; معالم على الطريق.. هل ما زالت لشجاعة الدعاة بقية؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. هل ما زالت لشجاعة الدعاة بقية؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-يوليو-2010

مشاهدات 64

نشر في العدد 1909

نشر في الصفحة 37

السبت 03-يوليو-2010

يعلم الداعية المسلم أن دعوة الإسلام لابد وأن تنتصر، ولذلك فإن من الواجب على الداعية أن يفوق تحمسه للحق ودعوة الآخرين تحمس أهل الباطل لباطلهم والتفافهم حول رايته. 

ولا يتأتى هذا الأمر للدعاة ما لم يكونوا موصوفين بالشجاعة والجرأة في مواجهة الصعاب - التي ولابد ستعترضهم - وألا تأخذهم في الله لومة لائم حتى تجد كلمة الحق طريقها إلى الجميع. 

والشجاعة في الحق وفي ميادين القتال بالنسبة للمسلم تدل على قوة عقيدته وسلامتها من غبش التصور وانحراف المنهج، ومن المعلوم أن صفاء العقيدة يرفع الهمة ويُنمي الشجاعة، ويُلهب المشاعر، ويُذكي الروح، ويربط الفؤاد، ويُنور العقل، ويُوسع المدارك، والعاملون في الدعوة إلى الله ينبغي عليهم أن يكونوا شجعانا، فحامل الدين ينبغي ألا يستكين ولا يجبن ولا يخور عزمه؛ لأنه صاحب رسالة مقدّسة من عند الله العليم الحكيم، سار على نهجها رسل الله من قبل فنصرهم الله وانتقم من عدوهم.

قال الشاعر: 

إن نفسا ترتضي الإسلام دينا 

ثم ترضى بعده أن تستكينا 

أو ترى الإسلام في أرض مهينا 

ثم تهوى العيش نفس لو تكونا 

في عداد المسلمين العظماء 

فكم تحتاج الأمة إلى شجاعة الدعاة إلى الله ؛ لندك بها الباطل، وننصر بها الحق، ونزيل بها المنكرات الظاهرة، وندمغ الشبهات الخادعة بالنورين كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. 

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" (رواه البخاري)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فكان فيما قال: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه» (أخرجه ابن ماجه والترمذي ضمن حديث طويل، وقال: حديث حسن صحيح) وفي رواية أخرى عن أبي سعيد أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقر أحدكم نفسه». قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: «يرى أمراً لله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى». ولعل ما يدفع الداعية إلى التحلي بصفة الشجاعة أمران عظيمان: 

1- إيثار ما عند الله تعالى، والعمل على تحقيق رضاه، والدعوة إلى دينه، وتفضيل ذلك كله على عطاءات المخلوقين وهباتهم، باعتبار أن النافع الضار والمعز المذل هو الله تبارك وتعالى. 

۲- الرضا بما قسم الله من الرزق - قليلاً أو كثيرا - دون تطلع إلى شهوات التنعم أو طمع في الارتقاء ولو على حساب الحق. 

يقول فضيلة الشيخ محمد الغزالي: كم من داع يبصر الحق ويقدر على التذكير به، ولكنه يحتبس في حلقه فلا يسمع به أحد ؛ لماذا ؟ لأنه لو نطق الحرم من هذا النفع أو لغضب عليه هذا الرئيس أو لفاته هذا الحظ.. فهو - إيثاراً لمتاع الدنيا - يلزم الصمت ويظلم اليقين، ولو كان عفيف النفس، راضيا بما تيسر من عيش مكتفيا بالقليل مع أداء الواجب عن الكثير مع تضييعه لكان له موقف آخر، وهناك مثال معروف على شجاعة الدعاة إلى الحق: 

"الإمام أحمد بن حنبل والفتنة التي لقيها"؛ يقول بشر بن الحارث وقد سئل عن الإمام أحمد بن حنبل فقال: أنا أسأل عن الإمام أحمد ؟! إن أحمد بن حنبل أدخل في الكير فخرج ذهبا أحمر، أدخل في المحنة أحرق بالنار فصبر وصابر حتى خرج ذهبا خالصا نقيا، وزال منه كل غش فيه لعشرين سنة. وقال عبد الوهاب الوراق: عشرون سنة والإمام أحمد يتقلب في نيران المحنة حتى خرج منها كما خرج إبراهيم من نار النمرود ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. فقد ضرب الإمام أحمد وحبس في عهد المأمون، وسجنه في آخر أيامه، ولكن مات المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد وكان قد أشخص إليه. وقيل: إن موته بدعوة من الإمام أحمد، فإن بعض حاشيــة المـأمـون خــاف علي الإمام أحمد، وحملته الغيرة فجاء متسللا إلى الإمام أحمد وهو يمسح دمعه بطرف ردائه وقال له: يا إمام، إن المأمون قد سَل سيفاً ما سله قط، وإنه يحلف بالله تعالى: إن لم تجبه لما أراد من القول بخلق القرآن ليقطعنك إربا إرباً فرفع الإمام أحمد يديه إلى الله تعالى ودعا على المأمون فمات من ليلته، فما جاء السحر إلا وقد ارتفعت الأصوات وأوقدت النيران ونعي المأمون إلى الناس. 

مات المأمون وجاء المعتصم، وكان جاهلاً لا يعرف شيئا، ولكنه مشى على سنن من كان قبله، ووجد الإمام أحمد محبوسا فزاد في حبسه وقيده وضَرَبَه ،وأهانه، وكان يقف عليهم بنفسه ويأمرهم بضربه حتى تتقطع أيدي الجلاد من شدة الضرب حتى قال أحدهم: والله لقد ضربت أحمد مائة سوط لو كانت على فيل لنهد. وكانوا يتعاقبون عليه والإمام أحمد رجل قد بلغ من السن ما بلغ وهو ضعيف الجسم كثير الصيام، يسرد الصوم بل ربما واصل أياماً، ومع ذلك ربما ظل صابراً وهو يُضرب ويتقلب تحت السياط ويتلوى، ويعرضون عليه الفطر فلا يفطر ويقول: إني أقوى. يأتيه الخليفة فيقول له: يا أحمد، والله لولا أني وجدت من قبلي قد حبسك ما صنعت بك شيئا، ثم يقول: والله يا أحمد، لئن أجبتني إلى ما أريد أن تقول بأن القرآن مخلوق لأطلقن عنك القيود بيدي ولأركبن إليك بجندي ولأطأن عقبك، يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لك محب، والله إنك عندي مثل ولدي هارون فأجبني إلى ما أريد حتى أطلق عنك وأكرمك... إلى غير ذلك. فاستخدموا معه أسلوب القوة والقسوة والضرب، ثم أسلوب الترغيب والإشفاق والتعبير عن المشاعر، فكان الإمام أحمد لا يزيد في هذا ولا في ذاك على كلمة واحدة: "هاتوا لي دليلا من كتاب الله تعالى أو سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما تذهبون إليه وتقولون".

وهكذا هزمت الشجاعة السلاطين وحفظت الدين، وردت كيد الكائدين، وباطل المبطلين، فلا نامت أعين الجبناء. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل