة، حكمتها بعض ردود الفعل الخاصة بالمحاور العربية، وذلك إثر إعلان السادات عن عزمه لزيارة القدس.. تلك الزيارة التي مهَّدت لسلام فردي، عُقد فيما بعد في كامب ديفيد، بإشراف الولايات المتحدة الأمريكية، بين حاكم مصر والصهيوني بيغن رئيس وزراء الدولة اليهودية، وقد تباينت ردود الفعل العربية إزاء تصرف الحاكم المصري؛ حيث انقسمت الأنظمة الحاكمة في العالم العربي من موقفها تجاه السادات وسلوكه السياسي ثلاثة أقسام.
الأول: وهو المحور الذي أعلن تأييده للسلوك الساداتي في بدء تحرُّكه، ويشمل كلًّا من سلطنة عمان وجمهورية السودان، التي أعلنت بعضًا من التحفُّظات بعد اكتمال عملية الصلح المنفرد.
الثاني: وهو المحور الذي عارض تفرُّد الرئيس المصري بإنشاء صلح مصري – يهودي منفرد مع حكومة بيغن، ودعا السادات إلى عدم الخروج على الصف العربي، المجمع على الدعوة إلى حلٍّ سلمي جماعي؛ تشترك فيه الأنظمة العربية، ويشمل هذا المحور دول الخليج وتونس والمغرب والأردن، ويدعو إلى حلِّ القضية؛ بناءً على مُقرَّرات الأمم المتحدة.
الثالث: وهو الذي يُطلق على نفسه لقب «الصمود والتصدي»، ويشمل ليبيا وسورية واليمن الجنوبية، أما الجزائر فتُظهر تعاطفًا مُعلنًا إزاء موقف هذا المحور من قضية السلام، ويحمل رجال الأنظمة في هذا المحور على السادات حملة صاخبة، ويدعون خلال ذلك إلى سلام يشترك فيه الاتحاد السوفييتي إلى جانب الولايات المتحدة، من خلال مؤتمر جماعي يضم كافة أطراف النزاع، وبمقارنة ما يعلنه أصحاب هذه الاتجاهات يلاحظ المراقب أن المحاور العربية لم تختلف على مبدأ إنشاء سلام مع العدو اليهودي، وإنما هي تختلف على التكتيك السياسي في التخطيط لهذا السلام.
ويبدو أن فئة من المراقبين لمواقف الحكومات العربية من عملية السلام مع اليهود ترى أن ثمة تقارب ما بين المحاور الثلاثة سوف يُعلن في الأيام المقبلة، وقد يكون الصيف القادم هو الفصل الذي سيشهد موقفًا قريبًا من الوحدة بين الأنظمة الحاكمة في العالم العربي تجاه مسألة الصلح مع اليهود، لكن هناك من يعتقد أيضًا أن الخلافات المعلنة بين نظام السادات والأنظمة العربية إنما هي خلافات شكلية، وقد أشار الرئيس السوداني جعفر نميري يوم 28\3\1981 إلى مثل ذلك.
لكن الأهم من هذا كله أمران، يمكن أن يذهبا بما هو معلن من خلافات شكلية بين الأنظمة العربية الحاكمة، هما:
ظهور المبادرات الأوروبية التي اقتنع حكام العرب بها، والتي أشاد بها السادات أيضًا لدى جولته الأخيرة في أوروبا، وحديثه أمام مؤتمر لوكسمبورغ.
ذهاب كارتر وانقضاء مهمة الكامب الذي أدى دورًا معينًا له، ومجيء رونالد ريغان الذي بدأ يُعدِّل في موقف أمريكا من الزعامات الأوروبية، وكأنه على وشك فتح صفحات جديدة لصالح تمتين التحالف مع الأوروبيين، وهذا يشمل دونما شك تفاهمًا أوروبيًّا – أمريكيًّا على وضع النقاط التي تضمن مصالح الأوروبيين والأمريكان معًا، فيما نتج عن عقد صفقة السلام الجماعية بين الأنظمة العربية والحكومة اليهودية، وهذا يعني أن استراتيجية أوروبية أمريكية مشتركة سوف تطرح للعمل على بساط المنطقة فيما يتعلق بسلام جماعي، تعتبره الآن بعض الأنظمة الحاكمة في العالم العربي مطلبًا قوميًّا، ومن أجل ذلك بدأت بعض الأنظمة العربية تعزف على نغمة إعادة مصر إلى الصف العربي.. بل والدعوة إلى إعادة العلاقات العربية مع مصر.
فقد نقلت وكالة - أ ش أ- من الرياض، كما أوردت ذلك صحيفة السياسة الكويتية يوم الأحد (29/3/1981) ما نصه:
«أكد السيد قيس الزواوي وزير الدولة للشؤون الخارجية العماني، أن الوجود المصري في الصف العربي يُعطي المجموعة العربية قوة أكبر ووزنًا أكثر، وقال: إن قطع الدول العربية علاقاتها مع مصر ليس هو الحل لأية مشكلة».
ومن ناحية أخرى فقد أعرب وزير الخارجية العماني في حديث نشرته مجلة سعودية هي «المجلة» يوم 28/3/1981 عن اعتقاده بأن عددًا من الذين أيَّدوا المقاطعة من الدول العربية لم يكن مُقتنعًا بذلك.
وأضاف قائلا: «ليس من الصواب أن تقطع الدول علاقاتها مع مصر أو أن تدين وترفض المبادرة التي قام بها الرئيس السادات للسلام».
وإذا كانت عمان لم تُخفِ تأييدها للرئيس المصري فيما سبق، فلعل ذلك سيدفع بها الآن للقيام بدور الوساطة التي قد يعتقد البعض أنها شكلية، وذلك لإبراز الأنظمة العربية في صفٍّ مُتحدٍ تمهيدًا لمشوار سلام جديد، أما السودان الذي أعاد علاقاته بمصر في الشهر الماضي، فإنه جسَّد الموقف بكل وضوح، حيث وصف الرئيس جعفر نميري العلاقات بين بلاده ومصر بأنها علاقات «خصوصية» جدًّا، وأنها فوق الخلافات والاعتبارات الأخرى.
أما جريدة أكتوبر المصرية فقد نشرت مقابلة مع الرئيس السوداني يوم (29/3/1981) جاء فيها قوله:
«إن أغلب الدول العربية كانت على يقين من أن السودان ومصر لن تقطعا علاقاتهما أبدا»، وقد اعتبر الرئيس جعفر نميري ما حدث في الشهر الماضي من إعادة العلاقات بين نظامه ونظام السادات إجراءً طبيعيًّا.
أما عن مسألة التضامن العربي - المصري، فإن الرئيس السوداني هو المُؤهَّل إلى جانب سلطان عمان لخوض هذا الموضوع، وقد أعلن الرئيس نميري أنه على وشك القيام بتحرك جديد؛ يستهدف إعادة التضامن العربي، وخاصةً بعد أن تأكَّد الجميع أن غياب مصر عن الساحة العربية، ليس مجرد غياب كميٍّ يتمثل في قدرتها البشرية والاقتصادية والعسكرية والحضارية، إنما الأخطر من ذلك - على حد تعبيره - أن هذا الغياب واحد من أسباب عديدة للتفكك العربي الإسلامي الذي تعيشه المنطقة.
أما موضوع الخلاف المصري مع العرب، فقد أوضح الرئيس نميري -ولأول مرة على لسان مسؤول أول في دولة عربية - أن هذا الخلاف لا يخرج عن كونه قطيعة شكلية في المقام الأول.. وأن ما حقَّقته مصر بغضِّ النظر عن وسيلة الحصول عليه هو لها وللأمة العربية.. وأن الدول العربية تستطيع مع مصر أن تستخلص ما تبقَّى من الأرض المحتلة، وتأمين حقوق الشعب الفلسطيني، وقيام دولته المستقلة، ثم تساءل النميري بوضوح وهو يكشف عن خطوط مرحلة جديدة مقبلة:
«أليس ذلك أجدى من أن تترك الدول العربية مصر وحيدة أمام التعنُّت الإسرائيلي، وتترك مصر الدولة العربية وحدها في خِضم التمزُّق العربي؟»
من هنا راهن كثيرٌ من المراقبين العرب والغربيين على اقتراب موعد عودة الانسجام بين مصر والأنظمة العربية.. وعلى الأخصِّ تلك التي يُطلق عليها الإعلام الغربي اسم الأنظمة العربية المعتدلة.
على أن بعض الصحف العالمية والمحلية بدأت تنشر بعض الإرهاصات التي تفيد بأن ما كان من خلاف بين الأنظمة العربية ومصر إنما هي مسائل شكلية، وأن عودة مصر إلى صف الأنظمة العربية بعد رحيل كارتر وشيوع القبول العالمي للمبادرات الأوروبية التي آمن بها بعض حكام العرب، كل ذلك يمكن أن يجمع العرب في صفقة سلام مع اليهود مشتركة.
أما عن الخطوات العملية، فقد نشرت صحيفة السياسة الكويتية يوم (29/3/1981) نقلًا عن الرياض عن- أ.ش. أ- ما نصه:
«تم الاتفاق بين شركة الخطوط الجوية العربية السعودية، وشركة مصر للطيران على استئناف رحلات الخطوط العربية السعودية المباشرة بين المدينة المنورة والقاهرة، بمعدل ثلاث رحلات أسبوعيًّا، وقد صرَّح بذلك لجريدة المدينة المنورة السعودية، نائب مدير عام الخطوط السعودية، قائلاً: إن بدء تسيير الرحلات سيتم قريبًا.
ترى.. هل سيكون هذا الاتفاق مفتاحًا لطريق التفاهم بين حكام البلدين؟ وعن العلاقات بين العراق ومصر.. فقد أكد السادات يوم (31/3/1981) ما كانت أذاعته شبكة التلفزيون الأمريكية «إي. بي. سي» والتي ادَّعت أن مصر شحنت إلى العراق حوالي (4000) طن من الأسلحة والمعدات الروسية الصنع، على الرغم من انقطاع العلاقات بين البلدين بسبب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية٠
وحول هذا الموضوع قالت شبكة إي بي سي التلفزيونية الأمريكية ما نسبته إلى مصادر مطلعة: إن مصر سترسل (8000) طن أخرى من الذخيرة والصواريخ والمدفعية وقطع الغيار إلى العراق لمساعدته في حربه مع إيران، وقد نشرت جريدة السياسة الكويتية في عدد 29\3\1981 أن النبأ زعم أن العراق هو الذي طلب هذه المواد العسكرية.
وعن ديبلوماسي في القاهرة نقل التلفزيون الأمريكي قوله: إن شحن السلاح «هو أهم تطور منذ أن قلبت اتفاقات كامب ديفيد المصرية – الإسرائيلية كلَّ شيءٍ رأسًا على عقب في العالم العربي»،
وقالت أيضًا:
«إن هذه الصفقة يمكن أن تؤذن بتحسن في العلاقات بين مصر وأقطار عربية أخرى».
وإذا كان البعض يرى أن في هذا الادعاء زعمًا غير مقبول أو منقول، فإن بعضًا من المراقبين، ولا سيما بعد حديث السادات يوم 31\3\1981 يؤكدون أن المياه سوف تعود إلى مجاريها بين مصر ورجال الأنظمة العربية الداعية إلى صلح عربي - يهودي جماعي؛ ينطلق من مفاوضات تعتمد على مقررات الأمم المتحدة، ويشترك فيها الأوروبيون والروس والشيوعيون إلى جانب الولايات المتحدة.
أما المراقب المسلم فإنه يقول:
إن عمليات السلام بشكليها «الفردي والجماعي» لا يمكن أن تُحرِّر أمتنا من عدوها، كما يدعي السادات وغيره من حكام العرب.
وإن تحرير الأرض المحتلة وإقامة الحكومة الفلسطينية على أرض فلسطين الحرة لا تكون إلا بالإعداد السليم لمعركة جهادية، ذات أهداف إسلامية سامية، يشترك فيها جميع المسلمين، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يعتقد الإسلاميون أنه سبيل التحرير، لتظل في المنظور الإسلامي كل المبادرات الدولية بشأن صلح عربي يهودي، إنما هي اللعبة الأممية التي ما زالت تلعب ببعض الأنظمة العربية كما تشاء.