; معالم على الطريق 1195 | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق 1195

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 87

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 09-أبريل-1996

الأزمة والمأزق.. فهل على خروج من سبيل؟

ما أظن أن الفطرة الطيبة الندية فارقت شعبنا الطيب، وما أحسب أن القلوب الحانية العظيمة ودعت أمتنا الحبيبة، ولا أتصور أن النفوس العفيفة الطاهرة قد تلوثت في جمهورنا الطاهر، ولا أتخيل أن الضمير الحي النابض قد مات في أرضنا المعطاءة، فمازالت قاعدتنا الشعبية العريضة تتواسى في الضراء، وتتراحم في البأساء، ويشعر بعضها بشعور البعض الآخر في السراء، ومازال الفرد في أمتنا يحس بآلام أخيه، ويخفق قلبه لسروره على مستوى الأشخاص والأسر، وعلى صعيد القرية والجماعة والأمة، وما برحت الأجساد المؤمنة كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، والأرض الطيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إذن فمن الذي يريد أن يبدل الحال ويأخذ الأمة بعيدًا عن طبيعتها، ويفعل بها فعل الأبالسة، فيقطع أوصالها الطيبة، ويلوث نفوسها الطاهرة، ويتلف قلبها النابض، ويهتك ضميرها الحي، ويفضح عرضها الإيماني، لابد وأن يكون هذا نبتة شيطانية، أو لعنة ربانية، أو دسيسة صهيونية، سلطت على الأمة لإهلاكها أو بيعها لأعدائها بأثمان معروفة.

يا خاسرًا هانت عليه نفسه                     إذ باعها بالغبن من أعدائه

لو كنت تعلم قدر ما قد بعته               لفسخت هذا البيع قبل وفائه

أو كنت كفؤًا للرشاد وللهدى               أبصرت لكن لست من أكفائه

وإنني لأعترف أن هذه الشعوب الطيبة الطاهرة لم تجد من يأخذ بيدها، أو يؤسس على قواعدها العظيمة صروح الحضارة والتقدم والمجد، وإنما وجدت ذئابًا ساقتها إلى الجزارين والنخاسين وتجار الرذيلة، واستغلت طهرها لتمكر بها، وعفتها لتذبح كرامتها، وقلبها الحاني لتدجن عزيمتها وتمحق قوتها، وملك المشعوذون زمام السفينة، وأمسك المهرجون بدفتها، وأقيمت مسارح الدجل هنا وهناك، وخدعت الأمة بسحرة من بنيها، وخيل إليها من سحرهم أنها تسعى، وألقت الأمة زمامها، وسالمت الأفاعي والحيات والعقارب وغرتها الأماني، ونسيت صروف الدهر. 

من استشار صروف الدهر قام له           على حقيقة طبع الدهر برهان 

من استكان إلى الأشرار نام وفي             قميصه منهم صلّ وثعبان

والحقيقة التي يجب أن يعترف بها أن الحكومات الاستعمارية أصحاب المصالح كانت سببًا قويًا لكثير من الخطوات المشؤومة التي تخطوها السلطات هنا وهناك نحو السراب السياسي، ونحو تهميش الأمة وعدم إعطاء صلاحيات للشعوب أو المؤسسات السياسية أو السماح للقانون بالظهور أو التحاكم إليه إن كان هناك من قانون، ومن هنا فقد كرست مخططات الاستعمار الحديث على القائد الذي لا يتقيد بأية قواعد أو ضوابط قانونية حديثة أو عرفية متوارثة، والذي يعتمد على التأثير العاطفي في الجماهير، ويتصرف كأنه الوحيد القادر على تقرير مصير المجتمع وتجسيد أهدافه؛ لأن هذا القائد غالبًا ما يمكن التأثير عليه وتوجيهه إلى ما يراد منه، بدون الرجوع إلى الأمة، وبدون مشورة الخبراء الذين يكونون بالطبع عقبة في سبيل تمرير المشروعات المشبوهة؛ ولهذا فإن ما كسبه الاستعمار وخسرته الأمة في ظل العسكر أو الحكم الفردي أضعاف أضعاف ما أخذه في ظل حكومات ذات كيان شوريّ حقيقي، ومن غريب أنه رغم كل ذلك، ورغم كل البحوث والدراسات التي ظهرت عن السلطات في الشرق الأوسط وعن الحكام في العالم الثالث، تظل هناك قتامات على بعض النفوس ومساحات عريضة في أقفية بعض الحمقى تمنعهم من فهم الحقائق، ويحسن بنا أن نشير إلى الدراسات التحليلية الأخيرة للسياسات في الشرق والعالم الثالث «لجيمس بيل»، و «كارل ليدن»، لخصائص العملية السياسية والنظم والقيادات في الشرق الأوسط والعالم الثالث: حيث أكد «بيل، وليدن أن القيادات في الشرق والعالم الثالث تعبر عن نمط الحكم الأبوي – الرعوي - وتتسم بست خصائص مؤثرة بشدة على النظم السياسية:

  1. ممارسة السلطة من منطلق شخصي أو ما يسمى بتشخيص السلطة، بمعنى تمتع القائد بسلطة شخصية مطلقة في صنع القرارات برغم الوجود الشكلي للمؤسسات السياسية، ولا تختلف هذه السلطة كثيرًا عن سلطة الأب في نطاق الأسرة. 
  2. الاقتراب من القائد كمحدد للتأثير السياسي، ففي ظل هيمنة دور القائد في العملية السياسية يصير السبيل الوحيد والفعال للتأثير السياسي هو الاقتراب من القائد وملازمته بصفة دائمة، مما يفسر لنا تزايد التأثير السياسي لأعضاء أسرة أو قبيلة أو بلديات القائد، والأسر والقبائل والعائلات التي ترتبط بالقائد بروابط المصاهرة، وتزايد التأثير السياسي للخدم والسكرتاريين والأطباء الخصوصيين، وكذلك شدة التنافس بين الوزراء والمستشارين وغيرهم من أجل التواجد بجوار القائد في أية مناسبة ولأطول فترة ممكنة.
  3. عدم الرسمية، بمعنى أن عملية صنع القرارات لا تتم في إطار تنظيمات ومؤسسات رسمية، وقواعد وضوابط رسمية محددة، ولكنها تتم في إطار العلاقات الشخصية وعلاقة القائد بالأتباع، وتتخللها المناورات السياسية والدسائس التي تحاك في الخفاء خلف الكواليس، ولا يكاد يصل إلى القائد إلا ما يحب أو ما يريده المحيطون به، ولا يهتم القائد بتطوير مؤسسات سياسية ذات فاعلية حقيقية؛ سواء في صنع القرارات أو في ممارسة الضبط الرقابي للسياسات، وعادة ما يستتر هذا الهيكل الشخصي غير الرسمي لصنع القرارات خلف الهيكل الرسمي الشكلي مع وجود عناصر معينة تابعة وموالية للقائد تحتل أماكن عليا داخل الهيكل الرسمي؛ كي تخلق قنوات اتصال بين هذين الهيكلين، الأمر الذي يدعم من هيمنة القائد.
  4. الصراع المتوازن بمعنى لجوء القائد إلى إثارة الصراعات والانقسامات بين أعضاء النخبة السياسية لمنع ظهور بؤر ومراكز للقوة والتأثير مستقلة عن شخص القائد، مع اتباع نفس الأسلوب «فرق تسد»؛ سواء في التعامل مع القوى والجماعات المعارضة لمنعها من التكتل في جبهة قوية معارضة أو في التعامل مع الجيش، خاصة عن طريق إقامة تنظيمات شبه عسكرية لموازنة وضبط قوة الجيش.
  5. القوة العسكرية، بمعنى اعتماد القيادات على الجيوش والتنظيمات شبه العسكرية لحماية وتأمين استمرارها في الحكم، وقمع الاضطرابات التي قد تنشأ من عدم رضاء الشعوب واختلاق مناسبات معينة لشغل الأمة عن أهدافها العليا، واستمالة عطفها، كخلق قضايا وهمية، واختراع بطولات كاذبة، وهالات للقيادة، وغالبًا ما يستعين القائد بقوى أجنبية على حفظ مركزه بدلًا من شعبه.
  6. محاولة خلق سلطة دينية شرعية لمساندة الحكم، وإظهار الولاء للشعائر الفارغة للتأثير على العامة، مع ضرب العناصر الفاعلة في الملة واتهامها بالخروج عن الشرعيات المدجنة.

هذه الدراسة - يا أخي - تكشف بعلم كثيرًا من الممارسات في العالم الثالث في الشرق، فهل ترانا سرنا في هذا الفلك المهلك، وخضعنا لتلك النظريات اللعينة، وانجررنا إلى العالم الثالث؛ بل إلى قاعه بعد أن كنا أوائل العالم الأول آلاف السنين، فهل إلى خروج من سبيل؟ وهل إلى قومة وإفاقة ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة؟ وهل من هداية تنير الطريق في هذا الظلام الحالك؟ نعم.. ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: 54)، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأنعام: 71).

الرابط المختصر :