العنوان مصر.. هل يمكن أن تكون النموذج الديمقراطي في المنطقة؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 26
السبت 19-يوليو-2003
جاءت زيارة السيد جمال مبارك على رأس وفد رفيع المستوى إلى أمريكا - وهي الثانية خلال أقل من ٦ شهور - متزامنة مع الحديث المتكرر عن تنفيذ المرحلة الأولى للخطة الأمريكية بخصوص المنطقة. وقد أثارت الزيارتان سؤالاً برلمانياً حول طبيعة الدور والطريقة الرسمية للتعامل مع السيد جمال مبارك، حيث رأس الوفد الذي يضم وزراء ومسؤولين وانفضت الدورة البرلمانية ولم تتم الإجابة عن السؤال الذي قدمه النائب الإسلامي عادل عيد.
تركزت الأسئلة في واشنطن حول قضية تولي مبارك الابن منصب الرئاسة في المستقبل بينما جاءت إجابته حول الجيل الجديد الذي يبني مستقبل مصر ويرسخ الديمقراطية في ربوع البلاد.
وتواكب مع هذه الزيارة إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الأردنية وصاحبها تصريح الملك الأردني حول إمكانية قيام الأردن بدور النموذج الديمقراطي الذي تتوخاه الإدارة الأمريكية في المنطقة.
وكان أمل الإدارة الأمريكية أن تبني نموذجاً ديمقراطياً في العراق، إلا أنه من الواضح أن ذلك الأمل يتبخر مع مرور الوقت، وأن العراق قد يتحول إلى مستنقع تغرق فيه الآمال الأمريكية التي لم تين على دراسات واقعية خاصة مع تصاعد وتيرة المقاومة ضد الاحتلال والعجز الأمريكي عن إدارة البلاد المحتلة أو توفير الأمن أو حراسة الحدود أو فهم ما يدور حتى أصبحت المشاهد التي ينقلها الإعلام صورة لما يجري في فلسطين المحتلة.
وقد تسابقت دول المنطقة في إظهار قدراتها الديمقراطية لتتبوأ موقع النموذج.
فحاول اليمن إقصاء التيار الإسلامي عبر القصف الإعلامي والتشويه المتعمد ونجح جزئيا.
وجرب الأردن سياسة الاحتواء فكان نجاحه أكبر ولكنه مشوب بغلبة النزعة العشائرية .
وكانت تجربة المغرب من قبل واعدة لكن تتهددها الآن بعد تفجيرات الدار البيضاء - غلبة الروح الاستئصالية الإقصائية عند متطرفي العلمانيين واليساريين ولذلك فهي مرشحة للتراجع ورهن حكمة القصر.
وهذا شاب أخر في مصر تشرب الحداثة والثقافة الأمريكية يحاول أن يقدم تجربة جديدة في بلد مؤهل - بحكم إمكاناته وتاريخه لتقديم النموذج إلا أنه يصطدم بعقبات وأخطار.
إنه ليس من قواعد الديمقراطية أن تتحول الجمهوريات إلى ملكيات .
وليس من قواعد الديمقراطية أن يكون هو المرشح الوحيد في الساحة في ظل دستور جامد يجعل ترشيح الرئيس رهن إرادة مؤسسات غير ديمقراطية أو مجالس نيابية مشكوك في سلامة الانتخابات التي جاءت بها أو في ظل عدم توافق وطني على اسم الرئيس الجديد.
لذلك تنتشر الشائعات بقوة في مصر حول حل مجلس الشعب الحالي، ورغم نفي رئيس المجلس ذلك بشدة فإنه نفي أشبه التأكيد.
فعقب انتهاء الدورة البرلمانية للفصل التشريعي لمجلس الشعب المصري أصر د أحمد فتحي سرور رئيس المجلس على نفي الإشاعات القوية التي تتردد حول حل البرلمان قبل انتهاء مدته الدستورية، مؤكداً أنها شائعات.
وقد شهد حكم مبارك حتى الآن خمسة انتخابات نيابية تم حل برلمانين منها في1987- ۱۹۹۰م (برلماني ٨٤ - ۸۷ ۸۷ ۹۰) وإذا تم حل البرلمان الحالي (۲۰۰۰) -؟) فإن سمة عدم الاستقرار النيابي ستكون هي الغالبة.
كانت أحكام المحكمة الدستورية بعدم دستورية نصوص القوانين المنظمة للانتخابات هي السبب في حل البرلمانين السابقين أحدهما لحرمان المستقلين من الحق في الترشح والثاني كان بسبب عدم التكافؤ بين حقوق الأحزاب وحقوق الأفراد في الترشح والآن ما السبب الذي يؤدي إلى حل المجلس.
أسباب الإسراع بحل المجلس
يتردد في الكواليس منذ انتهاء الانتخابات في عام ٢٠٠٠م أن القيادة السياسية لم تتحمل وجود الإخوان المسلمين في الحياة النيابية، قلب المشهد السياسي، بعد أن ظنت أنها استطاعت بجهود جبارة الإجهاز على نشاطهم النقابي السياسي والطلابي وإخراجهم من حلبة الحياة العامة.
وكان ثمن ذلك الإقصاء غالياً؛ إذ تم عبر سلسلة من المحاكمات العسكرية والاعتقالات الواسعة المتكررة وكانت نتيجته قتل الحياة النقابية والسياسية، ومع ذلك استطاع الإخوان إحراز نتيجة فاقت التوقعات الحكومية بالحصول على ١٧ مقعداً من ۷۰ مرشحاً فقط.
زاد من صعوبة تحمل النتائج أن الأحزاب الرسمية المعارضة مجتمعة لم تحصل إلا على ١٤مقعداً تقلصت بعد ذلك إلى ثمانية مقاعد ولم يشعر بنشاطهم أحد.
ومع ذلك وبعد أن نجحت إجراءات التزوير في تقليص عدد الإخوان من حوالي ٣٠ يستحقون الفوز ثم أطاحت بالنائب النشيط د جمال حشمت ومنعت الرموز الكبيرة من الفوز مثل المستشار الهضيبي ظن الناس أن المجلس سيكمل مدته لكن حدثت أمور عدة:
- هناك أكثر من ۲۰ نائباً ينتمون للحزب الحاكم لم يؤدوا الخدمة العسكرية الإلزامية (من بينهم رئيس المجلس نفسه وقد تقدم المجلس بطلب تفسير للمادة القانونية التي تقول:
يشترط فيمن يرشح لعضوية مجلس الشعب.
أن يكون قد أدى الخدمة العسكرية الإلزامية أو أعفي من أدائها طبقاً للقانون.
وبعض هؤلاء تهرب من أداء الخدمة العسكرية حتى قدم للمحاكمة فقام بدفع الغرامة المقررة، فهل يعتبر ذلك أداء أو إعفاء من الخدمة الإلزامية؟
- ما لحق بسمعة المجلس من إدانة شديدة بسبب قضايا الفساد التي أدين فيها عدد من النواب في قروض البنوك والاستيلاء على أراضي الدولة أو غيرها وجميعهم من نواب الحزب الحاكم.
- - الحاجة إلى تغيير قانون الانتخابات: عرفت مصر في عهد مبارك ٣ قوانين للانتخابات القائمة النسبية الحزبية والقائمة النسبية مع مقاعد للمستقلين والنظام الفردي.
وقد قيل في النهاية إنه لا يتوافق مع الدستور إلا النظام الفردي، ولكنه لا يحقق طموحات الحزب الحاكم أو بالأحرى رجالاته الأقوياء، لأنه لا يحققهدفين كبيرين.
لا يضمن سيطرة كاملة على النواب لأن النائب ينجح بجهده وماله، وبالتالي فإن ولأنه يتوزع بين الحزب الحاكم والجماهير التي سيعود إليها كل دورة.
أنه لا يضمن إبعاد الإخوان المسلمين.
وهناك أهداف جانبية ظاهرها مقنع ولكنها في حقيقة الأمر حجج تهدف إلى تحسين إخراجالقانون المنتظر الذي وضعت لمساته الأخيرةمثل:
- إحياء الأحزاب السياسية وإعطاؤها قبلة الحياة، بعد أن ماتت وشبعت موتاً.
ومنع سيطرة رأس المال على الانتخابات.
- وكذلك منع البلطجة وسفك الدماء في الانتخابات.
- هناك مأزق دستوري، فالمجلس سينتهي في نوفمبر ۲۰۰۵م بينما سيكون التجديد لمدة جديدة لرئاسة الجمهورية في أكتوبر ٢٠٠٥م (أو لانتخاب رئيس جديد إذا صحت التكهنات بالوراثة المحتملة وهنا المأزق لأن دورة المجلس تنتهي في يوليو، ولابد من حل المجلس قبل الانتخابات بشهرين أي في ٢٩ سبتمبر، بينما إجراءات رئيس الجمهورية ستكون في نهاية سبتمبر أو بداية أكتوبر قبل الاستفتاء فكيف يكون المخرج؟
هل تبدأ الإجراءات مبكرة؟ وهل من المواءمة السياسية أن يقوم مجلس انتهت مدته الدستورية بإجراءات مهمة مثل ترشيح الرئيس أو اختيار رئيس جديد؟
وهل من المناسب أن يختار مجلس الرئيس ثم يرحل ويأتي مجلس جديد؟
لذلك يطرح البعض حل المجلس هذا العام ۲۰۰۳م خاصة وأنه في ۲۰۰٤م هناك تجديد لثلث أعضاء مجلس الشورى وفي ٢٠٠٥ هناك استفتاء على رئيس الجمهورية والبلاد لا تحتمل كل هذه الانتخابات المصحوبة بالتوتر السياسي في وقت واحد.
إذن هناك إرهاصات لانتخابات برلمانية قادمة تفرضها المواءمات التالية:
- التغييرات التي تريد أمريكا إحداثها في المنطقة.
- التسابق الذي تبديه الحكومات والنظم لإرضاء أمريكا.
- الرغبة الواضحة في ضمان التوريث السلمي لملفات السلطة في مصر.
- الحرص على أن يكون لمصر دور في الملفات الإقليمية المعقدة خاصة الملفين الفلسطيني والسوداني، والرغبة في عدم الغياب عن الملف العراقي (أعلن المندوب السامي الأمريكي في العراق مؤخراً رفضه إعادة تشغيل الخط الجوي لمصر للطيران إلى بغداد بعد انقطاع ١٣ سنة ورفضه السماح للعمال المصريين بالسفر إلى العراق).
وهناك عقبات في طريق الانتخابات التي يراد تعجيلها مثل:
الرفض الشعبي لقضية التوريث والذي تناولته جريدة «العربي» الناصرية حتى كتب فيها السفير أمين يسري مقالاً يقول: على السيد جمال مبارك أن يعلم أن دائرته الانتخابية هنا في مصر وليست في أمريكا، وقد بدأت مواقع على الإنترنت تشن حملة ضد إرساء هذا المبدأ.
التشديد الأخير على حصر الهيئات القضائية في «القضاء الجالس» الذي يحكم على منصة القضاء فقط وإخراج النيابة الإدارية وهيئة قضايا الحكومة من وصف الهيئات القضائية التي يحق لها الإشراف على الانتخابات، مما يعني تقليصفرض التزوير في الانتخابات.
إمكانية وجود رقابة دولية أشد كما حدث في بلاد عربية أخرى في ظل وجود تنافس على إرضاء أمريكا وإبداء الاستعداد للرضوخ الشروط الديمقراطية، وهنا علينا أن ندرك مغزى الصمت الرسمي والإعلامي حول العودة القوية لنشاط الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي حصل على حكم أخير ونهائي من محكمة النقض ببراعة من كافة التهم التي وجهتها له الحكومة، وقام أخيراً بزيارة إلى أمريكا التقى خلالها ديك تشيني نائب الرئيس وكونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي وأعلن خلالها أنه سيستأنف نشاط مركز ابن خلدون وهذا ما حدث بالفعل.
الصراعات الشديدة داخل الحزب الحاكم بين الجيل الجديد بقيادة جمال مبارك وأعضاء الحرس القديم بقيادة يوسف والي وكمال الشاذلي الذين يدافعون عن أنفسهم بل عن بقائهم خارج السجون الآن، وقد ظهر ذلك في أزمة نقابة الصحفيين والمحاكمات المستمرة لرجال الفريقين وآخرها إحالة قضية بنك مصر إكستوريور وعبد الله طايل (أحد رجال الشاذلي إلى الجنايات)، وقد كان رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب التي يتولاها الآن أحد رجال الجيل الجديد.
فلا يخفى أن الصراع بين أجنحة الحزب ومراكز القوى فيه أصبح علنياً ومكشوفاً ووصل إلى ذروته.
وهناك المؤتمر الثالث للحزب بعد شهور قليلة ويتردد أن هناك تغييرات ضخمة ستنال الوجوه القديمة بعد فشل تجربة المؤتمر السابق التي لم تسفر إلا عن إنشاء لجنة السياسات وأمانة السياسات التي يديرها جمال مبارك، بينما ظلت القواعد الحزبية كما اهي ولم تتجاوز نسبة التغيير ٢٠ % ولم يحظ الشباب بأي دور.
الضعف الشديد للأحزاب الرسمية المعارضة فحزب الوفد يعاني أزمة داخلية متفاقمة كان آخرها إيقاف مجلة البداية والتجاذب الصحفي بين رئيس الحزب ونعمان جمعة، ورئيس لجنة الإعلام والمشرف على المجلة د. وحيد عبد المجيد الذي هند باللجوء إلى القضاء لرفع قضية سب وقذف ضد رئيس الحزب.
وكذلك تعثر جبهة الإصلاح الديمقراطي، التي شكلتها أحزاب الوفد – (التجمع - الناصري) واستبعدت الإخوان منها وتفجر الخلاف داخلها بسبب إصرار الوفد على ضم الحزب الوطني إليها تنامي قوة الإخوان المسلمين وفشل الحلول الأمنية ضدهم.
الرغبة العامة في التغيير لدى قطاعات عريضة من الشعب المصري، وتنامي روح العداء للهيمنة الأمريكية والغطرسة الصهيونية مما يجعلفرص الإخوان كبيرة في الانتخابات القادمة.
هل يمكن أن تقدم مصــر نموذجاً ديمقراطياً؟
اعتقد أن ذلك ممكن بل هو مطلوب لأن مصر بثقلها ووعيها لمكانتها ودورها، وحرصها على الأمن القومي العربي، وقدرتها على لعب دور عالمي في تقديم الإسلام الصحيح القادر على العطاء، ودور الحركة الإسلامية المؤسسة فيها - مؤهلة لذلك.
المهم وجود إرادة سياسية سليمة نحو ذلك الهدف.
هل يمكن لمصر أن تقدم نفسها نموذجاً ديمقراطياً حقيقياً بعيداً عن الشروط الأمريكية غير المبراة وفي إطار إصلاح جاد غير مزيف؟
الجواب ببساطة نعم إذا صدقت النوايا وتحررت الإرادة السياسية لأن رصيد مصر من الاستقرار الآن يساعدها على تحقيق ذلك، ولأن تاريخ مصر الحديث والمعاصر يقول إنه لا سبيل إلى تحقيق الأماني الوطنية والقومية إلا عبر بوابة الإصلاح الشامل الذي يبدأ بإطلاق الحريات السياسية والتطبيق السليم للدستور والعمل على تفعيل مجلس نيابي يعبر بحق عن الإرادة الشعبية.
كيف يتحقق ذلك؟
ببساطة أيضاً عبر إجراءات سهلة وميسورة تتيحها إرادة حقيقية نحو الإصلاح.
إلغاء حالة الطوارئ احترام الإشراف النام والكامل للهيئات القضائية الحقيقية على كل الإجراءات الانتخابية ومنع وزارة الداخلية من التدخل في عملية الانتخابات وتأمين حقوق المرشحين والناخبين، ونقل الإشراف على الانتخابات إما إلى مجلس القضاء الأعلى أو إلى هيئة مستقلة تماماً تضمن نزاهة الانتخابات واحترام حق كل القوى السياسية - بما فيها الإخوان - في الفوز بثقة الشعب واحترام إرادته تماماً.
مصر مؤهلة لدور أكبر بكثير مما تريده أمريكا لها في المنطقة فهي القاطرة التي تستطيع جر قطار الإصلاح السياسي والاجتماعي في المنطقة العربية والإسلامية بعيداً عن المخططات الصهيوأمريكية التي تريد تهميش مصر وإبقاءها تحت الحصار .