العنوان المرتزقة والحكم في العالم الثالث
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1170
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 10-أكتوبر-1995
ليست جزر القمر مثالا فريدا في استيلاء المرتزقة عليها واعتلاء سدة الحكم، -ولا عجب- فهي من العالم الثالث المهيب أدام الله عزه ونصر جنده، ولما أذيع الخبر اعترى أناس كثير الدهشة والغرابة، ولكنني في الحقيقة لم يعترني الذي اعتراهم أو يدهشني الذي أدهشهم لأن هذا المثال العجيب ليس فريدا في العالم الثالث، وكلهم في الهم ثالث، وقد يكون مثارا للغرابة بعض الشيء أن هذا المرتزق الذي استولى على البلاد فرنسي الجنسية، ولو كان هذا من جزر القمر لسمي زعيم الثورة، أو قائد المسيرة، أو مخلص الأمة، ثم لا يلبث أن يكون مهيبا أو ملهما، ينادى بالألقاب: بصاحب الفخامة أو... أو... وتقام له المراسم العظيمة والاستقبالات المهيبة، وتنصب له الزينات وأقواس النصر والاحتفالات، وتصدح الموسيقى بالسلامات، ويستقبله الجميع بالتحيات المباركات الطيبات، ثم تعقد المؤتمرات الشعبية للتأييد والتكريم، ويقوم الغازي الهمام بإلقاء البيانات والتصريحات، وتتلقفها الإذاعات والتلفازات المحلية وغير المحلية، ثم تتوالى القرارات والمراسيم والتصريحات مفتتحًا بتعطيل الدستور الذي كان يستغله المجرمون في تنفيذ مخططاتهم ويتيح لهم الضحك على الناس، ويسول لهم، ويعينهم على التعديات والمظالم، ويعرقل الإصلاح ويقف أمام الإنجازات بالروتين القذر والإجراءات العقيمة هذا الدستور الذي قام به وخديجة ثلة من المغرضين الحاقدين على الشعب بتوجيه من الرئيس المخلوع وإيعاز من العهد البائد، الذي كان يسيطر عليه أعداء الشعب ومستغليه ثم يثني الزعيم الهمام، بفرض الأحكام العرفية حتى يتمكن من المحافظة على سلامة البلاد من الخونة والمتربصين وأعداء الشعب ثم يثلث بقانون العيب وقانون الطوارئ، وقانون الإرهاب، وقانون ۱۱۰، ۱۳۰، ١٤٠، وقانون الصحافة، وقانون النشر، وقانون إنا لله وإنا إليه راجعون.
كل هذا والجماهير المغلوبة على أمرها تصفق حتى تتقطع الأكف، وتهتف حتى تبوح الحناجر، وتصيح حتى تتمزق الأحبال الصوتية، ويجري المنافقون هنا وهناك ويجمع المداحون شملهم، ويلملم المهرجون شتاتهم، وتقام أسواق العمالة هنا وهناك ويكثر الهرج والمرج في البلاد في بلادي ثورة تدفن ثورة- جرة تكسر جرة، والهتافات بأفواه الجماهير تجيش كل مرة يسقط الذاهب والآتي يعيش، هل يعيش والرحى تهتف للبذر الذي تحمله في كل دورة، والرحى تبقى رحى، والبذر من بعد الهتافات يطيش بين قشر وجريش صحوة الطاغوت خمر، والهتافات حشيش أه لو ألقى على التاريخ نظرة لرأى أن الجماهير رياح وعصور الظلم ريش ولألفى كل فصل دموي ينتهي دومًا بفقرة يسقط الظالم والشعب يعيش!
وهل تقام حسابات -عند المغامرين- للشعوب، أو يهتم لهم برأي، أو يسمع لنصح، أو تستغل كفاءة، أو حتى يبقى على تلك الشعوب بدون تمزق أو صراعات، ولكن هذا الغازي دائمًا يعيش على خلق الصراعات وعلى تفتيت قوى الأمة، فهذا عدو للمجتمع، وهذا استغلالي، وهذا متربص، وهذا عميل، وهذا إرهابي، وهذا متطرف، وهذا مستغل للدين، وهذا شيوعي وهذا تخريبي، وهذا رأسمالية مستغلة، ثم تتوالى الإعلانات دائمًا عن الخلايا السرية والتنظيمات غير القانونية التي تدبر وتدبر وستعمل وتعمل، ولكن بتوفيق الله وعونه وتسديده ونصره، حمى البلاد والعباد ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاٰثَٰاتِ فِي ٱلعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ (الفلق: ٢-٥).
ثم يبحث الغازي الفاتح عن طلبته ومبتغاه في خزائن الأمة وأرصدتها ويطير لعابه، ويقول: تعالى تعالى كنت أين يا علي وأمك بدور عليك، ويهيج ويميج، ويغوص، ويصول ويجول في قوت الشعب، وعرقه، وكفاحه، وكده، ويبعثر هنا وهناك، والمفاتيح في يمينه ولا سلطان لأحد على شيء، وليس هناك رقيب ولا حسيب ولا عتيد، يوزع أموال الأمة في بنوك أجنبية، وحسابات خصوصية وتنهدم اقتصادات الدول، وتضيع عملتها بين السفه والتبذير والقهر والتدمير ويعتلي الغازي وسائل الإعلام التي سخرها على الناس ليالي وأيام حسوما، ويبشر بالديمقراطيات والحريات، والرخاء وزيادة الإنتاج، وتحرير الاقتصاد من المستغلين الجالبين للنكسات، فتزداد الحياة سوءا، والأيام بؤسا، وتتحرك بعض العناصر الوطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فتفتح المعتقلات، وتفرد السجون ذراعيها وتقام المحاكمات الهزلية، وتفصل التهم تفصيلا، وتجهز تجهيز، وتعزف سنفونيات الإعلام على أوتار المؤامرات بالحين جنائزية كئيبة، وتظهر قلوب غلف ووجوه كوالح، وأقلام قذرة من ثنايا الوحل، وركام الخراب لتبرر وتحرض وتوقد وتشعل الحرائق هنا وهناك ويتسيب الأمان، وحارث الأمان، وتتناثر الجثث على قارعة الطريق، وتسمع الضرب في الممتلئ وترى السحل من السجان وتحس القهر في كل مكان، وتتبدل الأرض ويتغير الزمان ويختل الميزان الذي يسطو لدى الجوع على لقمته لص حقير، والذي يسطو على الحكم وبيت المال زعيم أو وزير، يأكل الشرطي والقاضي على مائدة اللص الكبير، فبماذا تستجير؟ ولمن تشكو؟ القانون؟ والقانون معدوم الضمير!
وأخيرا أقول للمرتزق الذي قفز على الحكم في جزر القمر، وفي بلاد الواق الواق أو غيره من البلدان الطريق ليس من هنا إنما الطريق من هناك من عند الشعوب طريق الحق والحرية، والإصلاح، والكرامة والعدالة، ولن تستمر هذه النوازل كثيرا في العالم الثالث، وستنفرج الهموم يوما:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).