; مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنَّا (4) رسالة الداعية | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم دعوية في رسائل الإمام البنَّا (4) رسالة الداعية

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مارس-1997

مشاهدات 92

نشر في العدد 1240

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 04-مارس-1997

  • حقيقة الدعوة تتطلب عملًا متواصلًا يأتي على قمته الجهاد في سبيل الله

عليك أيها الأخ الداعية أن تتبين حقيقة موقف من تدعوه، وأن تزيل الشبهات التي قد تعلق بنفسه، سواء كانت عن الدعوة وموضوعها أم كانت عن أشخاص الدعاة ومدى إخلاصهم، وأن تتيح لمثل هذا المتردد فرصًا للاتصال والاطلاع والقراءة، والتعرف على الإخوان، فستأتي النتيجة في نهاية الأمر، وهي اطمئنانه إلى الدعوة والدعاة، ووقت استجابة المدعو إنما يعلمه الله عز وجل، ولا تستطيع أن تتنبأ به أبدًا.

فالأصل المستقر هو أن المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ( النور: 54)، وتعليل ذلك من وجهتين، كما يقول الدكتور عبد الكريم زيدان:

الأول: أن القاعدة الأصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره، لأن هذا من تكليف ما لا يطاق، وإنما يكلف الإنسان أن يفعل هو فعلًا معينًا يتعلق بغيره وقد يحمله على الفعل، كالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف. 

الثاني: أن الاستجابة والهداية بيد الله وحده «أصول الدعوة - ص 311 بتصرف».

وعلى الداعية المسلم أن يستمر في الدعوة إلى الله وإن لم يستجب أحد، وذلك ليبرأ ذمته عند الله ويؤدي الواجب الذي أمر الله به ولحرمة اليأس، وأيضًا لاحتمال الإجابة، لأن القلوب بيد الله وحده يقلبها كيف يشاء.

ويواصل الإمام البنا سرد أصناف المدعوين.. فيتحدث عن «النفعي»، و«المتحامل»:

 

3 - النفعي

وهو أخطر الأصناف الأربعة، ولذلك خصه الإمام بفقرة طويلة قال فيها:

«وإما شخص لا يريد أن يبذل معونته إلا إذا عرف ما يعود عليه من فائدة وما يجره هذا البذل له من مغنم فنقول له: حنانيك ليس عندنا جزاء إلا ثواب الله إن أخلصت والجنة إن علم فيك خيرًا، أما نحن فمغمورون جاهًا، فقراء مالًا، شأننا التضحية بما معنا وبذل ما في أيدينا، ورجاؤنا رضوان الله وهو ﴿نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الأنفال: 40)، فإن كشف الله الغشاوة عن قلبه، وأزاح كابوس الطمع عن فؤاده فسيعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وسينضم إلى كتيبة الله ليجود بما معه من عرض هذه الحياة الدنيا لينال ثواب الله في العقبى، ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ( النحل: 96)، وإن كانت الأخرى فالله غني عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته وموته وحياته، وكذلك كان شأن قوم من أشباهه حين أبوا مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يجعل لهم الأمر من بعده، فما كان جوابه صلى الله عليه وسلم إلا أن أعلمهم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128).

يقرر الإمام الشهيد هنا مفاصلة مع ذلك الصنف من الناس ما لم يغير قناعاته النفسية، فيتخلى عن الطمع ويقلع عن نفعيته المريضة، ويتخلق بأخلاق الدعاة الأصلية ومنها التضحية. 

وما أجمل هذه العبارة التي تستحق الكتابة بمداد من ذهب: 

«فالله غني عمن لا يرى لله الحق الأول في نفسه وماله ودنياه وآخرته وموته وحياته».

وهي توضيح لقول الحق تبارك وتعالى في سورة الأنعام:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ... ﴾ (الأنعام: -163162).

ولقد حرص الإمام الشهيد أن يقطع أي أمل ذلك الصنف في الانضمام إلى الجماعة إلا بعد التخلي عن طمعه وبخله، والتحلي بالبذل والعطاء، وما ذلك إلا لأن حقيقة الدعوة لا تتم في نفس الداعية إلا بتقرير هذه الحقيقة النفسية، اسمع إلى قول الحق تبارك وتعالى في أكثر من موضع في القرآن الكريم:

﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( الحشر: 9).

وها هو وصف الأنصار رضوان الله عليهم ﴿.... وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ( الحشر: 9).

وحقيقة الدعوة تتطلب عملًا متواصلًا يأتي على قمته الجهاد في سبيل الله، ولا جهاد بدون تضحية، فكيف يستقيم أمر الداعية إذا قعد عن التضحية؟ وقد وصف الإمام ذلك بأنه إثم فقال: «ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم». 

وها هي سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ناطقة بتضحيته صلوات الله عليه وتضحيات أصحابه رضوان الله عليهم في مكة المكرمة، وفي المدينة المنورة لا نستطيع أن نستقصي المجالات التي بذلوا فيها، ويكفي مثال تجهيز جيش العسرة عندما قام عثمان بن عفان رضي الله عنه بتجهيز الجيش حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راضٍ». 

وقد بلغ التأثر بقوم لم يجدوا ما ينفقون إلا أن انصرفوا يبكون، ووصف الله حالهم بقوله في سورة التوبة: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ (التوبة: 92).

وقصص التضحية بالمال والنفس أكثر من أن تُعد، وتاريخ الدعوة الحديثة شاهد على مقدار التضحيات التي قدمها الإخوان وهم راضون في سبيل الله، وما زالوا إلى يومنا هذا بإصرارهم على المضي بدعوتهم حتى تصل إلى غايتها يقدمون التضحيات تلو التضحيات بأغلى ما يملك الإنسان، بحريته في سبيل فكرته وعقيدته، وها هم عشرات من الإخوان الذين تقدموا في السن وأثقلتهم الأمراض يدفعون ضريبة الدعوة في غياهب السجون. 

وأكتفي بمثال ذكره الإمام الشهيد كنموذج في «مذكرات الدعوة والداعية»:

«لاحظت أن الأخ الأسطى علي أبو العلا قد صار يتأخر نحوًا من نصف ساعة عن موعد اجتماعنا الليلي المحدد، فسألته عن السبب، فاعتذر ببعض الأعذار التي لا تستوجب ذلك، وبالبحث علمت وعلم الإخوان أنه قد خصه من الاكتتاب السابق «لدار الإخوان المسلمين في الإسماعيلية ومسجدهم» 150 قرشًا، ولما لم يكن عنده هذا المبلغ، فإنه قد اضطر إلى أن يبيع عجلته ويعود من عمله في نمرة 6 التي تبعد عن البلد 6 كيلو مترات ماشيًا، ودفع ثمنها مساهمة منه في اكتتاب دار الإخوان، وقد أكبر الإخوان في أخيهم هذا الصنيع، فاكتتبوا له في شراء عجلة جديدة قدموها هدية إليه تقديرًا لبذله الكريم وشعوره النبيل» «مذكرات الدعوة والداعية، ص 91، 92».

وقد يظن البعض أن المنفعة التي يطلبها هذا الصنف من الناس مادية فقط، وعلى ذلك يتسامح المسلم مع نفسه في المنافع المعنوية التي تتطلع إليها نفسه مثل: المراكز المرموقة، أو التقدم على إخوانه وأقرانه، أو الحظوة عند الناس، وهذا خطأ قد يصل بالأخ إلى حبوط عمله، وضياع جهده وثوابه، لذلك أثر في تاريخ الدعوة أنها تنفي خبثها، وأن المحن تصهر الرجال، وتبين الصادق من الكاذب، وصدق الله العظيم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ( العنكبوت: 2-3).

وساق الإمام الشهيد هنا مثالًا من السيرة سبق الإشارة إليه في هذه التعليقات، وهي قصة بني عامر واشتراطهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم الأمر من بعده، فردهم رسول الله الله بقوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128)، فرفضوا بيعته وعندما عادوا إلى قولهم، قال لهم شيخ منهم لم يحضر الموسم ووضع يده على رأسه: «يا بني عامر، هل لها من تلاف، هل لذناباها من مطلب، والذي نفس فلان بيده، ما تقولها إسماعيلي قط، وإنها لحق، فأين كان رأيكم عنكم؟» «الروض الآنف: ص 174».

ومعنى تلاف أي تدارك، وقوله: هل لذناباها من مطلب؟ مثل ضرب لما فاته منها، ومعنى قوله: ما تقولها إسماعيلي قط، أي: ما ادعى النبوة كاذبًا أحد من بني إسماعيل.

ومن قصص السيرة التي ينبغي الإشارة إليها في هذا السياق عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على كندة، والشاهد منها أنهم كانوا عاهدوا كسرى ملك الفرس، كما قال السهيلي في شرحه للسيرة النبوية: «وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي يدعونا إليه هو مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب، فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد، «وكان المتحدثون منهم: مفروق بن عامر، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك»، إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه» «الروض الآنف جـ 2 – ص 182».

فعلى الداعية أن يكون واضحًا كل الوضوح، مخلصًا لله تعالى فتنتقل بركة إخلاصه إلى المدعوين، رافضًا لأي مساومات حول هذا الشأن: أمر الانتفاع من وراء الدعوة بأي نفع مادي أو معنوي، وأن يفاصل كل نفعي لا يبغي من وراء انتسابه للدعوة إلا مصلحة نفسه، غير قادر أو راغب في التضحية بوقته وماله وجهده ونفسه في سبيل الله. 

وغني عن الذكر أن المطلوب في البداية هو الاستعداد النفسي مع القناعة العقلية والفهم الواضح، أما التثبيت فيكون من الله تعالى والتضحيات لا يستدعيها الأخ، بل تُفرض عليه فرضًا، فإن صدق الله في بداياته صدق الله عز وجل في طريق الدعوة فلا يخذله أبدًا، بل يُنزل عليه من الصبر والرضا والسكينة ما تقر به عينه، وينشرح له صدره حتى يختم له بخير.

 

٤ - المتحامل

هذا هو الصنف الأخير من أصناف الناس كما يريدهم الدعاة، ويقول عنه الإمام الشهيد: «وإما شخص ساء فينا ظنه وأحاطت بنا شكوكه وريبه، فهو لا يرانا إلا بالمنظار الأسود القاتم، ولا يتحدث عنا إلا بلسان المتحرج المتشكك، ويأبى إلا أن يلج في غروره ويسدر في شكوكه، ويظل مع أوهامه، فهذا ندعو الله لنا وله أن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، وأن يلهمنا وإياه الرشد، ندعوه إن قبل الدعاء، ونناديه إن أجاب النداء، وندعو الله فيه وهو سبحانه أهل الرجاء، ولقد أنزل الله على نبيه الكريم في صنف من الناس ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص: 56).

وهذا سنظل نحبه ونرجو فيئه إلينا واقتناعه بدعوتنا، وإنما شعارنا معه ما أرشدنا إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم من قبل: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

ويصف الإمام الشهيد هذا الصنف من الناس بعدة صفات أهمها :

- سوء الظن في الدعوة والدعاة بسبب الغرور والشك والوهم.

- التحدث في حق الدعوة والدعاة بما يسيء إليها ويشكك فيها .

ومع ذلك يصف العلاج في أمرين:

 الأول: الدعاء إلى الله عز وجل أن يوفقه لمعرفة وجه الحق.

والثاني: الأمل في استجابة هذا المتحامل وعدم فقد الرجاء فيه.

ويرافق ذلك كله شعور نفسي تجاه هذا الصنف بالحب والرجاء.

وشعار ذلك التعامل هو: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

وفي تقديري أن ذلك الصنف يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين:

1- الملأ من خصوم الدعوة سياسيًا أو فكريًا، وهؤلاء يعادون الدعوة خوفًا على مصالحهم، وهم يثيرون الشبهات دون انقطاع، وفي قصص الأنبياء والمرسلين ما يوضح هذه الحقيقة.

2 - الجمهور من الناس: الذي يتأثرون بتلك الشبهات، ويستمعون إليها، وقد لا يصلهم توضيح الدعاة، أو ترتبط مصالح بعضهم بالملأ فينا يرونهم ويستجيبون لإثارتهم فيقفون في الخندق المعادي أو المتحامل.

3- ويجمع هذين القسمين قضية الشبهات المثارة حول الدعوة والتي تتسبب في سوء الظن والنظر بمنظار أسود قاتم، ويحسن بنا هنا أن نفصل في موضوعين:

الأول: الشبهات وأنواعها.

الثاني: موقف الداعية من ذلك الصنف.

 

شبهات حول الدعوة

الشبهة هي ما يثير الشك والارتياب في صدق الداعي وأحقية ما يدعو إليه، فيمنع ذلك من رؤية الحق والاستجابة له أو تأخير هذه الاستجابة، ومصدرها غالبًا هم خصوم الدعوة أو الملأ، كما سماهم القرآن الكريم، ويرددها جمهور الناس وراءهم.

وإثارة الشبهات في وجه الدعوة أمر قديم مضت به سنة الله في العباد، فلا ينبغي أن يستغرب منها الداعي أو يضيق بها.

وجوهر الشبهات لا يتغير ولا يتبدل إنما الذي يتغير هو الأسلوب والكيفية، وهي أنواع: منها ما يتعلق بالداعي، يتمثل بالطعن في شخصه وسيرته وسلوكه، ومنها ما يتعلق بموضوع الدعوة، يتمثل في اتهامه بالابتداع والخروج على المألوف، ومنها ما يتعلق بالمدعوين يتمثل بإظهار الحرص على مصالحهم وملتهم والحفاظ على نعيمهم.

الرابط المختصر :