; معادن الرجال: حسن الهضيبي نموذجًا | مجلة المجتمع

العنوان معادن الرجال: حسن الهضيبي نموذجًا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993

مشاهدات 65

نشر في العدد 1037

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 09-فبراير-1993

معادن الرجال: حسن الهضيبي نموذجًا

الشدائد تظهر معادن الرجال

بقلم: د. محمد عاصم العدوي- القاهرة

·       إذا أردت أن تعرف معادن الرجال فاسأل خبراء النفوس.. لا مروضي القردة وبهلوانات العروض.

كشف الصحفي الشهير مصطفى أمين في عموده فكرة عن رجل عملاق في دنيا الأقزام وقائد جيل في عالم السفوح والمستنقعات فقال: أعجبت بصموده، انهالت عليه الضربات فلم يركع، حاصرته المصائب فلم ييأس، تلقى الطعنات من الخلف والأمام فلم يسقط على الأرض كان يحلم وكل من حوله يائسون، كان قويًا وأنصاره ينفضون مستضعفون، رأيته في محنته أكبر منه في مجده، يسقط من المقعد واقفًا وغيره يجلس فوق المقعد راكعًا رأيته يستعذب الحرمان وغيره لا يستعذب إلا السلطان، فالرجال المعادن لا تظهر قيمتهم الحقيقية إلا إذا وضعوا في النار، هنا يظهر الفرق بين الرجل الحديدي والرجل القش بين الذي يموت واقفًا والذي يعيش راكعًا بين الذي يكبر مع الشدائد والذي يتضاءل في المحن والأزمات، رأيته يستقبل المحنة بابتسامة كأنه يستقبل النعمة ينام على الأسفلت وكأنه ينام على مرتبة من ريش النعام، يأكل الخبز الممزوج بالتراب ويحمد الله كأنه يتناول الطعام على مائدة ملكية.

موقف الداعية من الانتقام

تعارضه فلا يغضب، وتناقشه فلا يحقد، يتقبل النقد بصدر رحب، ويتقبل الثناء بخجل وحياء لا يجحد الفاضل فضله، ولا يذكر إنسانًا بسوء إذا جاء ذكر من طعنه بخنجر في ظهره لا يلعنه، ولكن يقول سامحه الله وعشت معه سنوات طويلة كان بين زنزانته وزنزانتي زنزانة واحدة كنت أراه كلما فتحوا باب زنزانتي وكان بينه وبين بعض المسجونين السياسيين مناقشات طويلة، كانوا عددًا من المسجونين الذين عذبوا وصلبوا وضربوا وأهينوا وانتهكت أعراضهم كانوا يصرون على الثأر والانتقام من معذبيهم بعد أن يخرجوا إلى الحرية سيفعلون بهم ما فعلوه فيهم، سيذيقونهم من نفس الكأس التي أرغموهم على تجرعها كان يعارضهم ويقول لهم: هذه مهمة الله وليست مهمتنا.. نحن دعاة لا قضاة كانوا يحتدون فيهدأ، ويشتدون ويلين ويرفعون أصواتهم ويخفض صوته ويهاجمونه فيبتسم ويتطاولون عليه فيقول لهم: هذا حقكم لا ألوم المجلود إذا صرخ من ألم السياط لا أعاتب المطعون بالسيف إذا وقع دمه على ثيابي، لا أطلب منكم أن تعفوا وإنما أرجوكم أن تتركوا الأمر لله فهو المنتقم الجبار.. عذاب الله على الظالم أقسى من كل ما تستطيعون من عذاب لا أريد أن نتساوى نحن المظلومين مع الذين ظلمونا، بطشوا فنبطش بهم ظلموا فنظلمهم، واجبنا أن نقابل الظلم بالعدل والقسوة بالرحمة والجبروت بالتسامح معتزًا بدينه بغير تعصب، مؤمنًا بالعدل كارهًا للظلم، يرفض العنف ويقول: ما حاجتنا للمسدس ولنا لسان ما حاجتنا للقنبلة ودوي صوت المظلومين أعلى من انفجار الديناميت كان اسم هذا الرجل هو حسن الهضيبي.

وصية الهضيبي وإخلاصه

وقال الشيخ محمد الغزالي الداعية الكبير عن الرجل من أيام مات حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان، وبلغتني وصيته.. لقد أوصى أن يدفن خفية لا إعلان ولا مواكب وطلب أن يوارى جثمانه في مقابر الصدقة وعقدت لساني دهشة وأنا أسمع العبارة الأخيرة في مقابر الصدقة.. إنني أعرف حسن الهضيبي، ففي نفس الرجل ترفع وأنفة لا يتكلّفها، وهو إذا اعتقد شيئًا استمات فيه دون لف أو مكر.. قلت: لم مقابر الصدقة ولم يغب عني الجواب.. لقد كان الرجل مستشارًا راسخ المكانة رفيع الهامة.. لو اشتغل بمهاجمة الشريعة الإسلامية لنال جائزة الدولة التشجيعية التي نالها غيره ولو خدم الغزو الثقافي لعاش في شيخوخته موفور الراحة مكفول الرزق، ولكنه خدم الإسلام فتجرع الصاب والعلقم.. طُعن مع الدين الجريح وأهين مع الدين المهان فأراد أن تصحبه هذه المكانة في منقلبه إلى الله..!!

 فليدفن في مقابر الصدقة مع النكرات التي لا يباليهم المجتمع. فليدفن مع ناس أسلموا أرواحهم في غرفات السجن الحربي وهم رازحون تحت وطأة عذاب تنوء به الجبال ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.

ألا فسلام الله على الرجال الذين يحفظون للحق كرامته والإيمان عزته، سلام عليهم ما دعا داع إلى الله وأذن مؤذن للحق إلى يوم الدين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل