العنوان معالم النصر.. في طريق الهجرة
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 67
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-يونيو-1992
|
• لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة حدًّا فاصلًا
بين عهدين.. عهد الاضطهاد وعهد بناء المجتمع الإسلامي في المدينة |
كلما أقبل شهر المحرم من كل عام أقبلت معه
ذكريات الهجرة النبوية واضحة لكل ذي عين مبصرة، هاتفة بكل ذي أذن واعية، حاملة
للنائم يقظة، وللغافل لفتة، وللعاقل عِبرة، وللمؤمن ذكرى، و﴿الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات:55).
لقد كانت الهجرة النبوية حدًّا فاصلًا بين
عهدين.. عهد الاضطهاد، وعهد الجِلاد، عهد الاضطهاد بكل ما فيه من دروس وعبر وصبر
ومثابرة، وتحمل للأذى بكل ما يعجز عنه الخيال الشاخص، ويقف عاجزًا أمام تصور ثبات
المؤمنين على تحمل الأذى بكل صنوفه وآلامه، ثم المساومة والإغراء، ثم المقاطعة
القاسية الجاثية، ثم جاء عام الحزن، وأخيرًا موقف أهل الطائف.. كل هذه الصور
تتوالى وتتابع ولا يملك المؤمن إزاءها إلا أن يقول: تلك هي معالم الشخصية المؤمنة
حين تواجه الأحداث.
أما عن الجِلاد فهو عبارة عن معالم بناء
المجتمع الإسلامي في المدينة من ربط الخلق بالخالق والعلاقة الإيمانية التي تربط
بين المؤمنين، والعلاقة التي بينهم وبين غيرهم، ثم تلكم المعارك الحربية التي
تعددت وتنوعت مع المشركين تارة، ومع اليهود تارة، ومع النصارى تارة.
كل هذه المعالم حين تتداعى وتتوالد، لا
يملك المؤمن إزاءها إلا أن يقول: تلك هي معالم بناء الأمة، وفي ذلك ذكرى للمؤمنين
الذين يودون ويعملون جاهدين أن يروا مجتمعًا إسلاميًّا، وأن يبصروا علاقة المؤمنين
بعضهم ببعض في هذا الوقت الذي وصل فيه عدد المسلمين إلى مليار مسلم في كل ركن من
أركان الدنيا، ومع ذلك نتساءل: أين علاقة المؤمنين التي تربط بين هذه الأعداد
الغفيرة في المجتمع الإسلامي، في كل ركن من أركان الدنيا جروح ودماء وأشلاء وشهداء
أحياء، ومع ذلك فالأمل قائم في أن نبصر معالم الطريق.
الهجرة
النفسية
وأول ما يجب أن نذكر أنفسنا به هو الهجرة
النفسية في عيد الهجرة.. وهي أن نهاجر إلى الله هجرة ترضي الله، وأن نعاهد
أنفسنا أن نكون على طريق الحق، وأن نضع الآخرة نصب أعيننا، وأن تهفو نفوسنا إلى
الجنة، وأن ترف أرواحنا إلى رضوان من الله.. حين نهاجر هذه الهجرة النفسية لا يصعب
علينا شيء ولا يستحيل تغيير الوضع الحالي لنا كأمة إلى جنسية العقيدة وأخوة
الإيمان.
الإخوة
الإيمانية
وثاني ما يجب أن نذكر أنفسنا به هو الأخوة
الإيمانية التي نبصرها ضرورة من ضرورات العقيدة، ونحن نقرأ قول الله عن وجل: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10). ونلحظ في قوله: «إِنَّمَا» وقوله: «الْمُؤْمِنُونَ»
وفي قوله: «إِخْوَةٌ» التقرير لهذه العلاقة الإيمانية والمطالبة بأن نكون على
مستواها، وننتقل إلى آية أخرى تقرر أن هذه الأخوة نعمة كبرى من المنعم الجليل ونحن
نقرأ قول ربنا عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل
عمران: 103) ونبصر قبلها حديثًا موجهًا إلى أهل الكتاب الذين غاظهم أن يتآخى
المهاجرون والأنصار معًا، بعد أن كانوا من قبل هذه العقيدة قبائل متنافرة متناحرة،
وبعد أن اجتمع المهاجرون تحت راية العقيدة بكل ما تحمل من عظمة وإجلال، وبعد أن
اجتمع الأنصار كذلك على العقيدة في الله، ثم اجتمع المهاجرون والأنصار معًا تحت
راية الأخوة، تألم أهل الكتاب لما وصل إليه المجتمع الإسلامي من أخوة، فقال الله
سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ
شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ ۗ وَمَا
اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 98-99).
ثم توجه الخطاب إلى المؤمنين محذرًا من
ذلك فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ
رَسُولُهُ ۗ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (آل
عمران: 100- 101).
بعد ذلك جاء النداء إلى المؤمنين بتقوى
الله والحرص الكامل على هذا الدين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ.
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ
النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (آل عمران:102- 103).
وننتقل سراعًا إلى بيان العلاقة التي تربط
بين المؤمنين في جنات النعيم، فنبصر هذه الأخوة ونحن نقرأ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ
مُتَقَابِلِينَ. لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (الحجر:
45-48).
تلك هي علاقة الأخوة بين المؤمنين في
الدنيا، وتلك هي علاقتهم في جنات النعيم.. إنها الأخوة الزكية الصافية النقية،
والمحبة الندية، والمودة الرضية، التي تنشئ في القلب إدراكًا كاملًا، ونورًا
شاملًا، ونبضًا متصلًا وحياة مباركة هي سراج ما بطن وملاك ما علن، تنطق نورًا
كأنها قناع رحمة الله.
|
• كانت هجرة صهيب الرومي رضي الله عنه مثالًا
تاريخيًّا على انتصار الإيمان على المال والحياة |
انتصار
الإيمان على المال والحياة
وثالث ما يجب أن نذكر أنفسنا به هو انتصار
الإيمان على المال والحياة والعاطفة، نبصر ذلك ونحن نتصور موقف صهيب الرومي الذي
عاش شطرًا من حياته في الروم قبل أن يعيش في مكة، نبصره والعرب ينظرون إليه على
أنه جاء إليهم -على حد تعبيرهم- صعلوكًا لا مال له، والآن يريد أن يهاجر ويأخذ
ماله، فنظر إليهم رضي الله تعالى عنه نظرة المؤمن الذي انتصر الإيمان في نفسه على
المال وقال: أنتم تعلمون أني من أرماكم ولن يصل إليّ أحد منكم حتى أرميه بسهم،
ولكن أرأيتم لو أخبرتكم أين يكون المال أتخلون سبيلي؟ فقالوا له: نعم، فأخبرهم أين
يكون المال، وهاجر راضيًا مطمئنًّا زاهدًا في المال الذي لو جلس بجانبه لأقعده عن
الهجرة لله ورسوله، وكأنه يدوس الأرض بما فيها.. تبرها وترابها سواء. وكأن هذا
الموقف يقول لنا: تعالوا ارتفعوا وضعوا الدنيا تحت أقدامكم في سبيل دين الله، لا
تجذبكم الدنيا، ولا يلهيكم متاعها الزائل، فهي لا محالة دنيا زائلة، والمال دائمًا
إلى فوت، والنفس دائمًا إلى موت، وهذا درس نقدمه للقادرين من أصحاب المال في أمتنا
المعاصرة إزاء ما يجب عليهم من مساعدة ومساندة وبذل وعطاء، وهنا نزل قول الله
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 207) حين يوجد في الأمر هذا النوع
من القادرين تطل علينا دلائل إعادة بناء الأمة، ولكن لابد من الفدائية التي نبصرها
في انتصار الإيمان على الحياة ونحن نتذكر موقف علي رضي الله عنه ليلة الهجرة، وهذا
درس نقدمه للشباب.
انتصار
الإيمان على العاطفة
أما انتصار الإيمان على العاطفة فنبصره
سراعًا في قصة هجرة أم سلمة رضي الله عنها، تلكم التي هاجرت إلى الحبشة قبل هجرتها
إلى المدينة، بيد أنها تعرضت لموقف يصعب على الفكر تصوره؛ لأن الإيمان فيها وهي
امرأة مهاجرة صابرة محتسبة، قد انتصر فيها على العاطفة.. وأخيرًا وليس آخرًا
بالنسبة للحديث عن موقفها كانت أُمًّا للمؤمنين.
تلكم المواقف التي تبين لنا كيف يكون
القادرون من أصحاب الأموال تجاه عقيدتهم، وكيف يكون الشباب، وكيف تكون المرأة
المؤمنة.
وحينئذ نستطيع أن نقول: هكذا ينتصر
الإيمان على المال والحياة والعاطفة، وهكذا نبصر المؤمن يتحرك ويعيش، ولكنه يعلو
على تبر الأرض وترابها، وله في كل خطوة يخطوها دروس مستفادة، فقامته لا تركع إلا
لخالقه، وجبهته لا تسجد إلا لمولاه، ويده لا ترفع إلا لله وحده.
وحين تبصر الأمة معالم هذا الطريق الذي
أشرنا إليه مجرد إشارات نراها تحتاج إلى تفصيل وبيان فيما بعد نكون قد وضعنا قدمنا
على أول معالم الطريق: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم:
4-5).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل