العنوان «المجتمع» ترصد أحوالهم المعيشية الصعبة.. وأوضاعهم الاجتماعية السيئة - معاناة مسلمي زنجبار في مخيمات مقديشو
الكاتب شافعي محمد
تاريخ النشر السبت 25-يوليو-2009
مشاهدات 73
نشر في العدد 1862
نشر في الصفحة 32
السبت 25-يوليو-2009
نازحون
هربنا من القوات التنزانية التي تقوم بعمليات دهم وتفتيش لمنازلنا.. تعتدي علينا
بشكل بشع وتغتصب بناتنا!
شكوى
من نقص المعونات الغذائية وتجاهل الهيئات الإنسانية الدولية والعربية
المستعمر
الإنجليزي اتبع منهجية مرسومة لتحجيم انتشار الإسلام بالاعتداء على الخلوات
القرآنية والمدارس الدينية وزرع القيم الفاسدة في أوساط المجتمع الزنجباري
تتكون زنجبار من
عدد من الجزر التي تقع في المحيط الهندي على بعد عشرين ميلا من الساحل الأفريقي
الشرقي وأكبر هذه الجزر جزيرتان إحداهما جزيرة أنفونا، وتبلغ مساحتها نحو ٦٤٠
ميلًا مربعًا وثانيتهما جزيرة بمبا، وتبلغ مساحتها ۳۸۰ ميلًا مربعًا.
وقد خضعت زنجبار
الحكومات مختلفة من أصول عربية وأخرى غربية، وقسمت الممالك التي مرت بهذه الجزر
إلى ممالك شتى خضعت للاستعمار البرتغالي وسلاطين عمانيين بمشاركة مع المستعمر
الإنجليزي.
وبعد الثورة
الانقلابية التي شهدتها زنجبار عام ١٩٦٤م بدأ الحكم الشعبي يقود زمام الأمور تحت
جمهورية «تنزانيا» التي ظلت تشرف على ذلك القطر الإسلامي حتى الآن.
وانتشر الإسلام
في هذه الجزر في القرن السابع الميلادي بفضل أبناء «عباد بن الجلندي» الذين هاجروا
إلى شرق أفريقيا.
ثم وصلوا إلى
هذه الجزر لينشروا الإسلام وحازوا قصب السبق بنشر الإسلام في هذه المنطقة.
بعد أن انتشرت
الثقافة الإسلامية في ربوع المنطقة عقيدة وعبادة ومعاملة وخلقًا ولغة، دخل سكان
الجزر في الإسلام أفواجًا وبنوا المساجد وخلاوي القرآن الكريم كمراكز يعتمد عليها
وموضع ثقافة للإسلام فبدأ البرتغاليون والإنجليز الذين كان لهم نفود واسع آنذاك في
القارة الوقوف أمام الإسلام واستخدموا كل الوسائل المتاحة لهم من قتل جماعي وهدم
عدد كبير من المنازل ومصادرة الممتلكات ونهب ثروات المنطقة.
وأجبرت هذه
الأعمال العدائية من قبل الاحتلال أعدادًا كبيرة من المسلمين للهجرة ووقف عجلة
الدعوة الإسلامية التي كانت سائدة في المنطقة.
ولم تكن هذه
الأعمال والخطط التي شنها المستعمر الإنجليزي ضد الثقافة الإسلامية التي رسخت في
قلوب الزنجباريين عشوائية، وإنما اتبعت منهجية مرسومة حيث بدؤوا الهجوم على
الخلوات القرآنية والمدارس الدينية، وزرعوا القيم الفاسدة في أوساط المجتمع
الزنجباري ليترك منهجية العقيدة الإسلامية، ولم تكن الحكومات السائدة في المنطقة
والمؤسسات الوطنية قادرة على إنشاء مدارس خاصة التعليم اللغة العربية والدين على
المستوى المطلوب، وفشلت كل الجهود الرامية بسبب العوامل المخططة لمنع انتشار
الثقافة الإسلامية في زنجبار.
وبفعل العمليات
العسكرية التي بدأتها القوات التنزانية ضد مسلمي زنجبار في نهاية القرن العشرين
أجبرت مئات من الزنجباريين على الفرار من المنطقة ليواجهوا مستقبلًا مجهولًا،
فساروا على الأقدام حتى وصلوا إلى المخيمات الكينية الواقعة قرب الحدود الصومالية،
وخاصة مخيم «ططابو» أحد أكبر تجمع للنازحين الصوماليين الذين هجروا من البلاد بعد
سقوط النظام المركزي في بداية عام ١٩٩١م.
الهجرة
إلى الصومال
«المجتمع» زارت
مخيم «الزنجباري» الذي يقع قرب مستشفى «بنادر» في مقديشو لرصد الأوضاع المعيشية
والحياتية، حيث كان العوز والفقر هما العنوانان السائدان في المخيم، وترى عيونهم
تتجه إليك بالمسألة وطلب المساعدة.
التقينا عددًا
من المقيمين داخل المخيم فكان بؤس العيش باديًا على وجوههم، وظل معظمهم يفترشون
الأرض ويتفيؤون ظلال الأشجار.
يقول عبد الله
علي سالم (٣٥) عامًا وهو يشرح أسباب الهجرة إلى الصومال: «بدأت رحلتنا في صيف عام
۲۰۰۰م، وكان من أهم الأسباب لرحلتنا التي استغرقت عدة شهور أن القوات التنزانية
كانت تلاحقنا بين عشية وضحاها، وتقوم بعمليات دهم وتفتيش ويقتحمون المنازل
ويضربوننا بشكل بشع ويستخدمون الهراوات والعصي الغليظة التي تؤدي لحالات من
الإغماء لمدة ساعات.
ويضيف: يغتصبون
بناتنا ونحن نتفرج لا نستطيع فعل شيء سوى الصراخ والبكاء والندم حيث لا ينفع
الندم، ويتابع وهو يتنفس غيظًا بعد أن تصاعدت هذه الأعمال الوحشية التنزانية ضدنا
بدأنا الرحلة آنذاك واتجهنا إلى البلدان القريبة من المنطقة هربًا من هذه الأعمال
العدوانية التي لا مثيل لها والتي راح ضحيتها عدد من أبناء جلدتنا وخيرة علمائنا.
ويتابع – بعد أن
أخذ جرعات من الماء: في أواخر عام ۲۰۰۰م وصلنا إلى مخيمات اللاجئين بالقرب من
الحدود الكينية وتجمعنا في مخيم «ططابو» الذي يعيش فيه آلاف من الصوماليين الذي
لاذوا بالفرار من الصومال، وكان عددنا أكثر من ٢٠٢ لاجئ، وقد أكرمنا اللاجئون
الصوماليون في هذا المخيم وأحسنوا ضيافتنا وهو ما لم نجده في بلدنا: لأن القاسم
المشترك بيننا وبينهم هو الإسلام الذي يتصف بالرحمة وحسن الجوار وإكرام الضيف.
ويضيف سالم بعد أن مكتنا في المخيم عدة شهور واسترحنا من المعاناة التي لحقت بنا
خلال رحلتنا التي كانت محفوفة بالأخطار، بدأت القوات الكينية تطاردنا بشكل مماثل
كما كانت القوات التنزانية تفعل.
بعد أن زادت
معاناة الزنجباريين قرروا الرحيل من مخيم «ططابو» إلى داخل الصومال نفسها، بعد أن
استأجروا سيارة من نوع «إنتري بسعر رخيص ووصلوا في بداية عام ٢٠٠١م العاصمة
الصومالية مقديشو عشية انتخاب عبد القاسم صلاد رئيسا للبلد الذي أنهكته الحروب،
لعله يخرج من دوامة الأزمات الإنسانية التي تزداد يومًا بعد الآخر.
اعتداءات
مستمرة
ولم تكن الحال
في الصومال بأحسن من حالهم في بلادهم أو في مخيمات كينيا.
إذ يعيش
الزنجباريون حالة من الخوف وانعدام الأمن والاستقرار داخل المخيم الذي يسكنونه،
فهم يترقبون بين حين وآخر العصابات الصومالية التي تستهدفهم، والتي تريد مصادرة
ممتلكات هؤلاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة.
يقول عبده آدم
العصابات داهمت المخيم أكثر من مرة وحيث نشتبك معهم يفروا لأنهم مجرد لصوص غير
مرغوبين من المجتمع الصومالي الذي يساعدنا على طرد هؤلاء المجرمين.
ويقول عبد الله
علي: أقوم في بعض الليالي بحراسة المخيم من اللصوص والعصابات التي تداهم المخيم في
الساعات الأخيرة من الليل، وتدور المناوشات بيني وبينهم ثم يهربون من المخيم، لكن
إذا شعروا بأنه لا يوجد من يحرس بوابات المخيم يتسللون إلى داخل المخيم ثم يقومون
بأعمال سلب ونهب، ولا يحترموننا كلاجئين مسلمين هربوا من بلادهم ولجؤوا إليهم.
البطالة
والتشرد
لم يكن الشعب
الصومالي الوحيد الذي يعاني من شظف الحياة وويلات الحروب المستمرة قرابة عقدين من
الزمن، بل هناك أيضا مئات من الزنجباريين الذين لجؤوا إلى مقديشو ليجدوا الأمن
والاستقرار لكن الأوضاع المعيشية والاجتماعية لم تبشر لهم بخير بعد وصولهم إلى قلب
الصراع الصومالي في مقديشو» التي تشهد صراعًا ممتدًا منذ أكثر من ١٨ عامًا.
وقد دفعت هذه
الحال عشرات الزنجباريين للبقاء في المخيم، وزادت هذه التطورات الرهيبة معدلات
البطالة في أوساط النازحين المقيمين في مخيم «الزنجباري»، ولا تجد داخل المخيم سوى
عشرات من الزنجباريين الذين يجلسون فوق الأدراج أو يتسولون في الأسواق الصغيرة
التي أقيمت داخل المخيم.
ويصف الزنجباري
عبد الناصر مولى حالة إخوانه البائسة لـ المجتمع بأنها تسير من سيئ إلى أسوأ،
مضيفًا: إن البطالة وزعت بطاقاتها بدون ائتمان على صفوف اللاجئين.
أما عبد الرشيد
علي الذي بدت لفحات المعاناة على تقاطيع وجهه يائسا من الحصول على وظيفة يسد بها
رمق أطفاله الذين يعيشون وضعًا نفسيا صعبًا بعد أن تقطعت بهم الأسباب وسبل الحياة
الكريمة، فيقول: إن الحصول على عمل في هذه المدينة أمر ليس سهلا؛ لأن الوساطة
والمحسوبية انتشرت في أوساط المجتمع الصومالي نحن نسعى دائمًا إلى فرصة عمل نستفيد
منها، لكن نعود إلى المخيم ولم نحصل من وراء هذا البحث الطويل إلا التعب والإرهاق،
ونعود إلى المخيم بعد غروب الشمس بخفي «حنين». وعندما تتجول داخل المخيم ستجد أن
أكثر من ۹۰% من النازحين الزنجباريين يتسولون في الأسواق والشوارع الرئيسة بحثًا
عن فرصة عمل، وفي بعض الأحيان يقفون أمام المطاعم والمراكز الرئيسة للشركات
التجارية علهم يجدون هذا اليوم ما يذهبون به إلى بيوتهم ويوقدون النار لأطفالهم
الذين أصبحوا هياكل عظمية نتيجة للفقر المدقع الذي حل على المخيم خلال السنوات
الماضية.
وضع
تعليمي بائس
أما الوضع
التعليمي للزنجباريين فسيئ للغاية لأن معظم أطفالهم لا يجدون فرصة للتعليم في هذه
المدينة، أما شبابهم فيقضون جل وقتهم بحثًا عن قوت يومهم فلا يفكرون في التعليم
لأنهم يجابهون الجوع والمرض الذي هو أشد فتكًا بهم، فهمهم الوحيد العمل والخروج من
هذه الأوضاع السيئة التي أجبرت بعض الزنجباريين على الذهاب إلى السواحل الصومالية
من أجل الصيد بحثًا عن لقمة عيش.
وأدخلت المعارك
العنيفة بين الصوماليين في العامين الأخيرين الوضع التعليمي موجة من القلق
المتزايد يومًا بعد الآخر، مما أدى إلى إغلاق المدارس والمعاهد الدينية والجامعات.
يقول محمد عبد
الله: لا نجد من يوفر لنا فرصة التعليم؛ لأن كل المدارس الصومالية ليست مجانًا
وكلها تعد من القطاع الخاص ولا توجد هنا مدرسة حكومية في المخيم والخلوة القرآنية
التي كان يتعلم فيها الأطفال القرآن الكريم أغلقت تمامًا لأن غالبية الزنجباريين
يذهبون في الصباح الباكر بحثًا عن القوت اليومي.
نقص
في المعونات وأزمة غذائية
ووسط هذه
الأحوال الصعبة، يعيش الزنجباريون وضعًا معيشيًا غاية في الصعوبة، فلا يجدون أغذية
كافية ولا مستلزمات الحياة الأساسية فضلا عن الكماليات، ويضطر كثير منهم للذهاب
إلى الأسواق من أجل الصدقة والحصول على بعض النفقات من الهيئات الخيرية والبعض
الآخر منهم يركب الحافلات ليس من أجل التنقل من مكان إلى آخر، لكن من أجل سؤال
الناس طالبين منهم العون والمساعدة.
يقول علي حاج
(۲۹ عامًا): كنا في الماضي نجد المعونات الغدائية من الهيئات الإنسانية الدولية
التي تقدم لنا نوعًا من القمح والحنطة والزيت إضافة إلى البطانيات، أما اليوم فلا
نجد شيئًا منها، وتجاهلت الهيئات الإنسانية الدولية والعربية مأساتنا ومعاناتنا
التي تتفاقم يومًا بعد الآخر.
ويتابع – وهو
يشير إلى طفل أنهكه الجوع والمرض يبلغ من العمر 4 أعوام أطفالنا يحتاجون إلى بعض
الأغذية الكافية والمناسبة لهم، فقد فقدوا كل الأغذية المناسبة وتردت أوضاعهم
الصحية وأصيب معظمهم بمرض نقص فيتامين (أ) إلى جانب الأمراض المعدية التي تنتشر في
أوساط النازحين الزنجباريين خلال موسم الأمطار.
أما عبد الناصر
أبوكر فيقول: الوضع المعيشي الذي نعيشه آخذ في التدهور، وهو وضع مر جدًا ولا يمكن
وصفه بكلمات أو بأسطر، ويقول: إن الهيئات الدولية كانت تزور المخيم قبل عام ٢٠٠٦م،
وتشرف على أوضاعنا الإنسانية، وكانت توزع على عائلات المخيم البطاقات الغذائية
التي تسد حاجتنا الأساسية، لكننا اليوم لم نعد نحصل منهم سوى ۲۰ بطاقة، وعددنا
أكثر من ١٠٠ لاجئ مقيم في هذه المخيم.
ويتابع اللاجئ
الزنجباري العائلات لا تستطيع أن تحصل على وجبتين طيلة ٢٤ ساعة، فبعض الأوقات ننسى
الوجبات الأساسية ونترك البقية لأطفالنا باعتبارهم غير قادرين على تحمل الجوع.
ويقول لاجئ آخر
بصوت أضعفه الألم والحزن لا نجد من يعطينا معونات غذائية.. الهيئات الخيرية كلها
تجاهلتنا ولا نجد من ينظر لنا بعين الاعتبار... ندعو المسلمين أن يساعدونا ولو بشق
تمرة لتخفيف معاناتنا...
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل