العنوان شاهد على حضارة الإسلام الزاهرة معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في ألمانيا
الكاتب شامل زكريا
تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1656
نشر في الصفحة 46
السبت 18-يونيو-2005
٨٠٠ آلة في مجال العلوم والتقنية ومكتبة تحوي ٢٥ ألف مجلد
في شهر مايو ۱۹۸۲ م تأسس معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة فرانكفورت بألمانيا، بمساهمات تمويلية من أغلب الدول العربية، بهدف تصحيح الأخطاء السابقة الشائعة حول العرب والمسلمين، ومازالت مؤسسة بروفيسور فؤاد سركين تديره فخريًا بعد تقاعده.
وقد حقق المعهد نتائج باهرة حتى الآن، رغم قلة عدد العاملين فيه من أوروبيين وعرب، ومنذ سنوات والمعهد يتمتع بشهرة واسعة في أوساط الدوائر الاختصاصية على نطاق عالمي. في بداية إنشاء المعهد ظهرت الحاجة إلى حصر المراجع والمخطوطات المنتشرة في أركان مكتبات لا حصر لها في كافة البلدان الإسلامية وفي كثير من المكتبات الخاصة وفي أعمال مئات من المستشرقين الغربيين حصرًا شاملًا، وتصنيفها في فهارس كي تصبح في متناول البحث العلمي، تطلب هذا إنشاء وتنظيم مكتبة متخصصة، وبالمقام الأول إعداد أرشيف من الأفلام الدقيقة يحتوي على المخطوطات العربية. وأصدر المعهد مجلة تاريخ العلوم العربية الإسلامية حيث يجد فيها العلماء المتخصصون وسيلة إعلامية محترمة كما يصدر المعهد طبعات جديدة لكثير من المراجع العربية الأصلية ومختارات من المؤلفات أصبحت الآن تحت تصرف دائرة واسعة من الباحثين ونصفها تقريبًا مخطوطات عربية منشورة بالطباعة التصويرية التي لم تصبح في متناول يد كل ذي اهتمام، وبأسعار زهيدة، بما يكفل حفظ هذا الكنز الروحي حيًا في متناول اليد في حال ضياع أو تلف الأصل القديم جداً الذي هو غالبًا في حالة سيئة.
ومن أهم مشاريع المعهد «فهرسة المراجع والدراسات العربية والإسلامية» المنشورة باللغة الألمانية إلى جانب المراجع المتعلقة بالبلدان العربية المعاصرة، ومن بين مشاريع المعهد المهمة أيضاً، جمع وإعادة طبعات الأعمال الاستشرافية، ويعطي المعهد علم الخرائط، أهمية بالغة في حقل منشوراته التي تهدف إلى تقديم الجغرافيا وعلوم الخرائط الإسلامية بالشكل اللائق بها، إذ إنها لم تنل في الغرب بصورة عامة التقدير الذي تستحقه.
متحف رائع
ومن المنجزات الرائعة التي حققها المعهد، المتحف الذي يشغل الطابقين السفليين من المبنى، ويحتوي على ۸۰۰ آلة في مجال العلوم والتقنية وهي نسخ مماثلة تمامًا للأجهزة والأدوات العلمية التي كان العلماء والصناع العرب قد طوروها واستعملوها في الفترة الممتدة بين القرنين التاسع والسادس عشر الميلاديين والتي فقدت نسخها الأصلية منذ زمن طويل أو لم يصلنا منها سوى بعض الأجزاء المتفرقة، وتحتوي هذه المجموعة الثمينة على كثير من الأشياء التي تبرهن على أن العلوم والتقنية العربية كانت قد بلغت أوجها في الوقت الذي كانت فيه أوروبا ما زالت تغط في سبات عميق.
ويعرض المتحف آلات من ١٤ فرعًا علميًا ففي الغرفة المخصصة للكيمياء يشاهد جهاز من دمشق كان يستخدم لتقطير ماء الورد. استعمله فيما بعد الإيطاليون في القرن السادس عشر الميلادي. وفي قاعات التقنية يشاهد جهاز التدوير سيخ الشواء بضغط البخار، وما زالت الصيدليات تستعمل حتى اليوم جهازاً لتحديد الوزن النوعي اخترعه البيروني، أحد العلماء الموسوعيين في البيئة الثقافية العربية الإسلامية في القرن الحادي عشر الميلادي. في غرفة الآلات الطبية توجد نماذج لمستشفى نور الدين في دمشق ومستشفى آخر في أدرنه، وتعرض فيها ۲۰۰ آلة طبية يرجع كثير منها إلى الطبيب الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، الذي وصف في القرن العاشر الميلادي في كتابة الآلات الطبية المعروفة في عصره، ولم تؤلف مثل هذه الكتب الشاملة إلا في العصر الحديث.
في إحدى قاعتي الفلك هناك نموذج لكل من مرصد المراغة وإسطنبول، كان لكليهما أثر كبير على تطور الفلك في الغرب.
الملاحة والجغرافيا يحظيان باهتمام خاص في المتحف فمن المعروف أن كولمبوس أبحر إلى العالم الجديد ببوصلة مطورة في العالم الإسلامي، فالملاحة الحديثة إنجاز العرب في المحيط الهندي، فهم تركوا ما لا يحصى عدده من المسافات في سجلاتهم الملاحية، وحسبوا البعد بين شرق إفريقيا وسومطرة بما لا يختلف بأكثر من نصف درجة طول عن الواقع، هذه الدقة لم توجد في أوروبا إلا بعد خمسمائة عام. هكذا .. كان العرب أول من وضعوا خرائط دقيقة للعالم، لم يستطع الأوروبيون إلا أن يستنسخوها، فمنذ القرن التاسع الميلادي هناك خريطة للعالم صنعت بطلب الخليفة المأمون. وقد ثبت أن خرائط العالم والخرائط الجزئية الأوروبية حتى بداية القرن الثامن عشر الميلادي ترجع إلى أصول- عربية.
منبر للمعرفة
والمعهد ليس مركزًا لإجراء البحوث العلمية وحسب.. بل ملتقى ومنبر لتلقي المعارف ونشرها إذ يبلغ عدد مجلدات مكتبته العامرة ٢٥ ألف مجلد، كما تحتوي نحو ثلاثمائة مخطوطة عربية وأفلاماً مصورة لسبعة آلاف مخطوطة أخرى.
ومن خطط المعهد في المستقبل أن تنضم إلى الآلات العربية عدة مئات أخرى. وبالإضافة إلى الآلات الجديدة ستصنع نسخ من الآلات الموجودة الآن. فالمجموعة ستسافر للعرض في المستقبل القريب إلى مدن عديدة منها باريس وباليرمو في إيطاليا.
تشجيع الفكر العلمي
وعلى الرغم من هذه الإنجازات هناك جهل مستمر بهذه الفترة الإبداعية للبيئة الثقافية العربية- الإسلامية.
هذه الفترة استمرت أكثر من ٨٠٠ سنة إلى أوائل القرن ١٦ الميلادي. فقط منذ ذلك الوقت بدأ الإبداع في أوروبا، ولم يتجاوزوا المسلمين إلا في القرن السابع عشر الميلادي.
فمنذ القرن الحادي عشر الميلادي خسر العرب أجزاء من إسبانيا والبرتغال، وكانت الحملات الصليبية الثمانية ضربة أخرى. فالاتصالات بين العلماء أصبحت صعبة وأخذ الصليبيون التقنية الحربية العربية معهم إلى أوروبا. بعد ذلك دمر التتار أقاليم بكاملها وضعف العالم الإسلامي. وفي النهاية أخذ الأوروبيون مكان العرب في السلطة السياسية أولًا وفيما بعد في العلم أيضًا.
ومن أهم العوامل التي مكنت البلاد العربية الإسلامية للوصول لهذا الإبداع، روح التسامح في ذلك العصر وتشجيع الإسلام للفكر العلمي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل