العنوان محاورات فكرية.. مع أخي الدكتور خالص جلبي في مقاله «سيكولوجية النقد الذاتي»
الكاتب أحمد الخاني
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 24-يونيو-1997
قرأت في العدد ١٢٤٨ من مجلتنا المجتمع مقالًا بعنوان «سيكولوجية النقد الذاتي» لأخي الأستاذ الدكتور خالص جلبي حفظه الله، وقد شد انتباهي مافيه من أفكار وهي من الكثرة بحيث لا تسمح صفحات هذه المجلة باستيعابها وعرضها كاملة في عدد واحد، ولذلك فإنني سأفرد فكرة واحدة اكتفي بمناقشتها في هذا المقال.
يعتمد أخي الكريم في التنظير لفكرته وتأسيسها، أو صياغتها على أساس تنطلق منها على معادلة: «لوم الآخر» و«تنزيه الذات»، وأن تحقيق الطرف الأول يعني - حسب رأيه - تحقيق الطرف الثاني، وكأن بين الطرفين الأول والثاني ملازمة عقلية لا يمكن انفكاكها وذلك في قوله: «وباعتمادنا آلية «لوم الآخر» نكون بشكل آخر قد أحيينا آلية «تنزيه الذات» وتقديسها بعصمتها من الخطأ» وانطلاقًا من هذه المعادلة - المقدمة - وهي: لوم الآخر - تنزيه الذات، وصل أخي الأستاذ الدكتور إلى نظرية «الإسقاط» ولم يطبقها على نماذج بشرية عادية أو مألوفة، وإنما طبقها على آدم والشيطان، والآن إلى عرض النظرية يقول الأستاذ الدكتور: «لم يكن عبثًا أن تكررت قصة آدم والشيطان في كل الكتب المقدسة.. فالشيطان اختار الأسهل فأخرج نفسه من المشكلة، فهو غير متهم ولا ملام عن موقفه حين أحال خطأه إلى مصدر خارجي فعزاه إلى الله ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (سورة الأعراف: 16)، فهو إذا لم يخطئ رفع نفسه إلى درجة الكمال الإلهي الذي لا يعتريه النقص».
هكذا قال أخي الأستاذ الدكتور خالص، وإنني أذكره - حفظه الله - أن إبليس لم يختر موقف الأسهل، ولم يحل خطاه إلى مصدر خارجي، وإنما كان موقف إبليس ابتداء موقف «الاستعلاء» حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (ص: 76) «۲»
هذا هو الموقف الأصل موقف الاستعلاء والتكبر بقوله: «أنا»، ونسبة الخيرية إلى نفسه بقوله «أنا خير منه» هذا الموقف، موقف الاستعلاء الذاتي الذي نسبه إبليس إلى نفسه وظنه أنه من خصائصه، هو الذي جعل إبليس يستحق الطرد من الجنة، وقد ظن إبليس أنه يملك الدليل على أحقية الاستعلاء والتكبر والخيرية على آدم معززًا موقفه الأول موقف الاستعلاء، وذلك في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (ص: 76)، إذن، فموقف إبليس من قضية السجود لآدم هو «تنزيه الذات» دون «اتهام الآخر».
هذا هو الموقف الأصل حيث لم . يحل خطأه إلى مصدر خارجي، وإنما جاءت الإحالة إلى مصدر خارجي أو «الإسقاط» في موقف تال على موقف الاستعلاء والتكبر ونسبة الخيرية إلى نفسه.
«لوم الآخر» من إبليس جاء بعد «تنزيه الذات» جاء لاحقاً ولم يأت سابقًا وإبليس في موقفه اللاحق كان معززًا موقفه السابق وهو حينما قال: «بما أغويتني» يكون قد نسب الظلم إلى الله تعالى، واستفهم استفهامًا إنكاريًا قال ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ (الإسراء: 61 )، فمعادلة لوم الآخر - تنزيه الذات، لا تنطبق على إبليس، لما بيناه، ولو أنها تنطبق في بعض الحالات على نماذج من البشر.
موقف آدم
ويقول أخي الأستاذ الدكتور حفظه الله في إتمام عرض نظريته في موقف آدم، على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأزكى السلام: «في حين كان موقف آدم أنه قام بمراجعة قاسية للذات.. ومع هذه المراجعة النفسية ومواجهة الذات والاعتراف بالخطأ أمكن لنا نحن البشر أن ندشن إمكانية الارتفاع بدون توقف في رحلة العروج الروحية إلى الله في الوقت الذي فشل فيه الشيطان في الرهان»، لا أخفي على القارئ إذا قلت، وأنا أقرأ هذا المقال: خلتُ نفسي أقرأ لفيلسوف مستشرق، ذلك أن صياغة هذه المواقف التي قدمها الأستاذ الدكتور -حفظه الله- تختلف في الجوهر، لا في الطرح فقط عن الصياغة للفكرة نفسها في المنظور الإسلامي والفلسفة الإسلامية كما رأينا في صياغة موقف إبليس، وكما سنرى الآن في صياغة موقف آدم عليه السلام يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (سورة طه: 115) أي: نسي الأمر الإلهي بتحذيره الأكل من الشجرة ولم يكن لآدم عليه السلام عزم ولا تصميم على المعصية.
ونحن إذا نظرنا إلى هذه المسألة من زاوية معينة كأن تكون حادثة شخصية مثلًا قياسًا علي بني آدم فإنا نقول: إن الله تعالى أمر آدم عليه السلام ألا يأكل من الشجرة، فجاء الشيطان بوسوسته، وأقسم لآدم كاذبًا حتى ورطه في الأكل من الشجرة فأكل ناسيا الأمر، والنسيان عذر هذه واحدة، أما الثانية فإن نية آدم لم تتجه إلى ارتكاب المعصية وإن وقع فيها.
أما إذا نظرنا إلى المسألة من أفق أوسع، من وجهة تعلق إرادة الله تعالى بخلق الكون فالمسألة تختلف، ولا يصح في نظري أن يصاغ من هذا الموضوع نظرية للجنس البشري يقاس عليها، فمقدمات هذه النظرية ليست من المسلمات، ولم يقم البرهان على صحتها.
فمسألة الأكل من الشجرة تكمن وراءها الحكمة من خلق الكون، وقد قال أحد العلماء: لو كنت في موضع آدم لأكلت الشجرة كلها، ومن المستبعد جدًا إن لم يكن مستحيلًا أن يتجرأ قائل هذه الكلمة على الله تعالى، بل إنه نظر إلى الحكمة من خلق الكون في الأكل من الشجرة، فموضوع آدم والأكل من الشجرة «خاص» لا يتعلق بنماذج بشرية، ولو كان أخي الأستاذ الدكتور- حفظه الله- اختار نماذجه من حياتنا نحن البشر في حياتنا الأرضية لا حياة آدم السماوية، وبني نظريته عليها لكان في نظري أولى، لقد كانت الفلسفة اليونانية ميتافيزيقية، في عالم الغيب وراء الحس في السماء، فأنزلها أرسطو إلى الأرض، ويبدو أن الدكتور خالص حفظه الله أعادها إلى السماء مرة ثانية.
أما عنوان المقال «سيكولوجية النقد الذاتي» فأحس منه نفورًا شديدًا، وهو يحتوي على مغالطة في التوجه الإسلامي، وذلك أن النقد يعني إظهار الحسنات والمساوئ بينما المطلوب منا نحن البشر أن نعرف مواضع الخطأ في النفس، الخطأ المكتسب، يجب أن نعرف السلوك الغلط الذي أبعدنا عن الفطرة، فتشخيص الداء نصف الدواء، وبعد معرفة الخطأ في النفس يتم تصحيح المسار بتقويم الاعوجاج، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حاسبوا أنفسكم» ولم يقل: انتقدوا أنفسكم، فالنقد غير المحاسبة، والإنسان مطالب بمحاسبة نفسه لا بانتقادها.
نحن المسلمين لنا فلسفتنا، ولنا مصطلحاتنا، ولنا لغتنا.. لغة القرآن الكريم، لغة لا تضيق بالتعبير عما نريد، ونحن في غنى عن استيراد ألفاظ تدخلنا في متاهات الدلالات، فترجمة العنوان السابق «سيكولوجية النقد الذاتي» أو تعريبه ما يلي: «علم نفس نقد الإنسان لنفسه»، بينما التعبير عن هذا المعنى نفسه في المصطلح العربي الإسلامي هو محاسبة النفس، وقد وصل أخي الأستاذ الدكتور خالص حفظه الله بعد فراغه من نظريته إلى هذا العنوان «فكرة النقد الذاتي» ولا أريد أن أناقش الأفكار التي تنضوي تحت هذا العنوان ولكن حسبي أن أقول: إنه عنوان لا يصح لغة، بالمفهوم المطروح في هذا المقال.
كلمة أخيرة فهمت من المقال أن أخي الأستاذ الدكتور حفظه الله يدعو إلى «الاستبطان» أو «التأمل الذاتي» - لمن يرغب عن هذه المصطلحات الأجنبية ـ والهدف من هذا التأمل هو مراجعة النفس بنية تصحيح الخطأ الطارئ عليها، فقدم نظريته التي صاغها وفق المعادلة لوم الآخر - تنزيه الذات.
فكيف يصوغ نظريته الجديدة إذا كانت المعادلة «لوم الآخر» و«لوم الذات»؟.
ولا قدم طرف المعادلة الثاني على الأول.
«لوم الذات» + «لوم الآخر»=؟! ولأقلب المعادلة رأسًا على عقب «لوم الذات + تنزيه الآخر» = ؟؟!!
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل