; مفهوم العلم.. في ذاكرتهم وفي مخيلتنا | مجلة المجتمع

العنوان مفهوم العلم.. في ذاكرتهم وفي مخيلتنا

الكاتب نشأت محمد رضا ظبيان

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-1987

مشاهدات 66

نشر في العدد 829

نشر في الصفحة 42

السبت 01-أغسطس-1987

  • لا بد من إعادة النظر فيما نتلقنه من علوم لئلا نكون عالة على الآخرين في كل المنجزات الحضارية.

يتوارى مفهوم الألفاظ المعنوية بتخلف الأمم وتتناسب قوة هذا المفهوم وارتقاؤه مع ارتقاء وعي الناطقين باللغة وتتسع دلالته باتساع طاقاتهم في الفهم والاستيعاب، لأن تحديد المفهوم يتبع إلى حد كبير المستوى الفكري والتصور الذهني القائم في الأفراد أو في جيل من الأجيال، فإذا ما أردنا تحديد مفهوم العلم بدقة على ضوء ما حققه أجدادنا من حضارة وابتكار في مقياس خاضع للمنطق ودقة الملاحظة لوجدنا أن هذا المفهوم يختلف في مخيلتنا اختلافًا بينًا عما حظي به من إدراك أجدادنا القدامى، حين ارتقى الدين الإسلامي بدلالته ليجعلها بحثًا ميدانيًا تجريبيًا مدعومًا بأعمق طاقات الفرد الإبداعية وبأدق أحاسيسه الوجدانية، مجتلى بأسمى أهدافه الإنسانية وأكثرها ملاءمة للحقيقة والواقع والمصلحة العامة.

لقد فتق الدين الإسلامي حين كان غضًا في النفوس جميع المواهب والطاقات والمشاعر الإنسانية الخيرة وأخضعها لخدمة العلم، ولتدعيم المصلحة الاجتماعية، وربطها جميعًا في مركز تتجدد فيه أهداف الناس جميعًا وآمالهم دون تمييز بين الطبقات والجنس والألوان، لينفي بهذه الحكمة البالغة التناقض المتأتي عن صراع المصالح الغريزية الفردية جاعلًا من هذا الملتقى الواقي سبيلًا لله.

فانبرت المذاهب المسلمة تعمل لقاء وجهه الكريم في خدمة المجموعة البشرية منوعة الوسائل والطرائق، فتفجرت عن هذا التصور الخير أرقى الحضارات وأسماها، وأسمقها بنيانًا وأكثرها نفعًا واستمرارًا.

والأمر اللافت للنظر هو ائتساء المبدعين من علمائنا بالشريعة الإلهية وتأدبهم بالتأديب الرباني ليكون معينًا سائغًا لنبوغهم وارتقائهم.

لقد أتى الدين الإسلامي نورًا كاشفًا ليطلعنا على كل قويم من السبل، ومن القرآن الذي كرمنا الله بهديه آيات تبني الشخصية العلمية رصينة بعيدة عن الريب والارتياب بعيدة عن الضعف والتخلف والتخاذل في كلتا القوتين البناءتين الذهنية والجسمية.

ولكي نقترب من الموضوعية لا بد لنا من فكر حصيف يكتشف صلة القربى بين مبادئ الوحي وبين ما اتبعه علماء المسلمين قديمًا في مناهج التعلم والتعليم والتأليف والبحث والدراسات والابتكار والإيجاد.

لقد ظهر أسلوب البحث العلمي مرتبطًا بالدين الإسلامي منذ أربعة عشر قرنًا مع ظهور القرآن الكريم بقوله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(1) (الإسراء: 36).

هذا الفراغ المتوالي في آيات أخر بينات على جدار الذهن البشري أخذ بيد الرجل العامي والعالم على السواء، وارتقى بالأمة جمعاء لتعرف مواطن الحقيقة ومواضع الحق خارج النفس وداخلها، فتتدبر الحكمة والهدف بتدبر هذا القول الكريم، محملًا النفس روحًا وحواس مسؤولية المعرفة على حين جعل الحكم الفصل للقلب موطن العرفان ومستقر الضمير والوجود، فلنقارن بعد هذا بإرشاده تعالى أقوال علماء اللغة والفكر بعدما تعرفوا على إعجاز الدين الإسلامي فاستبانوا جراء إيغالهم بأغوار مبادئه ما أتى به من أسس حضارية فكرية لا تبارى.

يقول الجاحظ: «ولعمري إن العيون لتخطئ وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل، إذ كان زمامًا على الأعضاء وعيارًا على الحواس»(2).

لقد سلك الجاحظ طريق المنطق والعقل فكان رأس مدرسة المتكلمين، واعتبر النظام الشك أساسًا للبحث، وعمد إلى التجربة واستخدام المنطق في البحث عن الحقائق، وحين أخذ أبو بكر الرازي كتب من سبقه من علماء اليونان تناولها بالنقد والدراسة والشك والتنقيب والتصحيح دراسة تشترك فيها حاسة السمع والبصر والرقابة الذهنية، «فاتسعت مجالات الابتكار العلمي أمام العلماء المسلمين، إذ وضع ابن سينا أصولًا لعلم الطبيعة والنبات والحيوان، وأتى في الطب بتجارب قيمة»(3) وبقي كتابه القانون معينًا للطب التجريبي في بعض جامعات العالم حتى وقت قريب.

«وهدم عبد الحق بن سبعين المرسي «669هـ» المنطق الأرسطي وحاول وضع منطق جديد على أساس إشراقي»(4).

«وذهب ابن حزم إلى حرمة التقليد، وكذلك ذهب ابن تيمية إلى وجوب الاجتهاد للقادر، وعن هؤلاء الأعلام من العلماء المسلمين أخذ بيكون وإليهم رجع(5) تلك نظريات علمية موضوعية وإنجازات فكرية قيمة أتت لتجسد الإرادة الإلهية امتثالًا لدعوة التفكر وإعمال البصيرة، إنجاز علمي أنتجه علماء المسلمين في أعداد ضخمة من تأليفهم لا يكاد يحصرها عد، ولم يجتمع لمكتباتنا منها حتى هذا الحين إلا الضئيل ذاك الذي نجا من أيدي الغزاة والمختلسين والأمثلة كثيرة في النظريات المختلفة التي وضعها المسلمون والميادين التجريبية المختلفة التي سلكوها تلك التي نتأبى على التعريف لشهرتها.

إن ما أتى في كتابنا الكريم من تقريع وجداني(6) وتوجيه روحي يحث على الارتقاء والتسامي بدا واضحًا في نفوس علمائنا، وقد زهدوا في أعراض الدنيا الفانية فاجتهدوا بتلبية الدعوة الإلهية(7) ليبنوا الفكر المتحضر والحضارة المادية معًا والروحية على مستوى رائع.

ولا سيما إن الدعوة اتجهت إلى الناس جميعًا بعامة وإلى أصحاب الشخصية الداخلية العامرة الخالية من الضعف النفسي والتخلف الوجداني والوهن الفكري بخاصة، لقد حمل أولو الألباب مسؤولية التبصر(8) بشكل خاص ووجد فيهم الزمرة التي تقوي على الوعي الكامل وحمل الأمانة كاملة خالية من كل نقص.

من هنا انبثق الفكر الواعي والحياد العلمي لدى علمائنا، ومن هنا نشأ تأبيهم على التبعية الفكرية واعتزازهم بشخصيتهم المسلمة المتجردة المبتكرة «فنشأت علوم جديدة اشتقت من العلوم الشرعية من بينها علوم الأخلاق، والفلسفة، وآداب الملوك، وقيادة الحروب، وتعبئة الجيوش واستعمال الأسلحة وتدبير المال والتجارة والصناعة والزراعة، والبحث عن معرفة أسباب العمران، واتسع مجال البحث في الطب والهندسة والفلك والجغرافيا والطبيعة والكيمياء وفن الحيل «الميكانيكا» والحساب والجبر وعلم النفس والمنطق وسائر العلوم الحكمية الدخيلة المترجمة»(9).

والجدير بالذكر أن ما أخذه المسلمون عن الحضارات الأخرى ليس إلا بنسبة البذرة إلى الشجرة الباسقة قياسًا بما أنتجوه من علوم متنوعة استحدثوها وأوجدوها، «فكان المسلمون أسبق من نيوتن في كشف قوانين الجاذبية، وكان الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال أسبق من ديكارت بمئات السنين»(10).

وأتت التجارب الضابطة التي لجأ إليها الرازي للتأكد من عمل العقاقير وتأثيرها أسبق من أي وجود للطب التجريبي.

وفي كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للعالم زكريا بن محمد بن محمود القزويني (605-862ه) (1208-1283م) مصداق ما أتينا به، لقد أتى كتابه هذا نتاج هذه النظرة الثاقبة المتفحصة، وفي عرض بعض ما أتى في الكتاب ما يغنينا عن الإثباتات العديدة المتفرقة التي تسيء بينابيع الحكمة والمعرفة عند علماء العرب المسلمين، يقول القزويني الذي ينتمي بنسبه إلى أنس بن مالك الأنصاري البخاري:

«كنت مستغرقًا بالنظر في عجائب صنع الله في مصنوعاته وغرائب إبداعه في مبتدعاته كما أرشد سبحانه إليه حيث قال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (ق: 6) وليس من النظر تقليب الحدقة حولها فإن البهائم تشارك الإنسان فيه، ومن لم ير من السماء إلا زرقها ومن الأرض إلا غبرتها فهو مشارك للبهائم في ذلك وأدنى حالًا منها وأشد غفلة، كما قال تعالى ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ …﴾ إلى أن قال ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾(11) (الأعراف: 179) والمراد من هذا النظر في المعقولات والنظر في المحسوسات والبحث عن حكمتها وتصاريفها ليظهر له حقائقها فإنها سبب للذات الدنيوية والسعادات الأخروية»(12).

لقد فجرت آية واحدة ينابيع الفكر الحر البعيد عن التبعية في ذهن هذا العالم المؤرخ الجغرافي إذ عالج في هذا الكتاب موضوع اختلاف الكواكب وأفلاكها، ورصد قسمًا من بحثه لفلك الشمس ومسيرها في الطلوع والغروب وأوضح زوايا ميلها على مدار السنة وأثر هذه الزوايا في ظهور الفصول الأربعة وانعكاس نورها على القمر، وأشار إلى حالات الخسوف والكسوف وما يلحق بالفضاء، من نجوم وغيوم، ورعود وبروق، وما يخص الأرض من جبال وبحار ومخلوقات ومعادن أودعها الله في أدمتها ونبات مختلفة أصنافه وأشكاله وألوانه.

عرف أجدادنا مفهوم العلم متكاملًا فأوجدوا وابتكروا وأبدعوا، واتخذنا من هذا المفهوم الأقرب إلى السهولة والدعة، فلبثنا نغوص في حدود المعرفة العادية الساذجة في أغلب ما يصل إلى أذهاننا من علوم نظرية، بعيدين عن الإيجاد والابتكار في العلوم التطبيقية وفي المجالات الميدانية التجريبية وما زلنا نتلقى أغلب العلوم دون أن يكون لنا فيها نصيب من رأي أو تجربة أو شرف في إبداع.

والعلم هذا الذي ليس له إلا نصيب الاستذكار والاسترجاع من دون الكشف والتنقيب والاختبار وإيجاد الجديد الذي ينم عن شخصيتنا المسلمة ومتطلبات حياتنا وضروراتنا البيئية والحياتية هو علم ناقص ومعرفة لا ترقى بنا، لأن العلم كما عرفه علماؤنا القدامى تنقيب وإيجاد، وإضافات جديدة إلى ما وصل إلينا من علوم لا تقليد واقتداء فحسب، وهو كما عرفه ابن خلدون حصول الملكة، والملكة المبدعة التي عناها ليست إلا وليدة الممارسة والتجريب والاختبار المبدع المتقصي للجديد في كل فرع من فروع المعرفة.

لهذا لا بد لنا من إعادة نظر فيما نتلقنه من علوم وما نمارسه ممارسة ميدانية، لئلا نكون عالة على الآخرين في كل المنجزات الحضارية، ولا بد لنا من إيجاد تنظيم دقيق لها كمًا وكيفًا وتطبيقًا، لنجعلها تتحدى طاقات الأجيال بالممارسة والعمل المجدي المثمر المؤدي إلى حدوث ملكة الإبداع.

الرابط المختصر :