العنوان علامات استفهام حول مستقبل الحريات السياسية في مصر!!
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
مشاهدات 56
نشر في العدد 1071
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 19-أكتوبر-1993
· الأحزاب والهيئات والنقابات تدين التحقيق في قضايا الرأي.. وتحذر من النزعة الشمولية.
أزمة الحريات وتضييق الخناق على المعارضة المصرية
أصيب المراقبون للساحة السياسية المصرية، والمتابعون للحريات العامة
وحقوق الإنسان، بمزيد من القلق ومشاعر الإحباط، وتصاعدت المخاوف من جراء إقدام
السلطة على التضييق على قادة حزب العمل- أحد أقوى أحزاب المعارضة المصرية- وانتهاك
حرية الصحافة والرأي والفكر.
وذلك في أعقاب احتجاز الدكتور محمد حلمي مراد نائب رئيس الحزب، الذي
يكتب مقالًا أسبوعيًا في جريدة «الشعب» وهو من كبار الشخصيات السياسية المرموقة،
وله تاريخه المشرف في العمل السياسي، بالإضافة إلى الأستاذ عادل حسين الأمين العام
لحزب العمل، وكذلك رئيس التحرير وعدد من المحررين.
وقد جرى التحقيق معهم فيما نسبته مباحث أمن الدولة لهم من «إهانة رئيس
الجمهورية وإثارة الرأي العام والسخط بين الجماهير و....»، وقد تم احتجازهم بصورة
مهينة في أحد أقسام الشرطة، وأفرجت عنهم نيابة أمن الدولة بكفالات دفعتها نقابتا
الصحفيين والمحامين، بعد أن رفض المتهمون دفعها احتجاجًا على المخالفات القانونية
التي شابت التحقيق.
وقد أحدث احتجاز قيادات حزب العمل ردود فعل غاضبة في أوساط قيادات
المعارضة، التي أصدرت عدة بيانات عبرت فيها عن انزعاجها وأسفها لانتهاك حرية
الرأي، وحق الأحزاب السياسية في إبداء مواقفها دون خوف، بينما يستهل الرئيس مبارك
فترة رئاسته الثالثة، وقبل أن يؤدي اليمين الدستورية أمام البرلمان، بما يعني أن
الأيام القادمة سوف تشهد مزيدًا من التوتر في الساحة السياسية.
تفاصيل التحقيق ودفاع الدكتور حلمي مراد
وفور الإفراج عن الدكتور حلمي مراد عقد مؤتمرًا صحفيًا أكد فيه «أن
الهجمة التي يتعرض لها الحزب والجريدة هي بسبب تصديها للفساد الذي استشرى في
العديد من أجهزة الدولة، وفي ظل الإهمال الشديد في وضع حلول جذرية للمشكلات التي
يعاني منها المجتمع».
وقال الدكتور حلمي مراد إن التحقيق جرى معه بشأن المقالين المنشورين
بجريدة الشعب في 27/9- و5/10 تحت عنوان «لا.. لمبارك» و«توابع الاستفتاء ستتولى
كما توالت توابع الزلزال»، وتضمنت الاتهامات الواردة في مذكرة مباحث أمن الدولة
«إهانة شخص رئيس الجمهورية والترويج لأفكار الجماعات المتطرفة!».
ورد نائب رئيس حزب العمل بقوله: إن مطالبته الرئيس مبارك بتقديم تقرير
عن صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة هو مطلب لمصلحة الرئيس نفسه، ليبعد عن نفسه
الشبهات التي أحاطت ببعض الرؤساء الذين يحصلون على عمولات عن صفقات السلاح التي
يعقدونها.
نقد.. لصالح الرئيس
وقال الدكتور مراد: إن رئيس الجمهورية يأخذ تفويضًا من مجلس الشعب،
وفي وجود المجلس يعقد صفقات الأسلحة لفترات محددة، والمفروض أن يقوم الرئيس بتقديم
كشف حساب مع نهاية التفويض، ونحن لم نطلب عرض الحسابات علينا، ولكن يجب تقديمها
إلى مجلس الشعب ثم تقدم للجهاز المركزي للمحاسبات لمراجعتها.
وأضاف: «لقد طالبت الرئيس السادات عندما كنت عضوًا في مجلس الشعب بنفس
الكلام ولم تتم محاسبتي! ومنذ متى أصبحت مطالبة رئيس الجمهورية بمطلب شعبي إهانة
لشخصه؟! هذا يعني أنني عندما أطالبه بضمان لحرية الانتخابات أو تغيير الدستور،
فسوف اتهم بإهانة شخص الرئيس وسيتم تكميم الأفواه وإلغاء الدستور والتعددية
الحزبية، وقصف أصحاب الأقلام، بدلًا من الأقلام ذاتها!
وقال الدكتور حلمي مراد في مؤتمره الصحفي الذي حضرته وكالات الأنباء
والصحافة العربية والعالمية: إن المحقق كان يستهدف إطالة التحقيق ليتم احتجازي
لليوم التالي، بالرغم من عدم قانونية الاحتجاز، وعدم وجود شهود سوف أقوم بالتأثير
عليهم، وأصروا على احتجازي في قسم البوليس!
وأعلن الدكتور حلمي مراد- 73 عامًا- أنه مستمر في قول كلمة الحق التي
لا تتعارض مع القانون أو الدستور، وحذر من «استمرار هذه الإجراءات القمعية في عهد
مبارك، والاعتداء على الديمقراطية وحقوق الإنسان» واستنكر أن يقوم جهاز أمن الدولة
بالرقابة على الفكر السياسي والصحافة والكتابة المتخصصة!
تحقيقات متزامنة وإجراءات شاذة
وتم التحقيق كذلك مع الأستاذ عادل حسين والصحفيين سلام بديوي وعلي
القاشي، ومجدي أحمد حسين رئيس التحرير عن كتاباتهم في الفترة الأخيرة، وكانت نيابة
أمن الدولة قد استدعت الأستاذ أحمد السيوفي بعد نشره لحديث مع عبود الزمر أحد
قيادات جماعة الجهاد، والذي يقضي عقوبة السجن المؤبد في سجن طرة لاتهامه في قضية
اغتيال الرئيس السادات.
وكان الاتهام هو نشر فكر الجماعات المتطرفة، إلا أن القضية انتهت
سريعًا؛ لأنها جاءت قبل أيام قلائل من إجراء الاستفتاء على رئاسة الدولة! وقد عبرت
الأحزاب والهيئات والنقابات عن أسفها، وقال المكتب السياسي لحزب العمل في بيان
أصدره «إن الإجراءات الأخيرة التي اتخذت ضد قيادات الحزب تتنافى بشكل حاد وقاطع مع
مبادئ الدستور ومع التعددية الحزبية، ومع أبسط مبادئ الديمقراطية وحرية التعبير
والمشاركة الإيجابية في قضايا الوطن».
وأكد بيان الحزب أن هذه الإجراءات تمثل «ردة واضحة عن المسار
الديمقراطي وحرية الرأي والتعبير وحقوق الإنسان في مصر، وهي بادرة لا تبشر بتحقيق
أدنى الوعود التي أطلقها رئيس الجمهورية في الالتزام بالديمقراطية ورعاية حقوق
المواطنين» وأهاب حزب العمل «بكافة القوى الشعبية والأحزاب السياسية والنقابات
المهنية، وسائر التنظيمات المدنية، الوقوف صفًا واحدًا لمقاومة النزعة التسلطية
ومظاهر الحكم الشمولي التي بدأت بالقبض على المخلصين الشرفاء من القيادات
الوطنية».
إدانات حزبية واسعة
وأصدر الإخوان المسلمون بيانًا استنكروا فيه «الإجراءات التعسفية التي
اتبعت مع قيادات حزب العمل، باعتبارهم مسؤولين في حزب معارض كبير، ومعاملتهم
المعاملة القاسية من خلال حجزهم في أحد أقسام الشرطة»، وأكدت الجماعة أنه: «لا
علاج لقضايا الرأي إلا بالديمقراطية وحرية الكلمة والحوار».
واستنكر حزب الوفد العصف بالحريات وأكد أن «حرية الصحافة، وحرية الرأي
العام من أهم دعائم الديمقراطية، لا تستقيم الديمقراطية بدونهما»، وأكد حزب الوفد
اعتراضه وإدانته للإجراءات «الشاذة والقاسية التي اتخذت مع المسؤولين في حزب العمل
وجريدة الشعب أثناء القبض عليهم والتحقيق معهم، وإبقائهم رهن التحفظ إلى حين سداد
الكفالة المالية!
وأدان حزب التجمع اليساري توقيت هذه الإجراءات، التي تحدث في أعقاب
الاستفتاء على رئاسة الجمهورية، مؤكدًا أن ذلك يعتبر «علامة سيئة تزيد من مخاوف
قوى عديدة تخشى من تراجع الحكم عن بعض الحقوق الديمقراطية المحدودة القائمة، بدلًا
من التقدم على طريق الديمقراطية الحقة» وطالب التجمع بمواجهة الرأي بالرأي وليس
باستدعاء ترسانة القوانين وإساءة استخدامها.
وعبر الحزب الناصري عن «تضامنه الكامل مع حزب العمل في مواجهة العنف
الذي مارسته أجهزة الحكم، والذي أظهر نواياها في اصطناع قضايا لسحق الرأي الآخر،
وتضييق المساحة الضيقة المتاحة له أصلًا في ميدان الحريات، وحذر بيان الحزب
الناصري من خطورة تمادي السلطة في هذا النوع من الممارسات التي تحاول لي عنق
القانون لقمع الآراء ومصادرة الحريات.
نقابة الصحفيين ومنظمات حقوق الإنسان
وأصدر مجلس نقابة الصحفيين بيانا عقب اجتماع طارئ صباح الاثنين
الماضي، طالب فيه الجهات المسؤولة بعدم المساس بأمن الصحفيين وحرياتهم، وعدم اتخاذ
إجراءات يمكن أن تشكل قيدًا على أفكارهم وآرائهم.
وقال المجلس: إنه تابع بقلق بالغ التحقيقات التي تجريها نيابة أمن
الدولة مع عدد من الزملاء الصحفيين بجريدة الشعب، ويناشد المجلس كافة الجهات
مراعاة الضمانات التي كفلها قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 70، مثل ضمانات عدم
الحبس الاحتياطي أو الإفراج عنه بكفالة مالية، وطالب المجلس بعدم مصادرة حق القوى
السياسية والأحزاب في التعبير عن آرائها، إيمانًا بالديمقراطية والتعددية التي لا
بُدَّ أن يحرص عليها الجميع.
وأدانت لجنة الحريات التي يرأسها الكاتب الصحفي الأستاذ محمد عبد
القدوس هذه الإجراءات وما تعرض له الصحفيون من سوء معاملة واحتجاز وملاحقة بطريقة
مهينة، وأكدت اللجنة أن هذه الإجراءات تنذر بموجة من العصف بالدستور والقانون
وحرية التعبير، وهو بداية لهجمة شرسة تستهدف الصحافة وأصحاب الرأي، بالمخالفة
للضمانات التي كفلها الدستور.
كما اعتبرت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ما حدث بأنه: انتهاك خطير
لحريات الرأي والتعبير، بالرغم من مطالبة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بالأمم
المتحدة للحكومة المصرية قبل أسابيع، بإعادة النظر في كافة الأحكام القانونية
المقيدة لحرية الفكر الرأي والتعبير، وفي مقدمتها إعادة النظر بإلغاء وإيقاف كل ما
يترتب على التحقيقات الجارية من آثار، وناشدت رئيس الجمهورية استخدام صلاحياته
الدستورية من أجل إلغاء كافة القوانين الاستثنائية وفي مقدمتها ما يسمى بقانون
مكافحة الإرهاب.
انظر أيضا:
د. محمد حلمي مراد آخر المعارضين النبلاء