العنوان معالم على الطريق: (العدد: 1011)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1992
مشاهدات 78
نشر في العدد 1011
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 11-أغسطس-1992
التقوى قوة، والأمانة زاد، والأخوة رباط، والهداية
طريق السعادة، والطاعة لله نصر، واتباع منهجه صراط مستقيم، والمعصية ذل وانكسار
وضعف ومهانة.
فهم المسلمون خطاب السماء، وبيان الوحي، فكانوا بدينهم
ورسالتهم خير أمة أشاد بها القرآن الكريم، كانوا بعيدين عن المعاصي، مقبلين على
الله، رجالًا كما وصفهم القرآن الكريم يملكون أمرهم ويسيطرون على شهواتهم،
وينتصرون على نفوسهم، عُدّتهم الإيمان وحصنهم التقوى، ورسالتهم إقرار الحق. إذا
ساحوا في الأرض سبقهم الطهر، وتقدمهم الإيمان والعدل والصدق والعفاف، ولهذا كان يُفتح
لهم، ويُهاب منهم ويفر الظلم والبغي من أمامهم. كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي
وقاص رسالة في الحرب يقول فيها: أما بعد.
أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب تقوى
الله، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد
احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم. فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر
المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عدونا ليس كعدوهم،
ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة. وإن لم نُنصر
عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما
تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيله، ولا تقولوا: إن
عدونا شر منّا فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني
إسرائيل- لما عملوا بسخط الله- كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا
مفعولًا. واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم.
أرأيت كيف حرص عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - على
أن يلتزم جُند الإسلام برسالتهم، ويعرفوا حق ربهم عليهم. وحرص كذلك على أن النصر
من عند الله فلابد أن يطاع فلا يعصى.
وهذه رسالة أخرى، ولكن من ملك الفرس يستنجد بملك الصين
لحرب المسلمين عندما فتحت مدائن كسرى على المسلمين، وتوغل المسلمون في أرض العجم
أرسل ملكهم «يزدجرد» رسولًا يستنجد بملك الصين لحرب العرب، ومن عادة الملوك أنهم يُنجدون
بعضهم بعضًا عند الأزمات.
ولما عاد الرسول عاد مثقلًا بالهدايا من قبل ملك
الصين، وقال ليزدجرد: لقد سألني عن القوم الذين غلبونا على بلادنا. وقال: إنك تذكر
قلة منهم وكثرة منكم، ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصفهم منكم- فيما أسمع-
من كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقلت: سلني عما أحببت إن شئت.
فقال: أيوفون بالعهد إذا عاهدوا؟ قلت: نعم. وماذا
يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم؟ قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث. أن نتبع دينهم فإن
أجبناهم أجرونا مَجراهم. لنا ما لهم وعلينا ما عليهم أو الجزية والمنعة أو
المنابذة. قال: كيف طاعتهم لأميرهم؟ قلت: أطوع قوم لمرشدهم، قال: فما يحلون وما
يحرمون؟ فأخبرتُه أنهم يحرمون الخبائث والفواحش والأضاليل وكل منكر وشر، فقال:
أيحرمون ما يحللون؟ أو يحلون ما يحرمون؟
قلت: لا. فهم يؤمنون بأن شريعتهم ثابتة خالدة بكتابهم المُنزل
الذي يعتقدون أنه - في حفظ الله - أثبت من الأرض وأبقى من السماء. وقاعدتهم لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق. قال ملك الصين: فإن هؤلاء لا يهلكون أبدًا حتى يحلوا
حرامهم فيصبح الشر عندهم خيرًا، ويحرموا حلالهم فتصبح الفضيلة عندهم رذيلة».
ثم بعث برسالة ردًا على رسالة ملك الفرس فقال: إنه لم
يمنعني شيء أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو وآخره بالصين. ولكن هؤلاء القوم يعني المسلمين،
الذين وصفهم لي رسولك. لو يحاولون إزالة الجبال لأزالوها. ولو خلا لهم الطريق، لأزالوني
ما داموا على ما وصف رسولك. فسالمهم وارضَ منهم بالمسالمة، ولا تهيجهم ما لم
يهيجوك.
هذا هو الإيمان رسالة، وهذه هي أمة الإسلام قوية
بإيمانها عزيزة بإسلامها، فهل نعي ذلك ونعمل له ونستقيم في الجادة؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل