العنوان معركة الفاو.. التفاصيل والدوافع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1986
مشاهدات 61
نشر في العدد 756
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 25-فبراير-1986
بعد مرور أسبوعين من بدء الهجوم الإيراني الجديد على جنوب العراق ومنطقة الفاو فإن المعارك لا تزال مستمرة، وسط تقارير غربية عن حشود إيرانية كبيرة إلى الشمال الشرقي من مدينة البصرة تنتظر دورها لمهاجمة الخطوط الدفاعية العراقية في منطقة «الحويزة». وأثناء ذلك بذلت بعض الأطراف ودول مجلس التعاون الخليجي بالذات جهودًا دبلوماسية مكثفة لتطويق التطور الخطير، ولجأ وزراء الخارجية الخليجيون إلى الاتصال بالأنظمة العربية الحليفة لإيران لإقناعها بالضغط على طهران لوقف التصعيد المتواصل ضد العراق. وقد علق أحد المراقبين على الجهود الدبلوماسية بأنها ذات أثر محدود جدًّا؛ لأن قناعات طهران تتشكل تبعًا لنتائج القتال في الجبهة وليس تبعًا لنصائح الحلفاء في دمشق.
العمليات العسكرية
لا تتوفر حتى الآن رواية دقيقة حول معركة شبه جزيرة الفاو التي بدأت مساء الأحد العاشر من فبراير الجاري، والمعلومات المتوفرة حتى الآن هي تجميع للبيانات الصادرة من الطرفين، وكذلك من التقارير الأجنبية القليلة التي نشرت.
وتقول المعلومات بأن الإيرانيين باشروا بمهاجمة المواقع العراقية في «الفاو» و«المعامر» ومواقع أخرى متناثرة على امتداد الطرف الجنوبي لشط العرب بعد وقت وجيز من غروب الشمس ليوم الأحد الموافق ١٠ فبراير، والقصد من هذا التوقيت هو الحصول على ساعات عديدة من الظلام تستغله القوات المهاجمة في اقتحام المواقع العراقية وتحطيم التحصينات حولها والعبور بكميات كبيرة من الجنود والمعدات إلى الضفة العراقية، وذلك في مأمن من تدخل الطيران العراقي المتفوق.
ويبدو أن الإيرانيين قد حققوا شيئًا من المباغتة للقوات العراقية هناك، حيث كانت اهتمامات القيادة العراقية متوجهة إلى منطقة هور الحويزة شمالًا، وقد ساعدت الظروف الجوية القوات الإيرانية حيث سادت الأمطار وأحوال سوء الرؤية ليومين كاملين مما أثر على نشاط الطائرات العراقية، وكذلك تباطأت القيادة العراقية في شن هجوم مضاد سريع نظرًا لاهتمامها بمواقع أخرى من الجبهة. كل ذلك ساعد الإيرانيين على العبور بقوات ضخمة قدرتها مصادر دبلوماسية غربية في بغداد بخمسين ألف جندي من الجيش النظامي وحرس الثورة الإيرانيين، وقد تمكن هؤلاء من احتلال الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الفاو والتقدم على طريق الفاو- أم قصر مسافة عشرات من الكيلومترات.
وقد رصد الإيرانيون أعدادًا كبيرة من السفن والعبارات والقوارب لتكثيف وتعزيز التواجد الإيراني في شبه جزيرة الفاو، وأظهرت اللقطات التلفزيونية التي بثتها بغداد أن الإيرانيين نقلوا إلى الفاو دبابات وآليات وشاحنات للمؤن ومدفعية مضادة للطائرات وغيرها من المعدات الثقيلة، وذلك لتثبيت وجودهم في تلك الرقعة الضيقة والحيوية من الأراضي العراقية، وإن كانت معظم قواتهم المهاجمة هي في الأصل من فرق المشاة.
رد عراقي حذر
وبالرغم من التصريحات الرسمية العراقية حول هجوم شامل يشنه الفيلق العراقي السابع ضد الإيرانيين في الفاو، فإن استقراء المعلومات خلال الأيام العشرة التي تلت الهجوم الإيراني يشير إلى أن القيادة العراقية كانت أكثر حذرًا من الاندفاع في هجوم مرتجل يكلفها الكثير من الدماء، فقد كان الإيرانيون يأملون في أن يندفع العراقيون تحت وطأة الاستفزاز الدعائي وأن يدفعوا بقواتهم في هجوم مرتبك استعد الإيرانيون لمواجهته جيدًا.
ولفهم الموقف العراقي يجب الإشارة إلى أن هاجس الخسارة البشرية يسيطر على قيادة الجيش العراقي؛ إذ إنه قد أصبح مفهومًا لديها أن هذه الحرب ستستمر طويلًا وأنه ليس من الحكمة أن تلهث وراء انتصارات تكتيكية براقة ليست لها ثمار استراتيجية دائمة مقابل خسارة كبيرة في الدماء، ولذلك أصبحت عقيدة الجيش العراقي في التعامل مع الهجمات الإيرانية أن يتم استيعاب الهجمة بصورة متأنية والسماح لها بالتوغل حدوديًّا بحيث تستهلك طاقتها، ومن ثم يقوم الجيش العراقي بجمع المعلومات عن المهاجمين وتحديد مواقعهم ونقاط الضعف، ويباشر الطيران بالقصف المركز على المواقع وطرق الإمداد قبل أن تشن القوات البرية هجومًا مضادًّا تدريجيًّا يتم خلاله قضم الجيوب الإيرانية وتفتيتها وباستخدام طاقة نيران هائلة وصولًا إلى إنهاء الهجوم وتصفية المهاجمين.
وهذه الطريقة تضمن أن تكون خسائر العراقيين البشرية أقل بكثير من نظيرتها الإيرانية، فالعراقيون يحبذون التبذير في الذخيرة؛ بينما لا يمانع الإيرانيون بالتبذير بالدماء.
وعلى هذا الأساس لم يباشر العراقيون بشأن هجومهم المضاد الأساسي على الإيرانيين في الفاو إلا بعد عدة أيام من الغزو، وقد شنت وحدات متفرقة من الجيش هجمات موضعية في البداية تبين أنها لم تحقق نتائج هامة.
ولم يستعجل العراقيون سحب الفرق المدرعة القوية الموجودة ضمن ملاك الفيلق الثالث شرقي البصرة؛ نظرًا لأن هذه كانت تستعد لمواجهة التحشدات الإيرانية الكبيرة في الخفاجية وغربي الأهواز على مقربة من الحدود.
واكتفت الوحدات التي وصلت فعلًا إلى منطقة الفاو بمناوشة الإيرانيين والتصدي لمحاولاتهم التقدم شمالًا، ولكن ومنذ اليوم الخامس للقتال شكلت القيادة العسكرية العراقية 3 أرتال ضمن قوات الفيلق السابع، وقامت هذه القوات بشن هجوم ذي ثلاث شعب، ونظرًا لعدم صلاحية الأرض هناك لعمل الآليات الثقيلة فقد تحركت الهجمات العراقية على الطرق البرية الثلاث: طريق أم قصر- الفاو، وطريق الفاو- البصرة المحاذي لشط العرب، وطريق ثالث يؤدي أيضًا إلى البصرة بعيدًا عن الشط.
وقد حقق العراقيون نتائج أفضل على طريق أم قصر- الفاو حيث أرغم الإيرانيون على التراجع، وذكر شهود عيان في المنطقة أنهم ساروا مسافة ٥٠ كيلومترًا من أم قصر على طريق الفاو قبل أن يصلوا إلى المواقع العراقية الأمامية.
أما المحوران الآخران فكان التقدم عليهما أكثر بطئًا، وكانت القوات الإيرانية تشن هجمات مضادة للهجمات العراقية في البداية لكنها التزمت فيما بعد الموقف الدفاعي.
وتميزت المعارك في الفاو بالاستخدام الكثيف للمدفعية والطيران نظرًا لفاعلية هذين السلاحين ضد المشاة، كذلك استخدم العراقيون صواريخ أرض- أرض من طراز «لونا» و«سكود» بكميات كثيفة وبصورة لم يسبق لها مثيل، أما الإيرانيون فقد أفادوا من تواجد مدفعيتهم في عبادان، والمحمرة، في عرقلة الهجمات العراقية، وبرز سلاحهم الجوي بمستوى متطور من التشغيل وبصورة مفاجئة. وقد أعلن العراق عن إسقاط عدة طائرات من نوع «فانتوم»، وأعلن الإيرانيون بدورهم عن إسقاط طائرات عراقية.
وسوف تمضي فترة من الوقت قبل أن تحسم المعارك في الفاو، هذا إذا لم يبدأ الإيرانيون هجمات أخرى جديدة في الشمال. وإذا كان هناك شيء مؤكد بشأن هذه الهجمات فهو أن دماء عشرات الآلاف من الشباب الإيرانيين والعراقيين سوف تضيع وتتغلغل في الرمال قبل أن يقتنع أصحاب القرار السياسي في طهران بأن تكاليف المغامرة أكبر بكثير من نتائجها.
الدوافع الإيرانية لهجوم الفاو
ترى بعض الجهات المتابعة للحرب العراقية- الإيرانية أن منطقة الفاو والساحل العراقي الضيق لها مدلولات خاصة عند الإيرانيين، فوجود هذه الرقعة الضيقة تحت سيطرة العراق يضمن للبحرية العراقية النشطة استخدام مياه خور عبد الله المحصورة بين الفاو وجزيرة بوبيان «انظر الخريطة» في عملياتها الهجومية ضد السفن الإيرانية انطلاقًا من ميناء أم قصر.
وكان الإيرانيون -طبقًا لهذا التحليل- يأملون في أن يحتلوا هذه المنطقة ويمدوا حدود سيطرتهم نحو أم قصر، وبذلك يحققون أربعة أهداف:
أولًا: ضرب ميناء أم قصر وشل حركة البحرية العراقية.
ثانيًا: منع الطيران العراقي من استخدام أجواء شبه جزيرة الفاو في مهاجمة موانئ النفط الإيرانية.
ثالثًا: استغلال التواجد العسكري الإيراني بمواجهة الأراضي الكويتية لممارسة الابتزاز السياسي والعسكري ضد الكويت ودول الخليج الأخرى.
رابعًا: تهديد طريق البصرة- الكويت الاستراتيجي والتمهيد لمعركة قادمة لتطويق ميناء البصرة.
ورغم أن هذه الأهداف تمثل طموحات صعبة للإيرانيين بمواجهة الجيش العراقي القوي والقادر على تنفيذ أداء أفضل بكثير على الأراضي غير الطينية والصالحة لحرب الدروع، إلا أن الإيرانيين ما زالوا يأملون وهم يبذلون كل طاقات ودماء الشعب الإيراني لتنفيذ هذه الآمال الدموية.