; مفرداتنا للقرن ۲۱ هل هي أقدار؟ | مجلة المجتمع

العنوان مفرداتنا للقرن ۲۱ هل هي أقدار؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 31-مارس-1998

أنت مفكر، إذن فأنت تعيس، أنت مبدع، إذن فأنت مضطهد، أنت حر، إذن فأنت متهم، أنت مسلم، إذن فأنت منبوذ ومطارد، أنت غيور على وطنك وقومك، إذن فأنت ثائر على النظام، أنت عصامي ومبتعد عن الفساد والمفسدين، إذن فأنت عقبة كؤود في طريق الإصلاح والمصلحين يجب إزالتها، أنت تتمتع برؤية مستقبلية للأمور، إذن فأنت مثير للقلاقل، أنت خلوق وصاحب قيم، إذن فأنت متخلف، أنت محافظ على هويتك وخصوصيتك، إذن فأنت ضد الانفتاح الحضاري والتقدم الفكري، أنت محافظ على النظام ومنفذ للقانون، إذن فأنت متزمت وجامد وحرفي وغير متجاوب، أنت داعية للإسلام وتطالب بالحكمة والموعظة الحسنة بتنفيذ أحكام الله، إذن فأنت عدو للجميع وسجين مستقبل، وفاتح الشهية للظلم القومي والأممي والعالمي، ومشروع لحرب تعلق عليها كل الأخطاء، ووسيلة لاستدامة الأحكام العرفية والاستثنائية، ومشجب يعلق عليه كل الفشل الاقتصادي والصناعي والاجتماعي إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، وفرصة للتحريض ضد الإسلام والمطالبة بتجفيف ينابيعه، ومدعاة لهياج الملحدين والمنافقين والزنادقة، ومجلبة لرزقهم الحلال الزلال على الوقوف والتصدي للأعداء  المغيرين وللغزو الإسلامي الذي لن يبقي ولا يذر. 

هذه المفردات التي طفحت على سطح المجتمعات البئيسة، وتقيأتها أمعاؤها المريضة ترسم مؤشرات خطيرة، وتدق نواقيس الخطر لتوقظ العاقلين في الأمة والباحثين المخلصين فيها لمحاصرة هذا الخراب في الطبيعة، وهذا الاعوجاج في السلوك الذي استعمل في تضليله وتزييفه كل أساليب الخداع والامتهان، وكان من تلك الأساليب والوسائل ما تعجز عن فعله حتى الشياطين والأبالسة ومردة الجان من ذلك

١– تزييف الوعي الفكري والسياسي لدى عامة الناس، بل محاولة محو هذا الوعي السياسي تماماً، وقد استخدمت كثير من السلطات في عهود مختلفة أساليب عدة لتحقيق ذلك الهدف مستفيدة من سيطرتها الشاملة على أدوات صناعة الرأي العام، منها:

أ- رفع الشعارات البراقة الخالية من المضمون مثل: المجتمع الحر، مجتمع الكفاية والعدل، عام الرخاء، الصحوة الكبرى، تحرير فلسطين، وإلقاء اليهود في البحر

ب – إطلاق الوعود المخدرة، والآمال العراض، وبسط الأحلام الوردية أمام الجماهير بغير عمل أو فعل أو خطة سليمة أو تفكير عملي للنهوض

٢- افتعال معارك وهمية وحقيقية مع القوى المعارضة لإلهاء الشعب واستخدام النظام لأداتين أساسيتين لقهر الأمة هما: جهاز الأمن، وآليات التشريع لحرصة على إيجاد جهاز تشريعي يساعده على إصدار القوانين التي يهواها، وهذا ما سمي فيما بعد به «ترزية القوانين»، واستخدام جهاز الأمن لا لكي يؤدي واجبه في حماية أمن البلاد، ولكن في حماية أمن الحاكم والنظام، وتعقب المعارضين وكتابة التقارير، وتدبير المؤامرات.

٣- الاعتماد في الحكم على النظام الدكتاتوري، فالحاكم فرد، هو الزعيم التاريخي، وهو الكل في الكل، فهو رب العائلة، ووالد الأمة، وهو رئيس السلطة التنفيذية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، والمجلس الأعلى للشرطة، والمجلس الأعلى للقضاء، والمسؤول الأول عن الوحدة الوطنية وسلامة الوطن، وأداء المؤسسات في الدولة، فالدولة هي الحاكم، والحاكم هو الدولة «بتاع كله».

٤-اصطناع الدعم والتأييد الشعبي، ومحاولة قسر الشعب على إظهار الولاء والتأييد بطرق مختلفة:

أ- عن طريق هياكل الدولة السياسية والاجتماعية ورصد الأموال والإغداق على المحاسيب وغيرهم.

ب- عن طريق الاستفتاءات المزيفة التي لا تقل نسبتها عن ٩٩,٩٩٩٪.

ج- عن طريق الزخم الإعلامي والشعارات التي تنطلق ليل نهار «بالروح بالدم نفديك».

٥- إفراغ سلطات الدولة من محتواها الحقيقي، ومحاولة إجبارها على الدوران في فلك النظام، مثل الالتفاف على القضاء... تشريد الكتاب والصحفيين، ونقلهم إلى أعمال إدارية.... محاولة خلق أحزاب ديكورية كرتونية... حصر دائرة اختبار المسؤولين في دوائر المحاسيب والأقارب والمرتزقة.

 وكان لابد أن تجني الأمم الشوك والحنظل، وأن ينخسف كل شيء فيها انخسافًا يدير الرؤوس، فمثلًا يمكن تلخيص هذا الانحسار والانخساف في معظم البلاد التي تدعي التقدمية بعد حكم ٤٥ عاماً من النظم القومية في كلمة واحدة «مجتمعات الأزمات» أزمات سياسية، أزمات اقتصادية، أزمات أخلاقية، أزمات أمنية، أزمات اجتماعية.

أما عن الأزمات السياسية فالحديث فيها ذو شجون، ويعرفه القاصي والداني، وتسير بفضائحه الركبان.

وأما عن الأزمات الاقتصادية، فقد انحسرت نسبة النمو الاقتصادي، وهبط مستوى دخل الفرد في تلك البلاد إلى ما تحت خط الفقر، حتى في بعض الدول البترولية، كما تنعم جل تلك البلاد بنسبة بطالة رهيبة تصل إلى ٣٠% وبديون خارجية تصل فوائد أقساطها في بعض البلاد إلى 9مليارات دولار.

 وأما عن الأزمات الأمنية، فها هي الساحة تشهد كل يوم ما تقشعر منه الأبدان، وتغلي البلاد غليانًا قد يقضي على الأخضر واليابس، وقد بدأت بعض البلاد العربية في التطبيع مع العدو الإسرائيلي، بينما هي تشتبك كل يوم مع أبنائها ولا تريد التطبيع معهم ولا مع القوى الوطنية المخلصة والفاعلة.

وأما عن الأزمات الأخلاقية والاجتماعية فانتشار الفساد والرشوة والمحسوبية وسرقة ونهب المال العام شيء لا يُعد ولا يحصى، حتى دفع ذلك مدير إدارة مالية في بعض الدول الكبرى إلى القول: ماذا أفعل؟ «البلد مليانة حيتان» هذا ناهيك عن انتشار المخدرات، وشيوع الجريمة، وانتشار العنف والعنف المضاد، وشيوع الفساد الخلقي في أوساط النخبة، كل هذا والمفردات اللعينة التي تنحي المخلصين والعاملين وتطاردهم مازالت مشرعة الرؤوس عالية الأعلام، فكيف ندخل القرن الحادي والعشرين بهذا الفهم وهذه الحالة، وتلك الأوضاع الخاطئة؟ 

إن أعداء الأمة المتربصين لا يرعون في أحد إلا ولا ذمة، ويعدون العدة ليلًا ونهارًا، ويرسمون الخطط سرًا وجهارًا لمحو تلك الأمة المهمشة، وضرب قوتها، والاستيلاء على مقدراتها واستعبادها، وما تفعله إسرائيل اليوم في حصار الأمة اقتصاديًا بالسوق الشرق أوسطية، وحربيًا باختراق الأمة، واحتلال جزر البحر الأحمر لتسيطر عليه، وسيطرتها على دول أعالي النيل والحبشة، ومحاولة النفاذ إلى الصومال، هذا وغيره مقدمات يتبعها حلقات وحلقات، فهل نصحو وتتغير مفرداتنا استعدادًا لقرن قادم؟ أم أن هذا هو قدرنا؟ وما أظنه كذلك، لأن غدًا لناظره قريب وسيفرح المؤمنون بنصر الله.

الرابط المختصر :