; صحة الأسرة (1263) | مجلة المجتمع

العنوان صحة الأسرة (1263)

الكاتب عبدالعليم غزي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 62

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مص الأصابع عند الطفل بين النفع والضرر

عادة مص الأصابع لدى الأطفال تخيف الأهل، ويزداد خوفهم عند سماع الأحاديث الإذاعية أو التلفازية التي تبين ما يمكن أن تحدثه هذه العادة من أضرار، وبخاصة في مجال تشوهات الفم والأسنان، فيحاولون منعها على الأغلب بوسائل تعتمد التوجيه المباشر أو الشدة والعنف أحيانًا، مما يسيء إلى الطفل أكثر من العادة نفسها وقد يجعله أكثر تشبثًا بها، فما الحقائق العلمية المتعلقة بهذه العادة، وما الموقف السليم حيالها؟

يلجأ بعض الأطفال إلى عادة مص الأصابع بدون تعيين للإصبع المستعمل، لأن الطفل قد يمص أيًا من أصابعه، وقد يمص أكثر من إصبع أحيانًا، كما أنه قد يمص جزءًا آخر من يده أو رسغه، أو القسم الأسفل من ساعده، بل قد يمص الإبهام الموجود في قدمه في أحوال شاذة.

وقد يعتاد الطفل أن يرافق عادة المص بعادة أخرى يجريها باليد الثانية، كشد الأذن، أو الشعر، أو حك الأنف، أو ضم لعبته المفضلة، أو أنه قد يمص طرف الغطاء الذي يغطى به، بالإضافة إلى مص الإصبع.

ويقول أطباء الأطفال: إن كل طفل لا بد أن يمص في وقت من أوقات الطفولة، ولكن إن أصبح الأمر عادة فالإحصائيات تختلف في إعطاء الأرقام.

إحصائية أمريكية:

وفي إحصائية أمريكية وجد أن (٢٣,٥%) من الأطفال في عمر السنتين معتادون على مص الأصابع، وتتدنى النسبة لتصبح (١٤.٦%) في عمر الخمس سنوات، وقد يعتاد الطفل مص «اللهاية»، إن أعطيها في وقت مبكر، لتلهيته بها عندما يبكي، وحكم مص «اللهاية» كحكم مص الإصبع، وهذه العادة أكثر انتشارًا في البيئات الاجتماعية التي تعطي «اللهاية» منذ الأيام الأولى بعد الولادة. 

 وفي البيئات التي لا تزال محافظة على عادة التقميط -أي لف الطفل بالقماط- إذ إن الطفل عندئذ لا يستطيع استعمال إصبعه أو مصه لو أراد، كما أنه يصبح بحاجة أشد للتهدئة لكثرة بكائه، بسبب انزعاجه الشديد من جراء تقييده وشده، فيعطي «اللهاية» لإسكاته، فيتعود عليها.

لا شك أن المص منعكس غريزي طبيعي بواسطته يستطيع الوليد الحصول على الحليب من ثدي أمه، ولكن لم يحتاج الطفل إلى المص، ويولع به بدون هدف غذائي؟ ولأطباء النفس آراء كثيرة نعرضها باختصار فيما يلي:

الرأي الأول- يقول إن عادة مص الإصبع عادة مفيدة هادفة، يجد فيها الطفل الراحة والتهدئة والتسلية؛ ذلك أنه في كل مرة يحس بها ألم الجوع، فيضطرب ويبكي ويعطى الثدي أو الزجاجة، فيمص، فيحصل على الحليب، فيشبع ويرتوي، ويزول اضطرابه ويهدأ. 

ومع التكرار تقترن لديه عملية المص بزوال الاضطراب، والحصول على الراحة والاطمئنان؛ لذا نراه يلجأ إلى مص الإصبع، أو «اللهاية» التي تسمى بالإنجليزية «المهدئة»، في كل مرة يشعر فيها بالاضطراب، لأي سبب كان، كالجوع، والتعب، والملل، والألم.

الرأي الثاني: يقول إن عادة مص الأصابع هي عادة تطورية مرحلية، والدليل على ذلك أن الطفل قد يبدأ بهذه العادة من الحياة الرحمية، وقبل أن يرضع الثدي، ثبت ذلك بكل تأكيد لما يرى من آثار المص على الإصبع أو اليد عند الوليد أحيانًا، وقد ذكر بعض الأهل مرة أنهم سمعوا أصواتًا غريبة لحظة ولادة ابنهم، ثم تبين بعد لحظات أنها ناجمة عن مص الإصبع، ولا ننسى أن الوضعية الطبيعية للجنين والوليد هي أن تكون يده قريبة من فمه، فلم لا يضعها في فمه، ثم يمصها؟ ونحن نعلم أن الفم هو الوسيلة الأولى للتعرف والاختبار. 

الرأي الثالث: يقول إن عادة مص الإصبع هي عادة تعويضية، وسببها عدم إتاحة الفرص الكافية للطفل كي يشبع نهمه للمص، لذا نرى أن هذه العادة أكثر انتشارًا في البلاد الغربية؛ حيث يعطى الطفل على الأغلب زجاجة الحليب في أوقات محددة منظمة، بينما تقل أو تنعدم تقريبًا في البيئات الفطرية الابتدائية، حيث تعطي الأم ثديها لصغيرها كلما شعرت أنه بحاجة إليه دون تقيد بوقت محدد أو مدة محددة، فيشبع حاجته للمص كما يشبع حاجته للغذاء. 

وفي رأي الأمهات الجمع بين الرأيين الثالث والأول، فهن يرين في مص الإصبع في الأيام والأسابيع الأولى دليلًا على حاجة الطفل إلى مزيد من الغذاء، فهو لا يشبع من مص إصبعه معبرًا عن جوعه، حتى إن بعض الأمهات يقلن: ابني جائع يكاد يأكل يده، وأما إذا كبر الطفل، فهن يعددن هذه العادة ضربًا من عادات التكييف؛ أي للتهدئة والتسلية، ويقلن: إنه أخذ «أركيلته» اللغة الشامية للنرجيلة، ولعل في رأي الأمهات هذا الكثير من الصواب.

لقد بدأ الهجوم على مص الإصبع في العالم الغربي في نهاية القرن الماضي، وأما قبل ذلك فلم يكن ينظر إلى مص الإصبع على أنه عادة سيئة أو مشكلة صحية، بل تدل الصور الكثيرة الموروثة من القرون الماضية التي صور فيها الأطفال الصغار وهم يمصون أصابعهم على أنه كان ينظر إلى هذه العادة على أنها شيء طبيعي مألوف، بل ومحبب، ولقد كان أطباء الأسنان أول من حذر من مص الإصبع، ثم تبعهم علماء النفس وأطباء الصحة، ولقد ذكر أطباء الصحة آثارًا سيئة كثيرة فقالوا:

الآثار السيئة لمص الأصابع:

إن هذه العادة تحدث كثيرًا من التشوهات والآفات في التجويف الفمي والحلق واللوز والجهاز الهضمي، وحتى في العمود الفقري، وتعرض الطفل إلى الأمراض والتسممات، ولم يثبت صحة هذه الآراء التي هي أقرب إلى الظنون والمخاوف، ولكن الطفل قد يتعرض في حالات شاذة إلى بعض المخاطر الخاصة، فقد روى في الأدب الطبي أن أحد الأطفال تعرض للتسمم بالرصاص؛ لأن أباه كان يترك آنية الدهان قريبة من متناول يد طفله الذي كان معتادًا على مص أصابعه.

لعل في رأي الدكتور «رونالد النفوروث» الإنجليزي الذي أمضى حياته في دراسة النمو والتطور لدى الطفل الطبيعي والمرضي ومشكلاته السلوكية- الجواب الشافي عن هذا التساؤل وفيما يلي ملخصه:

1 - إن عادة مص الإصبع عادة تطورية تشاهد عند الوليد، وتخف في الأشهر التالية، ثم تعود فتزداد في الشهر الخامس، حين يصبح الطفل قادرًا على تحريك يده بشكل إرادي، ثم تمارس خاصة مع بزوغ الأسنان، وعند الجوع، والتعب، والخجل، والنعاس.

 ٢ - لا يجوز التدخل مطلقًا في هذه العادة أو محاولة معالجتها ما دامت في الحدود الطبيعية؛ لأن الطفل سيتخلى عنها بشكل عفوي، فلا يجوز استعمال الأجهزة المختلفة التي اخترعت لوضعها في الفم، وجعل الطفل يعزف عن مص إصبعه، لأنها تودي إلى إحداث اضطرابات نفسية شديدة، بل لا يجوز وضع المواد المرة أو المقززة أو المنفرة على الإصبع.

3 - في حال ولع الطفل بهذه العادة، بعد دخوله السنة الثالثة من العمر لا بد من التفتيش عن السبب، فإذا كان الملل فلا بد من إيجاد ما يشغل الطفل، وإن كان السبب كامنًا في مشكلات نفسية تستدعي القلق كالشعور بعدم الأمان، والكبت، أو الحسد، أو ما شابه ذلك فلا بد من معالجتها.

٤ - لا يجوز أبدًا اللجوء إلى التهديد أو المعاقبة، ولا يجوز بذل الجهد والتحمس الزائد لإيقاف عادة مص الإصبع، ولا يجوز مؤاخذة الطفل وتوبيخه المستمر، فهذا كله مؤذ وضار، ويجعل الطفل قلقًا مشمئزًا، غير سعيد، وكذلك الأمر بالنسبة لطرق الاستهزاء والإغاظة والخجل، بل لا يجوز التحدث عن هذه العادة وإثارة الضجة حولها؛ لأن الطفل سيلجأ إليها عندئذ كوسيلة للفت الأنظار إليه، وهذه الطرق هي التي يتبعها الأهل عادة للتخلص من هذه العادة، ولكنها لا تؤدي إلا إلى زيادة الولع بها. 

5 - ويقول هذا العالم أخيرًا: إن هذا الخطر لا يكمن في عادة مص الإصبع، بل بما يفعله الأهل حيالها، فمص الإصبع قد يسبب بعض الألم للإبهام، وهذا كل ما في الأمر، وإن معظم الأطفال يتركون هذه العادة نهائيًا في سن الخامسة أو السادسة إن لم يكن قبل ذلك، وأخيرًا يقول الدكتور «ليوكانر» أستاذ علم نفس الطفل الأمريكي: إن العادة في مص الإصبع والتمتع بها هي طبيعية، وليس منها أي أضرار، وإن الضرر الناجم فقط عن انتقاد الطفل الدائم، وعن الفظاظة التي يعامل بها بغية إيقاف هذه العادة، وأن الطريقة المثلى في معالجة هذه العادة هي عدم التدخل المباشر فيها، بل معالجة أسبابها في حال إدمانها وزيادة الولع بها، وهذا -على ما أعتقد- نعم الرأي لمعالجة عادة مص الأطفال لأصابعهم.

سر الكآبة:

بقلم: د. عادل وجيه سراج الدين- استشاري الطب النفسي الكويت.

كيف يمكن لامرأة تنتظر مولودها بفارغ الصبر وبعد ألم ومعاناة الولادة أن تحزن وتتألم وتكتئب؟ وما حقيقة هذه الحالة؟ وهل هي في حاجة إلى علاج؟ وما طبيعة العلاج لمثل هذه الحالات؟

تعاني العديد من النساء اضطراب المزاج بعد الولادة، وقد تتراوح من الشعور بالوهن والخمول العام إلى الحزن وفقد البهجة، وقد تصل إلى حد الذهان الاكتئابي الشديد فتبعد المريضة تمامًا عن الواقع، وتتشكك في نوايا المحيطين بها، وتضطرب علاقتها بوليدها، وتتباين من حماية مبالغ فيها، وخوف جارف عليه من أشياء وهمية إلى إهمال شديد، وعدم اكتراث به، ويرجع سبب هذه الحالة إلى خلل واضطراب هرمونات ما قبل وبعد الولادة مباشرة، وتكثر فيمن يعانين أصلًا من اضطراب واكتئاب المرح الدوري، أو من تقلبات بالمزاج بصورة دورية.

وغالبًا ما تنشأ هذه الحالة في الشهر الأول بعد الولادة أو أكثر من ذلك، وكلما مر الوقت ندر احتمال الإصابة بها، ولكن معنى ظهورها عقب ولادة يندر احتمال تكرر نفس الحالة بعد ولادة أخرى، وإن كان ليس بالضرورة.

تبلغ نسبة الإصابة بنوبات الاكتئاب البسيط بعد الولادة -والذي يتسم بقتامة المزاج، والميل للحزن، وفقد تام للبهجة، وعدم الفرحة بالمولود- إلى (٥٠٪) من السيدات حديثي الولادة؛ أي بمعنى أن كل امرأتين وضعتا تعاني منهما واحدة من هذه الحالة، وقد تظهر هذه الحالة في اليوم الأول وحتى (6) أسابيع بعد الوضع، وهي حالة مؤقتة تتلاشى تدريجيًا في غضون أيام، وقد لا تحتاج لعلاج دوائي، وإنما فقط مساعدة أسرية، ودعم من الزوج.

في حين تبلغ نسبة الاكتئاب متوسط الشدة إلى (١٠٪) منهن، والذي تفقد فيه المريضة التفاؤل، وأي إحساس بالفرحة، ويغلب عليها سهولة الاستثارة والحزن، والإحساس بالتعب والوهن العام، والضعف والعجز، وتنتابها هواجس تشعر فيها بالذنب لأشياء تكون عادية في نظر الآخرين وفي نظرها هي شخصيًا في وقت آخر، وتكون مترددة في اتخاذ القرار، ويضطرب نومها بصورة جلية فتكثر فترات يقظتها ليلًا، ويقل نومها العميق، ويصبح نومًا غير منعش.

أما الاكتئاب الشديد وهو الاكتئاب الذهاني فنسبته أقل من ذلك، وهي في حدود (۲-۱) في الألف ولادة، وتطغى على المريضة تأرجح في الشعور والمزاج، وتنتابها حالات هياج، ويسيطر عليها تفكير غير منطقي، وقد تصل إلى حد إلحاق الأذى بالطفل أو بنفسها؛ فتفكر في الخلاص من حياتها، ويكون محادثتها في غاية الصعوبة، فهي غير واقعية بالمرة.

أكدت الأبحاث أن اختلاف نسبة هرمونات الأنوثة مثل البروجستيرون والأستروجين بدرجة كبيرة قبل وبعد الولادة مباشرة- لها دخل كبير في الإصابة بمثل هذه الحالات، وأشارت أبحاث أخرى إلى خلل نسبة الكورتيزون بعد الولادة، وأسهبت الأبحاث الطبية في وصف عوامل أخرى كنسبة الأدرينالين ونشاط الغدة الدرقية، والمؤكد أن عامل الوراثة له دخل كبير، وأنه كما أسلفت يزيد في من يتعرضن للإصابة بمرض الاكتئاب المرح الدوري، أو من يوجد في أسرهن من يعاني هذا المرض.

في الحالات الشديدة لا بديل عن استعمال العلاج الدوائي، وأحيانًا يلزم العلاج بجلسات الكهرباء المعدلة، وهي وسيلة آمنة جدًا وغاية الفعالية، ولا يوجد في الطب ما يقوم مقامها، فتأخذ المريضة حقنة تنام بعدها، ثم أخرى لاسترخاء العضلات وأكسجين، ثم يستعمل الجهاز وتتم إفاقتها بعد ذلك، وتستغرق الجلسة بالكامل دقيقة واحدة على الأكثر.

والعلاج الدوائي يتمثل في جرعات متفاوتة من العقاقير مضادة الاكتئاب «المبهجات» وأحيانًا قد نستعين لمضادات الذهان، وتزداد جرعة العلاج مع ازدياد شدة الحالة، ويستمر العلاج الدوائي لعدة أشهر، وغالبًا ما يضطر لإيقاف الرضاعة؛ حيث إن الأدوية تفرز عن طريق لبن الأم، ويتم بعد ذلك سحب الأدوية تدريجيًا.

وتختلف وجهات النظر الطبية هنا في العلاج، فالمدرسة الإنجليزية ترحب بعلاج الأم والطفل معًا في وحدات خاصة، بالرغم من عدم تجاوب الأم واحتمال إلحاق الأذى بطفلها، أما المدرسة الأمريكية فتميل لفصل الأم عن وليدها، وتتركه لرعاية ممرضة خاصة داخل المستشفى، وفي كل الحالات من العوامل المهمة المساعدة هي مساندة الزوج والأهل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل