; كذلك يضرب الله الحق والباطل | مجلة المجتمع

العنوان كذلك يضرب الله الحق والباطل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2012

مشاهدات 53

نشر في العدد 2021

نشر في الصفحة 35

السبت 29-سبتمبر-2012

أفزع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهبوا غاضبين من تلك الأحقاد والتفاهات التي صاحبت تلك الإساءة، وهذا حقهم في مقابلة باطل الآخرين ووقاحتهم، ولكن ذلك كان شيئًا معروفًا عندما يقابل الحق الباطل، وذلك أمر نبهنا إليه القرآن الكريم وأخبرنا أن الإساءة إلى المرسلين سنة من سنن الله تعالى: ﴿ وكذلكَ جَعَلْنَا لَكُلِّ نَبِي عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض زُخْرُفَ القَوْل غَرُورًا ﴾ ( الأنعام: ۱۱۲ )، وأن سنن الله لا تبديل ولا تحويل فيها، وأن الغرب البيزنطي والروماني والإغريقي احتل الشرق، وجاء الإسلام ليخلص المشرق من العذاب، فنتج العداء الغربي للشرق الإسلامي منذ القرن السابع الميلادي.

 كما أشار د. محمد عمارة في كلمته بمؤتمر «معًا لنصرة الرسول» - الذي أقامه اتحاد المهن الطبية، بالتعاون مع لجنة الحريات بنقابة الصحفيين - أن الإساءة للرسل وللإسلام قديمة وستستمر، مؤكدًا أن الإسلام في امتداد حتى في عقر دار المسيئين في أوروبا والغرب بأكمله.

 وأوضح أن الغرب يصفون الإسلام بالفاشية؛ لأن ۱۰ ٪ من كنائس أوروبا تغلق بسبب تحويلها للإسلام، وأن اسم «محمد» يتقدم بالنسبة للمواليد الأوروبيين، وأن هناك فتوحات للإسلام يوميًا.

 وأشار إلى أن الرئيس الفرنسي أعطى جائزة كبرى للمسيئين للرسول ﷺ، وكرمت أوروبا بحضور المستشارة الألمانية ناشري الرسوم المسيئة، وهذا يعد عدوانًا كبيرًا من الغرب للإسلام، وشدد على أن الغضب لله تعالى وللرسول وللمقدسات - سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية - واجب إسلامي، والرسول ﷺ حرم قتل النفس حتى ولو كانت غير مسلمة.

 وأوضح أن رسالة المحبة بين المسلمين والأقباط في مصر موجودة وستدوم، مؤكدًا أن الأقباط المصريين لا فرق بينهم وبين إخوانهم المسلمين في مصر، وطالب الكنيسة المصرية باتخاذ إجراءات رادعة ضد العابثين بأمن مصر وسلامته من أقباط المهجر، أو كل من يريد التفرقة بين أبناء الأمة، مختتمًا كلمته بقوله:«توقعوا ضربات جديدة، ولكن علينا أن نرتب بيتنا ليظهر الإسلام بمؤسساته بموقف مشرف، وليتحرر الإعلام المصري من الهيمنة الغربية»

 كم تمنوا أن يكون رد الفعل على الإساءة للرسول حضاريًا لا يحرق ولا يدمر ولا يقتحم ولا يقتل، بل مسيرات مليونية منظمة وحضارية ترفع شعارات صحيحة تدعو إلى فهم الإسلام الصحيح، وفهم رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن لا الإسلام ولا رسوله سيتأثران بمثل هذه الخزعبلات التي كالزبد تذهب جفاء ولا تترك أثرًا. 

كم نتمنى أن يكون الرد على الإساءة بالتعاقد مثلًا مع كبار المنتجين السينمائيين لإنتاج أفلام عن رجالات الإسلام والعروبة العظام ورجال الفكر والعلم والزهد والتصوف والموسيقى.. وما أكثرهم، لقد تركت أفلام مصطفى العقاد، مثل فيلم «الرسالة»، و «أسد الصحراء» الذي يروي قصة الزعيم عمر المختار أبلغ الأثر في الجمهور الغربي، لماذا لا يحاول العرب مع شركاء غربيين إنتاج أفلام بنفس المستوى عن الأمير عبد القادر الجزائري، وسعد زغلول، وعبد المنعم رياض، وعبد القادر الحسيني وعزالدين القسام وأحمد ياسين، ويوسف العظمة، وجول جمال وجبران خليل جبران، ومي زيادة، وإدوارد سعيد، ومحمود درويش، ونزار قباني، ونجيب محفوظ، ومحمد شكري، وبدر شاكر السياب.. ومئات غيرهم.

 كما نتمنى أن يكون الرد بتخصيص بعثات للأجانب للدراسات الإسلامية في الجامعات العربية ولأبناء العروبة في الجامعات الأمريكية والأوروبية، وبدعم دور البحث المتزنة، وبإنشاء دور بحث أكاديمية تظهر الجوانب المشرقة من الإسلام وتاريخه ورجاله وإنجازاته ورسالته، وإطلاق محطات فضائية بكل اللغات للتعريف بالإسلام والمسلمين وقضاياهم وهمومهم وآمالهم وآلامهم.

 كما نتمنى أن يكون الرد على الإساءات بتكليف كتّاب مشهورين بنشر مقالات ورسائل وكتب حول الإسلام والمسلمين، وإصدار دوريات ويوميات وفصليات باللغات جميعها؛ تعنى بالثقافة العربية الإسلامية، وتعرف الدنيا بحقيقة الإسلام دون تزوير أو تشدد أو تطرف أو جمود أو تخلف أو تركيز على سفاسف الأمور.

 نتمنى أن يكون الرد على الإساءة كما أمرنا القرآن الكريم ليس بارتكاب إساءات مثلها أو مضاعفة، بل بالانصياع للأمر الإلهي: ﴿ادْفَعْ بالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ ( فصلت:34)، ﴿وإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ ( الفرقان:63)، ﴿وَلا تَجادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾  (العنكبوت: ٤٦).

 نتمنى أن يكون الرد على الإساءة بإظهار الجرائم الحقيقية التي ارتكبها من شردوا الشعوب العربية، واحتلوا أرضهم، وساموهم كل أنواع العذاب والقهر والظلم والتشريد والموت.. أليست هذه الجرائم أكبر من أن تقارن مع فيلم تافه لم يعره أحد أي انتباه إلا بعد المظاهرات التي اقتحمت ودمرت وقتلت ليبيين وأمريكيين وسودانيين ويمنيين وأفغانًا والحبل على الجرار؟

 نتمنى أخيرًا أن ينتصر العرب والمسلمون للقضايا التي جار علينا الغرب كثيرًا فيها، واستخف بقوتنا وبوحدتنا، واعتمد على فرقتنا وضعفنا وعمالة بعضنا، وتآمر بعضنا على بعض، بدل أن يبدي استعداده لحرق الدنيا كلها لإساءة لا تضير الرسول ﷺ الذي صبر على الأذى والضيم والعذاب والتهديد، وأكد لابنته فاطمة عندما ألقى عليه أحد المشركين أوساخًا: «صبرًا يا ابنتي، فإن الله سينصر أباك».

 لا تخافوا على الدين الحنيف ولا على رسوله الكريم، بل خافوا على الأرض والشعوب والأوطان، تذكروا أن الله نزل الذكر وهو حافظ له، وتذكروا أن من يسيء للرسول لن يضيره ذلك في شيء كما قال الأعشى:

 كناطح صخرة يومًا ليوهنها       فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

 والله نسأل أن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون.. أمين.

الرابط المختصر :