; مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان مفهوم العلاقات الدولية في الإسلام (الحلقة الأولى)

الكاتب د. سعيد حارب

تاريخ النشر الأحد 01-مارس-1992

مشاهدات 67

نشر في العدد 991

نشر في الصفحة 26

الأحد 01-مارس-1992

 

مقدمة

عاشت البشرية فترة من الزمن في مجموعات صغيرة لا تربطها رابطة ولا يجمعها هدف، تنطوي كل فئة منها على نفسها؛ لتدير شؤون حياتها بمعزل عن غيرها من المجموعات الأخرى. "وكانت رابطة الوحدة في الاجتماع البشري محصورة في البيت «العائلات»، ثم اتسعت فصارت في القبائل، ثم اتسعت بناموس الترقي فكانت الشعوب والأمم الكبيرة، التي وحدتها الجنسية أو اللغة أو الدين أو البلاد «الوطن»، وكان الدين خالصًا لا يتعدى الشعب، الذي وُجِدَ فيه إلى أن ظهر الإسلام"(1)، فدعا إلى توحيد البشرية تحت لواء واحد هو لواء العبودية لله -سبحانه وتعالى- تنفيذًا للأمر الإلهي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، فحمل المسلمون لواء الدعوة للعبودية الخالصة لله وحده دون شريك، فأبت الدعوات الباطلة والأهواء الزائفة أن تستجيب لهذه الدعوة، وحشدت حشودها للقضاء على دعوة التوحيد في مهدها، فكان الصراع بين الحق والباطل على جبال مكة وفي شعابها، وانتصر الحق على الباطل على الرغم مما تحصَّن به الباطل من قوة وسلطان وطغيان، إلا أن سنة الله قد مضت في انتصار الحق دائمًا أو في خاتمة المطاف.

 

وعلى الرغم مما لقيته الفئة الأولى من المؤمنين في مكة من صنوف العذاب والترهيب، إلا أنها صبرت على الأذى، وتحملت المشاق في سبيل نصرة التوحيد، وكان صبرها وتحملها إيذانًا بفتح صفحة جديدة من صفحات التاريخ؛ ليسجل فيها بِمِدادٍ من نور إشراقة عهد جديد على البشرية، عهد ترتفع فيه دعوة الإيمان وتتهاوى معه عروش كسرى وقيصر؛ ليقوم صرح التوحيد على ربوع الجزيرة العربية، ويمتد بظلاله الوارفة في مشارق الأرض ومغاربها.

 

ووجدت دعوة التوحيد في أرض الإيمان بالمدينة المنورة مُنطَلَقًا لها، فرحل المؤمنون الأوائل بقيادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الأرض الجديدة؛ لنشر الإسلام، فالأرض كلها لله، وإذا ضُيِّقَ على دعوة التوحيد في موقع، فإنها تنطلق من موقع آخر.

 

وتم بناء دولة الإسلام على يد محمد -صلى الله عليه وسلم- لتعلن للبشرية أن كل المبادئ والأديان التي حرفها أتباعها لا مكان لها في العهد الجديد، فلا يُقبَل من البشرية جمعاء، إلا أن تُسلِم لرب العالمين، فكان النداء الخالد: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (آل عمران:19).

 

وقد رفض الإسلام قبول أي عقيدة أو دين بجانبه؛ لأنه خاتم الرسالات وكمال الأديان، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين} (آل عمران:85)، ولذا فلم يَبْقَ أمام البشرية إلا أن تختار أحد السبيلين إما الإسلام واتباع الهدى، فتكون من الفئة الناجية -بإذن الله-، وإما أن تختار غير ذلك، وقد انقسم الناس أمام هذه الدعوة إلى فئتين، فكانت الفئة الأولى هي التي استجابت لدعوة التوحيد، وأيقنت بأنه لا نجاة لها إلا بالإسلام، وحملت رايته لتدافع عنه في كل أرض.

 

وبقيت الفئة الأخرى على كفرها ورجسها ترفض الانصياع لدعوة الله -سبحانه وتعالى-، وأمام هذا الموقف تشكلت الدولة الإسلامية من الذين التزموا بالإسلام عقيدة وشريعة، وعاشت الدولة الإسلامية خلال عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- والخلفاء الراشدين من بعده دولة قوية بالله، ثم بإيمانها وبرجالها، ففتحت الأرض باسم الله ولنشر الإسلام، ثم تلت بعد ذلك دول إسلامية مختلفة مرت بمراحل قوة ومراحل ضعف.

 

الدولة الإسلامية دولة عقيدة

والدولة الإسلامية دولة عقيدة أولًا، فهي ليست دولة مصلحة، أو دولة مرحلة، وليست دولة قبيلة أو طائفة أو قوم.

 

ثم إن هذه العقيدة – ثانيًا - عقيدة من نوع خاص -إن صح التعبير- بمعنى أن لهذه العقيدة مواصفات وخصائص ومزايا!، ويكفي أن نشير هنا إلى أنها عقيدة إنسانية عالمية، وعقيدة سماوية محفوظة، وخاتمة لا تلحقها عقيدة أخرى.

 

هذا إلى جانب خصائص الشريعة الإسلامية في عباداتها ومعاملاتها على حد سواء؛ ولذا فقد اختلف أسلوب العلاقات، التي أقامتها الدولة الإسلامية مع غيرها من الأمم تبعًا لاختلاف أصول هذه العلاقات، وهي الإسلام من جانب الدولة الإسلامية، والأنظمة الوضعية أو الدينية المحرفة، التي كانت تقوم عليها الدول الأخرى، ولم يقف الإسلام عاجزًا أمام المسائل، التي كانت تستجد في علاقاته مع الآخرين سواء كان من خلال العلاقات الحربية أو السلمية، التي كانت تمر بها الدولة الإسلامية في مراحلها المختلفة.

 

فقد واجه الإسلام -منذ نشأة دولته- أحداثًا سياسية وعسكرية، واستطاع أن يتجاوز هذه الأحداث، وأن يجد لها الحل المناسب، فكانت هناك المعارك الحربية التي خاضها المسلمون مع أعداء الدولة الإسلامية، الذين حاولوا القضاء عليها، واجتثاثها من الوجود.

 

كما واجه الإسلام أحداثًا سياسية كذلك، واستطاع أن يتعامل معها بأسلوب يختلف عما كانت عليه الدول السابقة، فعقد المعاهدات، واستقبل المستأمنين، وأعان الضعفاء، وتحالف مع القبائل، وأقام العلاقات الخارجية، كل ذلك بتصور إسلامي مستمد من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

 

ولذا فلا يمكن القول بأن الدولة الإسلامية لم تعرف العلاقات مع غيرها من الدول، وإذا كان الاختلاف قائمًا بين المفكرين المسلمين حول طبيعة هذه العلاقة، فإن ذلك لا يعني نفي الفكرة لذاتها، فالمسلمون الأوائل منذ عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أقاموا علاقات واسعة مع الدول، التي كانت قائمة في ذلك الوقت مثل الدولة البيزنطية والدولة الفارسية، "والحق إن المعسكر البيزنطي – النصراني - هو الذي حظي بالقسم الأعظم من حركة الرسول العالمية المعروفة في التاريخ باسم «مكاتبة الملوك والأمراء»، ربما لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أدرك الوشائج التي تربط الإسلام بهذه الجبهة باعتبارها تنتمي إلى دين سماوي تنص مصادره الدينية على نبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذه ستقودهم إلى تفهم دعوته التي انطلق بها سفراؤه إلى ملوك وحكام هذا المعسكر، فضلًا عن قربه الجغرافي من شبه الجزيرة إلا أن ردود الفعل النصرانية لم تكن سواء، وتدرجت بين الانتماء إلى الدعوة الجديدة أو الموقف الودي منها، وبين الرفض الغاضب الوقح!"(2).

 

علاقات "دولية" سابقة لقيام الدولة!!

بل إن بعض الباحثين يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يقولون: إن أصول العلاقات الدولية الإسلامية بدأت قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، وترجع تلك البدايات إلى قيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلقاء القبائل الوافدة إلى الحج ودعوتها للإسلام أو الذهاب إلى مواطنها ودعوتها للإسلام، ولا شك أن مثل هذه الاتصالات المبكرة التي بدأت قبل قيام الدولة الإسلامية، وكذلك الهجرة إلى الحبشة، وما تبع ذلك من محادثات ولقاءات واتصال بين الجماعة المسلمة المهاجرة والحكومة الحبشية، كل ذلك كان يشير إلى "ثمة سياسة خارجية للإسلام أو ملامح لها، قد ظهرت حينئذ في مكة ستؤدي إلى إعادة النظر في النهج القرشي التقليدي القائم على أساس التوازن، إن لم نقل الحياد، في العلاقة مع القوى المهيمنة على خطوط التجارة، لا سيما المتصلة بأسواق الشام، فقد كانت الدعوة الإسلامية الراصدة عن كثب ما يجري على تخوم شبه الجزيرة وأطرافها تطرح نفسها، القوة الدولية البديلة"(3).

 

ومع وضوح هذه العلاقات التي تمت خلال العهد المكي للدعوة الإسلامية إلا أننا لا يمكن أن نعتبر ذلك صورة من صور العلاقات، التي تتم بين الدول، فالركن الأساسي لهذه العلاقة وهو الدولة الإسلامية لم تتشكل بعد بصورة "رسمية" واضحة يصبح معها إطلاق مفهوم العلاقات أمرًا طبيعيًّا على هذه الصورة من صور الاتصال بين الأطراف، كما أنها كانت اتصالات لتعريف القبائل بالإسلام وليس لإقامة علاقات دولية معها.

 

وإذا كان الرأي في العلاقات -خلال المرحلة المكية- كذلك إلا أننا لا يمكن أن نغفل الدور الذي تميز به العهد المدني في ربط العلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول "فالعصر المدني، على خلاف العصر المكي، غني بالروايات والأحداث التي تلقي ضوءً شاملًا على العلاقات بين الطرفين، سيما وأن الإسلام كان قد تمكن آنذاك من بناء دولته التي تتجاوز في سياستها وعلاقاتها الحدود الإقليمية والقومية صوب العالم المحيط؛ حيث تقع الدولة البيزنطية وحلفاؤها العرب، وهم جميعًا محسوبون على المعسكر النصراني"(4).

 

والدولة الإسلامية حين تنطلق في الإطار الخارجي، لتقيم علاقات مع غيرها من الدول، فإنها تنطلق في ذلك من موقف قوي، وهو أنها صاحبة المبادأة في هذه العلاقات تحقيقًا لغايات سامية ترتبط بالمنهج، الذي قامت عليه الدولة الإسلامية وهو الدعوة إلى الله، فالدولة الإسلامية لم تنشأ لديها مسألة هذه العلاقات لتحقيق مصالح دنيوية مادية، ولكن لتؤدي الغرض الذي قامت من أجله، وهو السيادة الإسلامية في أرجاء المعمورة.

 

وإذا كانت الدول ذات المناهج العقدية تسعى لنشر مبادئها وأفكارها بين الدول والشعوب الأخرى من خلال العلاقات معها على الرغم مما تتصف به هذه العقائد من زيف وضلال، وعلى الرغم من الأساليب غير الشرعية، التي يتوسل بها إلى هذا النشر، فإن الإسلام أسمى من ذلك كله، فهو يسعى لنشر دعوته بين جميع الناس وإيصالها إلى كل الأمم، ويتخذ لذلك الأسباب المشروعة المختلفة، فالعلاقات الخارجية للدولة الإسلامية تقوم بدور كبير في تحقيق الأغراض، التي جاء من أجلها الإسلام، تهيئ الظروف العامة، وتفتح الطريق أمام الدعاة، وتنظم العلاقة التي تحمي هذه الدعوة، ومن هنا فإن "فهم السياسة الخارجية أمر جوهري لحفظ كيان الدولة الإسلامية، وأمر أساسي للتمكن من حمل المبدأ، الذي تعتنقه الأمة إلى العالم، وهو عمل لا بد منه لتنظيم علاقة الأمة بغيرها على وجه صحيح، ولما كانت الأمة الإسلامية مكلفة بحمل الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة كان لزامًا على المسلمين أن يتصلوا بالعالم اتصالًا واعيًا لأحواله، مدركًا لمشاكله، عالمًا بدوافع دوله وشعوبه، متتبعًا الأعمال والخطط والمناورات السياسية، التي تقوم بها هذه الدول"(5).

 

عندما تحولت الدولة إلى دويلات

وعلى مبدأ الاهتمام بالسياسة الخارجية، وتوطيد دعائمها؛ لتحقيق الأغراض الإسلامية سارت الدولة الإسلامية النبوية، ثم الراشدة، ثم ما تبعها من الدول الإسلامية المتلاحقة، التي كانت تعطي سياستها الخارجية اهتمامًا لا يقل عن اهتمامها بالسياسة الداخلية، ثم دالت دولة الإسلام بعد أن اجتمعت عليها قوى البغي من كل جانب، وتآمر عليها المتآمرون من الداخل والخارج، وتوزعت الرقعة الإسلامية إلى مساحات ضيقة من الأرض تعيش عليها مجموعة من المسلمين الذين لا يرتبطون مع غيرهم من المسلمين إلا كارتباطهم بعامة الدول غير الإسلامية، ولذا فإن الواقع الذي عاشته الأمة الإسلامية في عهودها المتأخرة -وما زالت- لا يمكن أن يعتبر النموذج الصحيح، الذي تُقاس عليه الأحكام، فهو أمر طارئ، فالتفرق والشتات الذي أصاب الأمة الإسلامية لا يمكن أن يعتبر أصلًا، بل هو أمر خارج عن إرادة الأمة، التي بنى صرحها محمد -صلى الله عليه وسلم-.

 

فالأمة الإسلامية لا يمكن أن تكون دويلات تتناحر فيما بينها، بل هي في حقيقتها أمة واحدة، تتعاون فيما بينها وتسودها الأخوة والمحبة، التي تنطلق من الإسلام ويحكمها نظام واحد هو شريعة الله، وتجمعها أرض واحدة، ولا تقبل أي صورة من صور التفرق.

 

ولذا فإن الواقع المعاصر الذي تعيشه الأمة الإسلامية لا يمكن أن يُقاس عليه، بل يجب الرجوع إلى أصول المنهج الإسلامي، الذي بُنِيَت عليه الدولة الإسلامية، فواقع "الأمة الإسلامية بعد ضياع الخلافة منها، وقيام الدولة في أرضها على أسس وطنية لا على أساس عقائدي إيماني، وإزاحة التشريع الإسلامي الواحد من منصة الحكم، ومزاحمة القوانين الأخرى للتشريع الإسلامي نشأت بسببه أوضاع بعيدة كل البعد عن تشريع الإسلام وروحه"(6).

 

لقد تغيرت حياة الأمة الإسلامية، ودخلت عليها أفكار ومبادئ مختلفة وسادها القانون الوضعي، ولم يبق من تطبيق الإسلام في بعض البلدان الإسلامية إلا مظاهر شخصية من الشعائر والعبادات أو تطبيق جزئي في مسائل الطلاق والزواج، وهو ما يعرف "بالأحوال الشخصية".

 

لذا لا يمكن لأي إنسان أن يأخذ الواقع الذي تعيشه هذه الأمة، ويبني عليه أحكامًا أو يجعله ميدانًا للتحاكم والقياس عليه.

 

بين الإسلام والقوانين الوضعية

ولقد كان الإسلام قد سبق في وضع الأصول الثابتة للعلاقات، التي يمكن أن تقيمها الدول مع غيرها على أسس ومبادئ تميز بها عن غيره من الأنظمة، إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن المشتغلين بالقانون الدولي يعزلون التصور الإسلامي للعلاقات الدولية، التي تعتبر من ملامح الحضارة الإسلامية، بل من أساسيات المفهوم الإسلامي للحضارة، "ويكاد يتفق علماء التشريع في الغرب على أن مبادئ القانون الدولي العام مبادئ حديثة ابتدعتها أوروبا في العصر الأخير، وهو قول صحيح ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط تاريخ الحضارة الإسلامية؛ حيث إن النظام الدولي لم يكن معروفًا خارج هذا المحيط، لا في العصر القديم اليوناني والروماني، ولا في العصور الدينية الأولى في اليهودية والمسيحية"(7).

 

ويتوقف العلماء الغربيون عند دراستهم للقانون الدولي عند الفترة المتأخرة من تاريخ أوروبا؛ حيث يعتبرون أن هذه الفترة كانت فترة نشوء القانون الدولي ووضع أسسه وأنظمته"(8).

 

ويحاول فقهاء القانون الدولي أن يحددوا نشأة هذا القانون بمعاهدة "وستفاليا Westphalie" عام 1648م - 1058هـ(9)، التي وضعت الأصول الأولى للعلاقات بين الدول، كما يحاول فقهاء القانون الدولي عقد مقارنات بين أسس العلاقات الدولية ووسائلها وأهدافها في الإسلام، وبين القانون الغربي، فتبدو أمامهم مواطن الخلاف التي لا يمكن أن يلتقي فيها الإسلام مع القانون الدولي العام، "ذلك لأن الشريعة -في نشأتها وطبيعتها وخصائصها، وكذلك في صياغتها كما هي في قواعدها وأهدافها تختلف جوهريًّا عن القانون الروماني، الذي كان سائدًا في الشرق الأدنى عند قيامها، والذي كان المصدر الرئيسي لمعظم النظم الأوروبية وللقانون الدولي نفسه، فالشريعة الإسلامية نظام قانوني أصيل ومستقل بقواعده ونظرياته، بل هي في الواقع المصدر الأساسي لمبادئ القانون العامة، التي أخذت بها النظم القانونية للدول المتحضرة الحديثة"(10).

 

وإذا كان موقف فقهاء القانون الدولي من النظام الإسلامي للعلاقات الدولية يحاول أن يتجاهل هذا النظام، فإن الواقع العلمي يخالف ذلك، فالمكتبة الإسلامية زاخرة بمؤلفات المتقدمين والمتأخرين من الباحثين المسلمين في ميدان العلاقات الدولية، وإذا لم يكن التصنيف الموضوعي قد أخذ صورته الحديثة، إلا أن البحث في ميدان العلاقات الدولية أو ما أطلق عليه "السير" قديمًا أخذ بابًا واسعًا في الفقه الإسلامي.

 

"يتبع"

 

الهوامش

 

(1) شبهات النصارى وحجج الإسلام، محمد رشيد رضا، ص: 100.

(2) دراسات في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص: 285.

(3) من الحاضرة إلى الدولة في الإسلام، د. إبراهيم بيضون، ص: 83.

(4) دراسات في السيرة، د. عماد الدين خليل، ص: 282.

(5) السياسة والسياسة الدولية، سميح عاطف الزين، ص: 20.

(6) الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي، عبد الرحمن عبد الخالق، ص: 52.

(7) أسس مفهوم الحضارة في الإسلام، سليمان الخطيب، ص: 227.

(8) انظر الوسيط في القانون الدولي العام، د. محسن الشيشكلي، ص: 324.

(9) انظر مبادئ القانون الدولي العام في السلم والحرب، د. إحسان هندي، ص: 28.

(10) الشخصية الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، د. محمد كامل ياقوت، ص: 375.

الرابط المختصر :