; هل نختار الحرية البيضاء أم الحمراء؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل نختار الحرية البيضاء أم الحمراء؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 20-أكتوبر-2001

مشاهدات 58

نشر في العدد 1473

نشر في الصفحة 45

السبت 20-أكتوبر-2001

حرية الإسلام هي الحرية الحقيقية التي تتعالى فلا يستطيع الوصول إليها مبدأ أو ملة أو ديانة مهما كان نوعها أو مصدرها، الحرية في الإسلام هي الشيء الأساسي الذي يكون قرين الإنسانية، حيث يترتب عليها مناط الابتلاء والامتحان للإنسان في الحياة وبدونها يسقط عن الإنسان التكليف وتأخذ الحريات في الإسلام أبعادًا كبيرة وكثيرة: أولها وأخطرها: حرية العقيدة، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾  (البقرة:٢٥٦).

وثانيًا: حرية العبادة على وفق الاعتقاد، حيث يعبد كل إنسان ما يشاء حسب اعتقاده وينبغي ألا يتعرض له أحد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ﴾ (الزمر: 13-15)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت:40). 

وثالثًا: حق مطالبته بحقوقه المشروعة، وحق الاعتراض على الظلم الذي لحق به وحق الشكوى ضد ظالمه ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء:١٤٨) وللإنسان حق العمل وحق المساواة وحق الكرامة وحق مساعدة غيره له على ذلك وعلى رفع الظلم عنه وقول الحق في ذلك، قال أبو ذر رضي الله عنه: «أوصاني خليلي أن أقول الحق وإن كان مرًا»، الحق في نصرة مظلوم، في ردع ظالم غير هياب ولا وجل أو متباطئ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودّع منها». ولا شك أن قول الحق شديد على النفوس بالغ التكاليف، لا يستطيع فرد وحده أن يغيره خصوصًا في مقابل السلطات، ولهذا كلف الداعون أن يجتمعوا على الحق أمة حتى يكون للحق وزن فإذا لم تجتمع عليه أمة فقد تودّع منها، وصارت لا وزن لها ولا كرامة أو هوية. وصارت أمة حقيرة كما عبر عن ذلك الحديث الشريف، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أن لله عليه مقالًا، ثم لا يقول فيه. فيقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة، ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ يقول خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى»، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء:١٣٥). 

رابعًا: حق الاعتراض على الفساد في الأفراد وفي الأمة، بل وجوب الاعتراض عليه ومنازلته وليس لأحد أيًا كان أن يمنعه من ذلك أو يكمم له فمًا، أو يغل له يدًا، أو يقصف له قلمًا، لأنه مسؤول مسؤولية مباشرة عن ذلك أمام الله وأمام الناس قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (التوبة:71) وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». 

وهذه الحريات وإن سمح بها الإسلام لكنه قيدها في الضرر بالأفراد والأمم بما جاء في الأصول التي قررها الشرع:

  1. فلا حرية في ظلم أو عدوان أو هضم لحقوق الآخرين. 

  2. ولا حرية في مخالفة الحق والعدل والخير في كل سلوك عملي ذي أثر مادي يضر المجتمع أو يؤذيه أو يفسد نظامه. 

  3. ولا حرية لمن آمن برسالة الإسلام وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه في أن يخالف أحكامه ويرتكب محرماته، وإلا كان عرضة للقانون العادل. 

  4.  ولا حرية في إجبار أحد على اعتناق دين أو الطعن في عقائد الإسلام والتشكيك فيه... إلخ.

إذن فالحرية - كل الحرية - للإصلاح ومحاربة الفساد ومحاربة الظلم والظالمين والدعوة إلى الخير والحق والدين أما إذا كبتت هذه الحريات وسمج للبغي والباغين، والظلم والظالمين بقتل حريات الناس والتحكم في رقابهم فقل على الدنيا العفاء، حيث تنطلق الذئاب وتسرح الوحوش هنا وهناك تحرق وتدمر وتقتل وتشرد وتقلب المعايير ويصير المنكر معروفًا والمعروف منكرًا، ويُحجر على الخير ويباد، ويطلق الشر ويزداد حينئذ ينادي الحق حي على الفلاح لتقوم السواعد برفع رايات الحرية الحمراء المعطرة بدماء الشهداء الأبرار الذين يؤثرون عيش الإيمان في الدنيا وثواب الله في الآخرة ولقد رأيت مسيرة البعض من هؤلاء الأبطال الرموز الذين زرعوا طريق الإسلام بالدرر واليواقيت ليعيش ركب الخير والحرية على ذكراهم مواصلين للدرب حادين للركب العظيم، من هؤلاء المجاهد الشهيد كمال السنانيري، الذي حكم عليه بالسجن المؤيد لأنه أبى الخضوع للظلم، وعجزت أنظمة القمع عن إخضاعه لدين الظالمين ثم أراد أن يبرهن لهم على قوة إيمانه وعظيم أمله في الله فخطب وهو في السجن أخت الشهيد سيد قطب ليقول إن الظلم وإن طال مداه فهو إلى زوال وما إن خرج من السجن حتى تزوج من خطبها في سجنه وعاش معها أيامًا عددًا، ثم ووري السجن مرة أخرى، ولاقى من العذاب ما لا تقدر عليه الشم الرواسي، حتى وقع شهيدًا ينعاه الإسلام وترثيه الحرية الحمراء، وتقف الزوج الصابرة التي انتظرته السنين الطوال حتى خرج من سجنه ثم لم تلبث إلا يسيرًا حتى فقدت البار التقي النقي المجاهد فيا لها من لوعة ويا لها من فجيعة أنطقت لسانها بأبيات تحفر في الأكباد ذكرى ضحايا الحريات الملطخة بالدماء فتقول: 

ما عدت أنتظر الرجوع ولا مواعيد المساء 

                                               ما عدت أنتظر المجيء ولا الحديث أو اللقاء

 ما عدت أرقب وقع خطوك مقبلًا بعد انتهاء 

                                             ما عدت أهرع حين تقبل باسمًا رغم العناء

 ويضيء بيتي بالتحيات المشعة كالرجاء

                                                    ونعيد تعداد الدقائق كيف وافانا المساء 

ما عاد يطرق مسمعي في الصبح صوتك في دعاء 

                                               وإذا بفجري في غيابك يستحيل إلى بكاء 

ثم تسأله عن سبب رحيله سريعًا، أهو شوقه إلى الجنة أم إلى لقاء الأحباب، ثم تتمنى اللقاء به عند ربه في الجنة. 

أتراه ذاك الشوق للجنات أو حب السماء 

                                               فمضيت كالمشتاق كالولهان حبًا للنداء 

وهل التقيت هناك بالأحباب ما لون اللقاء 

                                               فلسوف ألقاكم هناك وتختفي دار الشقاء

 ونثاب أيامًا قضيناها عناء وابتلاء 

                                               وسنحتمي بالخلد لا نخشى فراقًا أو فناء 

وبعد فهل يا ترى ستأتي أيام يختفي فيها القهر ويزول الشقاء وتسعد الحرية البيضاء بالسلام والإخاء ويخافنا الأعداء، ويأمننا الأصدقاء وتودعنا الحريات الملطخة بالأوحال وأنهار الدماء.. نسأل الله ذلك. آمين آمين.

الرابط المختصر :