العنوان معاقبة سوريا.. باغتيال أحد معارضيها!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 26-فبراير-2005
مشاهدات 60
نشر في العدد 1640
نشر في الصفحة 18
السبت 26-فبراير-2005
قبل أكثر من ٩٠ عامًا تسبب حادث اغتيال الأرشيدوق فرنسوا فرديناند، ولي عهد إمبراطورية النمسا أثناء زيارته لسراييفو في ۲۸ يونيو ۱۹۱٤ في إشعال فتيل الحرب العالمية الأولى التي اكتوت بنارها المنطقة العربية، ولا يستبعد أن يكون حادث اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق في بيروت يوم ١٤ فبراير الجاري، مقدمة الحرب جديدة في المنطقة العربية، تكون لها آثار أسوأ على منطقتنا.
كان السبب الرئيس في اندلاع الحرب العالمية الأولى أن النظام الدولي الذي كان سائدًا قبلها لم يعد مناسبًا لبعض الأطراف بعد أن شرعت ألمانيا في تكوين إمبراطورية استعمارية في مواجهة بريطانيا وفرنسا، واليوم تواصل الولايات المتحدة إقامة نظام عالمي جديد لم يكتمل بناؤه بعد، ويسعى الكيان الصهيوني لاستغلال حالة الوهن والتفكك العربيين لإقامة واقع سياسي جديد في المنطقة.
كان حادث اغتيال ولي عهد النمسا السبب المباشر أو الذريعة التي اتخذتها القوى الكبرى آنذاك لبدء الصراع سياسيًا وعسكريًا، وبعد اغتياله طلبت النمسا من صربيا -التي كانت تتبعها مدينة سراييفو آنذاك- مطالب محددة أشبه ما تكون بالمطالب الأمريكية من سورية ولبنان بعد اغتيال الحريري وهي المشاركة في محاكمة المتهمين وحل الجمعيات السرية، واليوم تتعالى المطالب بالتدخل الدولي في التحقيقات الجارية بشأن اغتيال الحريري وبانسحاب الجيش السوري من لبنان، وقبل الحادث طالبت واشنطن بتصفية المنظمات الفلسطينية الموجودة في سورية.
وحين رفضت صربيا هذه المطالب أعلنت النمسا الحرب عليها بمساندة من ألمانيا، واليوم تعلن واشنطن -وبمساعدة من تل أبيب- الحرب السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على سورية وربما كان ذلك مقدمة للحرب العسكرية.
فبعد ساعات من اغتيال الحريري، استدعت الولايات المتحدة سفيرتها في سورية مارجريت سكوبي لإجراء مشاورات عاجلة، وقال ريتشارد باوتشر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن سكوبي أعربت السورية عن قلق (بلادها) العميق بالإضافة إلى غضبنا الشديد بشأن هذا العمل الإرهابي الحقير! وكأن سورية هي المسؤولة قبل أن يباشر أحد التحقيق في الحادث.
كما كان الحادث فرصة لتشديد الضغط على سورية لحملها على الاستجابة لقرار الأمم المتحدة رقم ١٥٥٩ الذي يطالب بوقف التدخل السوري في لبنان وبسحب القوات الأجنبية منه، مع التجاهل التام والمتعمد للاحتلال الأمريكي للعراق والصهيوني لفلسطين.
وسبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على سورية بعد أن اتهمتها لوقت طويل بدعم ما تسميه واشنطن بالإرهاب وفشلها في منع المسلحين من عبور حدودها للعراق.
واتهم الرئيس الأمريكي بوش سورية بالاستمرار في احتلال لبنان والسعي للحصول على أسلحة دمار شامل وصواريخ، وأشار إلى أن دمشق «تمتلك أحد أكثر قدرات التسلح الكيميائي تطورًا بين الدول العربية».
وزعم الرئيس الأمريكي أن أفعال سورية وصلت إلى حد كونها تمثل تهديدًا كبيرًا للأمن القومي والسياسة الخارجية والاقتصاد الأمريكي وقبيل جولته الأوروبية التي بدأها الأسبوع الماضي اعتبر بوش أن الوجود السوري في لبنان أحد أهم ٣ مسائل سيبحثها مع القادة الأوروبيين، قائلًا: «حان الوقت الآن لنضع خلافاتنا (مع أوروبا) جانبًا والتقدم في مجالات يمكن لنا العمل معًا في إطارها مثل الملف النووي الإيراني وعملية السلام بالشرق الأوسط والوجود السوري في لبنان».
هذه اللهجة نفسها هي التي كان يتحدث بها المسؤولون الأمريكيون عن العراق قبل احتلاله.
والغريب والمدهش أنه رغم كل نذر الخطر التي تلوح في الأفق نجد أن رد الفعل السوري لا ينسجم مع حجم الخطر الماثل كما كان حال صدام حسين قبل الغزو الأمريكي، أو ربما أسوأ منه إذ لا نلمس سعيًا لتوثيق عرى التلاحم الوطني الداخلي، ولا حركة على مستوى الشعوب والحكومات العربية والإسلامية والصديقة ولا نشاطًا دبلوماسيًا على المستوى الدولي، ولا ندري أهو عدم اكتراث يصل إلى حد التفريط في المصالح الوطنية أم عدم دراية بما يجب عمله أم أن الخوف قد شل حركة المسؤولين في دمشق!
وإذا كانت النمسا وألمانيا -ومعهما الدولة العثمانية- قد خسرت الحرب العالمية الأولى بسبب وقوف بريطانيا وفرنسا وروسيا ضدها فإن سورية تقف وحيدة تقريبًا، فلا الأخ العربي براغب في مساعدتها ولا الحليف الإيراني يمكنه أن يفيد كثيرًا في المواجهة.
لقد انتجت الحرب العالمية الأولى تغيرات يمكن اعتبارها مسؤولة عن كل ما عانت ولا تزال تعاني منه المنطقة العربية من تفكيك بعد اتفاقية سايكس - بيكو وضياع فلسطين بسبب الانتداب البريطاني ووعد بلفور وتصنيع كيانات قابلة للانفجار كما حدث في العراق، فماذا يمكن أن تسفر عنه المواجهة الحالية؟