العنوان مصطلحات من قاموس الدعوة المصطلح الأول العبادة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أغسطس-1974
مشاهدات 111
نشر في العدد 214
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 20-أغسطس-1974
التحقيق اللغوي:-
مادة «عبد» و«العبد» ضد الحر وجمعه «عبيد». وكذلك تقول «عبد» بين «العبودة» و«العبودية» وأصل «العبودية» الخضوع والذل و«التعبيد» التذليل يقال طريق «معبد» و«التعبد» أيضا «الاستعباد» وهو اتخاذ الشخص «عبدا» وكذا «اعتبد» وفي الحديث رجل اعتبد محررا وكذا «الاعباد» و«التعبد» أيضا يقال «تعبده» أي اتخذه «عبدا» و«العبادة» الطاعة و«التعبد» التنسك ومن الأمثلة عليه قوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف:81) وقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (الفجر:29) أي في حزبي.
مختار الصحاح-
والإسلام ككل لا يفهم إلا إذا ملك الإنسان اللغة كوسيلة لتتبع المعاني والوقوف على مدلولات الألفاظ سواء أكانت ضمن مصطلحات أو ضمن معاني مفردة وهنا يتضح أهمية الإلمام بالتحقيق اللفظي الخاص بمصطلحنا هذا.
العبادة هدف وغاية وحكمة:
وهنا يرتقي مصطلحنا هذا لذروة أهميته وهو أن يكون دليلاً علـي الهدف من الخلق وسبب وجودهم.
وكذلك دليلًا على الحكمة منه، والذي من أجله بسط لهم الله الأرض وذلل لهم قوى الكون المادية ليستغلوها في صالح هذا الغرض ولتكون معينة لهم على تحقيق الغاية التي من أجلها وجدوا ثم في النهاية لتكون محك فتنة واختبار.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦) وإلى قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر:٦٠).
وفي مجال تسخير قوى الطبيعة للإنسان ليصلح المعمورة كخليفة فيها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ( الأعراف:٥٧) وتأمل قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ( النحل:٥) وتدبر قوله سبحانه يعرض في آيات متتابعات جملة من المشاهد تدل على ما سخره الله لهذا الإنسان الخليفة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (النحل13:10)
والكون كتاب الله المنظور فليراجع فيه آياته سبحانه وما خلق فيه من بدائع وما سخر فيه من أسباب لخدمة الإنسان وتسهيل مهمته على الأرض كخليفة لله.
العبادة شاملة:
عند ذكر العبادة أو عبادة الله ينصرف الذهن إلى الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة فقط بينما «العبادة» لفظ شامل لكل عمل يقوم به الإنسان ويظهر فيه التذلل والخضوع والطاعة لمعبوده. وينسب الإنسان إلى من يعبد حسب الجهة التي وجه إليها تذلـله وخضوعه وطاعته فنقول لإنسان إنه عبد الله إذا كانت جهة توجهه هي «الله» سبحانه، ونقول لآخر إنه عبد الصنم أو الشهوة أو الدينار إذا كانت هذه جهته. وهنا أصبح واضحًا أن العبادة بهذا يجب أن تكون لله سبحانه وتعالى لأن في ذلك تحقيقًا للغاية من الخلق والهدف منه وضمن إطار العبادة لله يضع الإنسان نفسه على خط الخلافة التي أراد الله له أن يمسك زمامها.
وما يمكن الاستدلال به علی شمول لفظ العبادة ما أورده شیخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الرائع
«العبودية» فيقول في ص ۳۸: «العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة.
وكذلك حب الله ورسوله وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له والصبر لحكمه والشكر لنعمه والرضى بقضائه والتوكل عليه والرجـاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله. وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦). انتهى.
العبادة انقلاب رباني:
لفظ «إله» تردد في اللغة بمعنى معبود- وبهذا يتضح لنا بجلاء علاقة ما تقدم بإحدى قواعد التصور الاعتقادي الإسلامي وهي «لا إله إلا الله» كما يتضح بجلاء معنى هذه القاعدة «لا معبود إلا الله» ولن يفهم أو يفقه مقصود هذه القاعدة على حقيقتها إلا من ألم بمعنى العبادة الشامل. فسوف يجد أنها أداة انقلاب وسبب تغيير لكل جاهلية تريد أن تنزع العبودية لله من الناس لتحملها لصنم أو رئيس أو لحكم أو لشهوة أو لدينار. والواقع العملي يشهد بذلك فلتراجع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. سيرة الجماعة الإسلامية في المدينة في عهد الجاهلية القرشية أو العربية عمومًا، ثم فلتتابع مراحل ذلك الانقلاب الرباني على هذه الجاهلية بفعل ترسيخ قاعدة «لا إله إلا الله» التي نزعت العبودية لهذه الجاهلية لتردها إلى الله عبودية خالصة له؛ كما أرادها هو للإنسان، فتحرر الإنسان بذلك حرية حقيقية في ظل حكم أراده الله له وضمن إطار العبودية الخالصة لوجهه الكريم تبارك وتعالى.
خصوصية هامة «الحكم عبادة»:
إن تركيزنا على خصوصية من خصوصيات العبادة وتناولنا إياها بالشرح والتوضيح لا يعني أننا نهمل باقي الخصوصيات، بل يدل في حقيقة الأمر على أهمية هذه الخصوصية.. وهو كذلك. فهذه الخصوصية وهي «الحكم بما أنزل الله» أو الحكم عمومًا قد غفل الناس عنها كثيرًا والغفلة في هذه المواطن خطيرة وجريمة في حق النفس وحق البشرية جمعاء ويترتب عليها أخطاء فادحة تضع البشرية على الهاوية.. هاوية الفناء ومظاهره واضحة في حياتنا بل وتشمل أبعاد الزمان والمكان ثم إن هذه الخصوصية هامة لأنها على تحققها يعتمد تحقق باقي خصوصيات العبودية.
وليعلم المسلمون قاطبة أن الحكم بما أنزل الله عبادة واجبة.. توجبها الفطرة ويوجبها الشرع. توجبها الفطرة لأنها لا تجد استقرارها إلا في ظل ذلك الحكم الذي ينسق لها علاقتها مع الكون فيربطهما بمنهج واحد. هذا المنهج يحدد للإنسان الهدف بأنه خلق ليعبد الله ويحدد له كذلك مركزه في هذا الكون بأنه الخليفة، ثم يحدد له علاقته مع خالقه ومع بني جنسه ومع الكون بمظاهر الحياة كلها التي يحويها وهذا التنسيق والتحديد والربط، لا يملكه إلا خالق الفطرة وبالتالي فهو الأعلم «بديهيًا» بالنظام الذي في ظله تستقر وتؤدي الغاية من خلقها.
فكان الأمر فطريا وطبيعيا أن يكون الحكم بما أنزل الله أي بالإسلام أمر فطري توجبه الفطرة التي تسعى دائما لتستقر.
ثم إنه عبادة يوجبها الشرع، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:47)
فالحكم بالكفر والفسق والظلـم لا يطلقه الله أو الإسلام عبثًا وإنما الأمر خطير لا يحتمل المجاملة أو المداهنة. وفي قوله تعالى الذي يربط فيه بين الإيمان وبين الحكم موضحًا العلاقة بينهما: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:٦٥) ويبلغ الأمر ذروة أهميته عندما يرتب الله الفلاح في الحياة على الحكم بما أنزل، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور:٥١) وأما قوله سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣) وصف دقيق لحالنا، فالفتنة واقعة حاصلة وهي نتيجة لمخالفتنا عن أمره سبحانه وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
مسكين ذلك الإنسان الذي استقام على أمر والذي أعلن أنه مسلـم لا يرضى بحكم إلا بما أنزل الله، مسكين لا لأنه ضعيف، بل هو قوي، ولكنه مسكين لما يلاقيه من ظلم واضطهاد في ظل حكم الجاهلية متمثلة في قوانين أمريكا وإنجلترا وفرنسا والشيوعية، وأن هذا الذي يعيشه المسلم اليوم من عدم الاستقرار والتوافق بين عبودية لله استقرت عليها نفسه وبين عبودية للطاغوت الجاهلي استقرت عليها مجتمعاته بتحكيمها لشرائع وأنظمة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، هذا الوضع من شأنه أن يولد نوعًا من الكبت المؤدي إلى انفجار لا تحمد عقباه هذا الانفجار يتمثل في حركة دفع الفساد بشكل عام، فساد حكم وفساد دين وفساد مجتمع وتكون هذه الحركة ضمن دعوة منظمة كتلك التي قام الرسول صلى الله عليه وسلم رايتها لا إله إلا الله ليحدث الانقلاب على أنظمة فرنسا وإنجلترا وأمريكا والشيوعية، وليحكم شرع الله من جديد وليحيي تلك العبادة المنسية أو المتجاهلة وما أكرمها من عبادة لله.
الخلاصة «الدعوة عبادة»:
إن الدعوة إلى الله عبادة له سبحانه وإذا تعين أنها عبادة لزم القائمين بها إدراك الآتي:- إن النية والإخلاص ثم موافقة الشرع شرطان هامان في تقبل الله للعبادة أو لعمل الإنسان عمومًا. وإنه لما تأكد عندنا أن الدعوة إلى الله من أجل العبادات لله عز وجل فإن الحرص على الإخلاص أمر عظيم ويترتب عليه قبول العمل الذي سهر من أجله الدعاة الليالي الطوال، وصبروا وصابروا وأصابهم البلاء والفتن. فمن أراد أن تكون دعوته طريقه إلى الجنة فليخلص عمله هذا لله، ومن أراد أن تكون دعوته طريقه إلى النار ولا عجب، فليشرك مع الله نفسه وشهوتها وحظها النكد من الشهرة والرياء وحب السمعة.
أيها الدعاة إن الأمر خطير لا يحتمل المجاملة ولا المداهنة فأنت في كل خطوة تخطوها في سبيل دعوتك تكون في عبادة وكل دقيقة سهر ينام الناس ولا تنام تكون في عبادة، فإذا لم تربط نفسك بالجنة كهدف وإذا لم تجعل الإخلاص لله السبب والوسيلة للوصول إلى هذا الهدف، فما فائدة تعبك ووصبك ونصبك. والدعوة بكونها عبادة لله تشكل بذلك الدافع الحقيقي للاستمرار والثبات على الدعوة وتكسب بذلك الدعاة طاقة لا تنفد من العزم الأكيد على الاطمئنان لابتلاء الله المعترض طريق الدعوة، فعندها يكون الابتلاء والصبر عليه عبادة لله. وهنا يصبح أمر الداعية كله عبادة لله وبهذا يحقق غاية وجوده كإنسان ويضع نفسه في المركز الذي أراده الله له بأن يكون خليفة لله، فللدعاة حق الاطمئنان إلى أنهم قد حققوا مرضاة الله عليهم إن شاء سبحانه وما الجنة بعد ذلك عنهم ببعيد بفضله ومنّه وكرمه عز وجل لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل