العنوان ديمقراطية الطائرة المخطوفة
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 13-يونيو-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1856
نشر في الصفحة 35
السبت 13-يونيو-2009
هناك أوضاع معينة لا يسمع فيها القصير أمر، ولا لضعيف رأي، ولا لعقول حكم، يقضى الأمر فيها حين تغيب تيم، ولا يستأمرون وهم شهود يساق الناس فيها بالقوانين الجبرية والأحكام العرفية والمراسيم الاستثنائية ويسيرون فيها بمنطق القضاء والقدر، فليس للإنسان رأي فيما يضمر له من هداية أو ضلال أو توفيق وخذلان أو تأييد وخسران، بل يظل يعيش في عالم لا يحكمه قانون، ولا يرعاه دستور يخضع لسلطة مطلقة لا يستطيع الإنسان لها دفعا، أو يملك لها ردًا!! وفي هذه الأوضاع العجيبة ما إن تظهر السلطة العلية السنية، حتى ينعم عليها بالألقاب المقدسة والكنى المهيبة، والرتب البهية، كالزعيم الأوحد والمنقذ الأعظم، والرئيس الملهم، والمعلم الموهوب والمصلح المبدع، وتستعار لها الصفات المطلقة في العلم والقدرة والحياة، حيث يسمع كل شيء ويبصر كل أمر، ويحكم في كل فعل، ويتكلم في كل مناسبة، ويوجه في كل ناحية، حكيم في كل شيء، حجة في كل معضلة، معلم في كل مسألة لا يصدر الناس إلا عن رأيه، ولا ينطقون إلا بلسانه، إذا أخذ الأموال فهي حلال زلال، وإذا ظلم فهو العادل المفضال، وإذا سجن أو شرد أو قتل، فبالروح والدم نرضيه ونفديه والناس صائحون مصفقون للخراب المستعجل هاتفون للظلم العادل، مهللون للحق المداس ناعمون في جنة النفاق والملق والرياء، والويل كل الويل لمن يحاول أن يستعمل العقل، أو يواجه الظلم أو يقاوم العسف.
وقد ضرب الدكتور «يحيي الرفاعي»، رئيس نادي القضاة المصري سابقًا مثلًا لذلك فقال : «إن جماعة من اللصوص اقتحموا أتوبيسا، وقاموا بالاستيلاء على أموال الركاب، ثم قرر هؤلاء اللصوص، عقد محاكمة لأولئك الذين حاولوا عصيان السلب ومقاومته، فأصدروا أحكاماً بجلد البعض، وتعذيب البعض الآخر، وبراءة آخرين، ثم يتساءل المستشار «الرفاعي»: هل تعلم ماذا فعل الركاب الذين صدرت أحكام ببراءتهم من اللصوص وقطاع الطرق؟ هتفوا يحيا العدل!! ودفع الذين عارضوا اللصوص فاتورة الدفاع عن الحق بدنيا بما وقع عليهم من عذاب جسدي، وما أصاب سمعتهم من معارضتهم للسراق واللصوص، ولكنهم كانوا حقيقة نخبة الموجودين برجولتهم وتحملهم ووقوفهم في وجه الظلم بقدر ما يستطيعون».
ولكن قد يسأل الإنسان نفسه: ما الذي أوصل الشعوب إلى هذه الحالة من القهر والامتهان والذلة بعد أن تخلصنا من الاستعمار الذي كان جاثماً على صدورنا، وكاتماً لأنفاسنا ؟ وظننا أننا سنعيش في الجنان على أرضنا، ووسط مجتمعنا تهب علينا رياح الرخاء، ونستنشق النسيم العليل، ونشرب الماء السلسبيل، وننعم بالحرية والأمن والديمقراطية، وإذا بنا نحس ونشعر أننا جميعا ركاب طائرة مخطوفة، صعدنا جميعا إليها في رحلة حلمنا بها إلى هدف ظننا أنه مقصدنا، واتخذ كل منا مقعده، وربط حزامه وصعدت الطائرة، وفككنا الأحزمة، ورحنا نتأمل ما حولنا، ونطل من النوافذ على معالم الدنيا، وبدأت حفاوة المضيفين الذين يخطون في الممرات يوزعون ابتسامات حلوة مع أطباق الطعام، وأكواب الشراب، فجأة جاء صوت قائد الطائرة متلعثمًا ليعلن أن الطائرة مخطوفة فتوترت الأعصاب، وأمسك القلق بالأنفاس وبهت الجميع، ورؤي في هذا الجو المعبأ بالصراع حركة غامضة في الطائرة، وإذا بمجموعة من الناس قرب المقاعد، وفي الممرات، وداخل مقصورة القيادة مدججين بالسلاح، مسدسات في أيديهم وقنابل في جيوبهم، وأصابع ديناميت في أمتعتهم، يروحون ويجيؤون، رجال بين الركاب تنهار أعصابهم، ونساء يجهشن بالبكاء، وأطفال يعلو صراخهم، وأحد الخاطفين يزأر في الجميع أن يلزموا الصمت والا .. ثم جاءت الأخبار من كابينة القيادة بأن قائد الطائرة قد قتل لعدم طاعته للأوامر، ثم لم تلبث أن حدثت اندفاعات غاضبة، وتشنجات عصبية بين الخاطفين واختلفوا فيمن يكلفون قيادة الطائرة بعد قتل قائدها، وأين يذهبون؟ وماذا يريدون؟ بعضهم كما يبدو يريد أن يطلب فدية، وبعضهم يريد أن يحتفظ برهائن، والبعض الآخر يريد أن يذيع على العالم مبادئ صارخة.. إلخ.
ونحن جميعًا في العالم.. ركاب طائرة مخطوفة، لا أحد يستطيع أن يسأل عن شيء ولا نحن قادرون على أن ننطق بشيء، والعاصفة عاتية، والخطر مجنون، والمصير علمه عند الله يتحكم فينا حامل مسدس، أو طالب فدية، أو مجنون مصاب بداء العظمة ونحن مستسلمون:
كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء
فدعوت ربي بالسلامة جاهدًا لينصحني فإذا السلامة داء
وفجأة صدرت الأوامر الحاسمة من قائد الخاطفين:
1- عدم الضوضاء فلا يسمع لأحد نفس داخل أو صاعد.
2- عدم الحركة إلا بإذن.
3- ربط الأحزمة على البطون؛ لأن الطعام الموجود لا يكفي إلا لمرة واحدة وليوم واحد وكذلك الماء.
4- كل فرد مطالب بالدفاع عن الطائرة ضد البغاة الذين يريدون اقتحام الطائرة.
5- إعلان الرضا بالقيادة الخاطفة التعاطف معها، وتأييد مطالبها.
ثم لم يلبث قائد الطائرة المخطوفة أن تحدث معلقا على تلك الأوامر، ومعلنًا عن انتخابات لاختيار قائد دستوري لها واختيار برلمان حر يدير أمر الطائرة، فانبرى جملة من المثقفين يمدحون القائد ويثنون على ديمقراطيته، ويبشرون بالعصر الزاهر وانطلقت المسيرات في الطائرة هاتفة مؤيدة وكونت مجموعات من الناشطين أحزابا، وأعلنوا عن برامج انتخابية، وطالبوا بالنزاهة والحياد وبمراقبين دوليين، وقام زعيم العصابة الخاطف بترشيح نفسه وبتكوين حزب من عصابته لدخول البرلمان.
فهل ترى يا صديقي أن هذه الانتخابات يكون لها طعم، أو لون، أو رائحة ؟! وهل ترى أن زعيم الخاطفين ومن معه يسمحون بأن تسلم القيادة لغيرهم ؟! وهل تستطيع الطائرة الاستمرار على هذا الوضع المعلق طويلا ؟ أم أن مصيرها محتوم، ولابد لها من حياة طبيعية على وجه الأرض، ويومها سيواجه القادة الخاطفون وديمقراطيتهم المصير المحتوم الذي ينتظر المجرمين والقتلة ؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل