العنوان مغالطات قومية تتهاوى تحت شمس الحقيقة
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 03-يونيو-1980
مشاهدات 73
نشر في العدد 483
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 03-يونيو-1980
العرب والتحدي لمحمد عمارة
على العرب أن ينهضوا قبل سواهم لإعادة الإسلام إلى الحياة شريعًة ومنهاجًا:
الإسلام -عند كاهن البعث- وليد آلام العروبة!! وصورة صادقة لطبيعة النفس العربية؟
هل المجلس الوطني للثقافة اجتنى فكر الكاتب؟ وهل له نفس النظرة عن الإسلام؟
يحاول المؤلف إلياس كافة الأحداث في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، زيًا قوميًا عربيًا!!
رأينا في العدد الماضي، أن القومية فكرة عنصرية ضيقة الأفق، وأنها في الأصل نبت غربي مريض، وقرأنا كيف حاول المؤلف عمارة في كتابه «العرب والتحدي» أن يلبس الإسلام ثوب القومية.
وقد استعرضنا سبعة أمثلة للتزييف الواضح للحقائق، الذي اقترفه الكاتب وها نحن في هذا القسم نتابع ما بدأناه في الحلقة الماضية.
8- ويدس تعبيرا ماركسي الصبغة فيقول: «لقد كانت شبه الجزيرة العربية وخاصة وسطها تشهد في ذلك التاريخ سباقا مع الزمن وصراعًا مع التحديات ومن هنا كان تطلع أبصار حكمائها وبصائرهم إلى أمر جديد وبالتحديد إلى بعثة نبي جديد... كانت آلام المخاض تنبع بحتمية التغيير...» «ص ۳۰».
9- يصور بيعة العقبة على أنها كانت «بمثابة» العقد السياسي على تأسيس الدولة العربية الإسلامية «بين عرب يثرب» من الأوس والخزرج، وبين الرسول -صلى الله عليه وسلم-... «ص ۳۱».
ويقول عن نفس الحادثة «البيعة»:-
إن الذي يعني هذا البحث من ذلك الحدث الذي اهتزت له أرض شبه الجزيرة وجاوبتها في ذلك سماؤها!، ليس جانبه الديني وإنما الذي يعنينا هنا ما كان له طابع قومي جاء في إطار الموقف الإيجابي الذي اتخذته الجماهير العربية! اتجاه ما كان مفروضًا عليها من تحديات... «ص۳۲».
وبعد هذه التمهيدات يصل إلى النتيجة الخطيرة التي يفوح منها رائحة «القومية» و«الشيوعية» في آن واحد، حين يقول: فها هي القيادة العربية التي كان العرب والحنفاء والحكماء والذين تقض الأخطار والتحديات مضاجعهم، يتطلعون إليها قد ظهرت تبشر بدعوة الإسلام...!! «ص ۳۲».
وهذا النبي في رأيه كان «بالنسبة للعرب الذين تطبق التحديات على مصايرهم وتهدد الأخطار مستقبلهم، يمثل حاجة طالما تطلعوا إليها، وضرورة طالما استشرفوها» «ص۳۲».
10- أما هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، فكانت في رأي د. عمارة رد فعل من الجماعة المؤمنة ضد الأوضاع القاسية في مكة يقول:
أمام هذه الملابسات لم تقف الدعوة الجديدة عند حدود «الدين» لأن أصحابها وجدوا أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ «الدولة» سلاحًا يدافعون به عن حق الجماعة المؤمنة... «ص ٣٥»
لاحظ التمييز والفصل بين «الدين» و «الدولة» وتأمل دلالته في هذا المقام، ثم يتابع تطوير فكرته «القومية»:
وفي هذه «الدولة» صنع المؤمنون النموذج الجديد الذي يجسد فكرهم الاجتماعي والسياسي الجديد... وأيضا بشروا بالفكر القومي العربي الذي كان بمثابة الفتح الجديد الذي يخرج العرب من تحت خطر التحديات القديمة ومخاطرها... «ص ٣٥».
12- الله -سبحانه وتعالى- يحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم- بأنه أرسله رحمة للعالمين وشاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
أما الدكتور عمارة داعية القومية الضيقة- فيرى أن الهدف من هذا الدين إنما هو توحيد العرب دينيًا وقوميًا وسياسيًا «كي ينتقم العرب من أعداء الأمس، فرنسا وروما بيزنطيين.» «ص ٣٦».
وإن الرسول صلى الله عليه وسلم «كان يغري قومه بوحدة تجعلهم السادة والقادة، وتفتح أمامهم الطريق لتسوية الحساب مع أعداء الأمس الذين فرضوا عليهم التحديات وأذلوهم» «ص ٣٦»...
13- وإذا كان توجيه الله المسلمين إلى «بيت المقدس» قبلة للصلاة ثم تحويلهم إلى «الكعبة» يفهمه المسلمون على أنه تخطيط من الله لحكم يعلمها وبعضها أشارت إليه آيات سورة البقرة «١٤٢-١٥٠»، فإن الأمر عند د/ عمارة يتخذ «طابعًا قوميًا عربيًا» «ص ٣٦».
وهكذا يتابع المؤلف إلباس كافة الأحداث في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم- زيًا عربيًا قوميًا... ويمضي على نفس النهج- إلى ما بعد عصر الرسول عليه السلام.
فموقف أبي بكر -رضي الله عنه- من المرتدين ومانعي الزكاة لم يكن في رأي د. عمارة- إلا موقفًا قوميًا فيقول:
«وعندما زلزلت وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم- يقين الأعراب الذين يسكنون غير المدينة ومكة والطائف فظنوا أن التوحيد الديني شيء وهم لم يغيروا عقائدهم فيه!!!، وأن الوحدة القومية شيء آخر، فخلعوا عن أنفسهم تبعاتها، بعد وفاة النبي الذي دعا إليها وأنجزها»
هذا هو تصويره لتلك الفتنة وقد اضطر- كما هو واضح، ومن أجل أن يسلم له تصوره «القومي» إلى أن يدعي أن قبائل الأعراب لم تغير من عقائدها في «التوحيد الديني» متجاهلًا فتنة المتنبئين ومن تابعهم مع أن هؤلاء كانوا هم صلب هذه الفتنة وليس مانعي الزكاة- ومن ثم عرفت الفتنة كلها باسم «الردة»! وماذا عن موقف أبي بكر؟ يقول:
«كانت بصيرة أبي بكر وعبقريته السياسية وحسه القومي قد هداه إلى القرار التاريخي الذي جعل تاريخ هذه الأمة يسير في الاتجاه الصحيح...» «ص ٤٤».
ولست أجد ردًا على هذا التحريف البين- أبلغ من الكتاب الذي كتبه أبو بكر رضي الله عنه- إلى جميع قبائل العرب من صيغة واحدة إذ تنطق كلماته وسطوره بأن الهدف إنما كان دين الله وليس فيه أي إشارة من قريب أو بعيد إلى غاية «قومية».
من هذا الكتاب: «وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان»...
وإني قد بعثت إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه... «نص الكتاب كاملًا في: الطريق إلى المدائن بقلم: أحمد عادل كمال، ط/ ۳
۱۳۹۷- ۱۹۷۷ ص ١٦١_١٦٣
14- ويسفر د. عمارة عن وجهه «العنصري» الانتقامي حين يأتي لتفسير الفتوحات الإسلامية في الشرق وفي الغرب.
فالأمر عنده محض صراع وثأر وتحرير وأهداف سياسية، أما الدين فلا علاقة له بالموضوع كلية... يقول في بجاحة عجيبة: ثم واصلت الدولة العربية- بعد أن عادت لها ولجماعتها الوحدة- صراعها مع الإمبراطوريتين اللتين احتكرتا السيادة على المنطقة لعدة قرون... فارس والروم البيزنطيون... فكانت فتوحاتها الشرقية في العراق العربي تحريرًا من سيطرة فارسية ظالمة، وكان فتحها لفارس ذاتها ثأرًا لتاريخ قديم ومرير... وجميع أسباب هذا الفتح سياسية تدخل في باب الصراع القومي لا الديني. ص٣٦-٤٧
ولست أدري كيف يمكن في ضوء هذا «التصور العنصري» «القومي المفتعل للفتوح الإسلامية»- أن تفهم رسائل الرسول -عليه السلام- إلى كسرى وقيصر وغيرهما من الحكام؟! أكانت تلك الرسائل التي تحمل دعوة صريحة صادقة إلى الدخول في الإسلام مجرد غطاء للهدف «القومي» السياسي الرامي إلى «الثأر» و«تصفية الحساب»؟ حاشا لأنبياء الله ورسله أن يكونوا كذلك! وخسئ المبطلون!
إن محمد عمارة في بحثه هذا لم يكن مبتكرًا حين ألبس «القومية العربية» «عمامة»- كما عبر أحد الكتاب الناضجين. ولم تكن محاولته بآخر المطاف في هذا الميدان.
إن الذي يراجع محاضرة كاهن «البعث» ميشيل عفلق التي ألقاها في الجامعة السورية «5 نيسان ١٩٤٣» بعنوان «ذكرى الرسول العربي» ليجد فيها نفس الأفكار، بل والتعبيرات أحيانًا...
على سبيل المثال:- «إن حركة الإسلام المتمثلة في حياة الرسول الكريم... ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحياة العرب المطلقة... إنها صورة صادقة ورمز كامل خالد لطبيعة النفس العربية وممكناتها الفنية... «ذكرى الرسول العربي» «ميشل عفلق، ص ٦».
- «كان المسلم هو العربي الذي آمن بالدين الجديد لأنه استجمع الشروط والفضائل اللازمة ليفهم أن هذا الدين يمثل وثبة العروبة إلى الوحدة والقوة والرقي» «ص ۱۲».
- «ما الإسلام إلا وليد الآلام، آلام العروبة، وإن هذه الآلام قد عادت إلى أرض العرب بدرجة من القسوة والعمق لم يعرفها عرب الجاهلية، فما أحراها بأن تبعث فينا اليوم ثورة مطهرة مقومة كالتي حمل الإسلام لواءها» «ص ۲۲».
فأي فرق بين عفلق عام ١٩٤٣ ود. عمارة عام ۱۹۸۰؟! ومن لبنان ينبعث صوت الشيخ عبد الله العلايلي ليقول- في ندوة تلفزيونية: -
«من جملة معطيات العرب الإسلام، وليس العكس.» «مجلة» الأمان ع/ ١٩٨٠/٥/٩٦٦ ص ۱۳
ومع الدكتور محمد علي الجوزو نقول له ولكل دعاة «القومية»:
«نحن نرفض هذا التفسير للإسلام، لأن الإسلام ليس من معطيات العرب على الرغم من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عربي، والقرآن الكريم عربي لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبتدع الإسلام من ذاته، بل هو وحي منزل من السماء على قلبه... ليكون رسالة للناس كافة... وليس للعرب وحدهم... فهو ليس دينًا قوميًا... وليس من صنع قومية معينة» «الأمان العدد السابق، ص ۱۳».
إن رفض هذه المحاولات المبتسرة والمتكررة لإلباس «فكرة القومية العربية» الدخيلة ثوب الإسلام، أو إلباس الإسلام ثوب «القومية»، تمامًا مثل رفض فكرة «القومية» بمدلولها العنصري الغربي... كل ذلك لا يعني أبدا الانتقاص من العرب الذين آمنوا بالإسلام ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ﴾ (الحشر: 8)
وليس كما ادعى المزيفون- عصبية أو ثأرا أو تصفية حساب كذلك، فإن هذا الرفض لا يعني أبدًا التقليل من الدور الذي يمكن، بل يجب أن ينهض به العرب قبل سواهم من الشعوب الإسلامية لإعادة الإسلام إلى الحياة- حياة المسلمين عربًا وغير عرب شريعة حاكمة وموجهة ومنهج إنقاذ لبقية الشعوب من الضياع والضلال.
وما نهض العرب- ولن ينهضوا بهذا الدور بعروبتهم أو بقوميتهم حتى وإن توحدوا عليها، ما لم يكن الإسلام والإسلام فقط هو الدافع والمحرك والغاية والمنهج... ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: ٦٩) ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: ۷۸).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل