; مقاصد القرآن الكريم.. صفحة من الوطنية في كتاب الله | مجلة المجتمع

العنوان مقاصد القرآن الكريم.. صفحة من الوطنية في كتاب الله

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004

مشاهدات 53

نشر في العدد 1621

نشر في الصفحة 56

السبت 02-أكتوبر-2004

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة البقرة: 246- 248).

(1)
كان موسى في بني إسرائيل هاديًا مرشدًا يقودهم إلى الخير، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويبلغهم أمر الله، فكان نعم الزعيم لهم، ونعم الباني لأمتهم، حررهم الله على يده من خصومهم ورد عليهم ملكهم ووطنهم، وأعادهم أمة مجيدة كما كانوا من قبل.
وذهب موسى وقضى هارون فدب إليهم داء الأمم، شاخت الأمة، وكبرت وتلهت عن الحق فضعفت فسلط الله عليها أعداءها يقضون، على حريتها ويخرجونها من ديارها وأبنائها، تركت بنو إسرائيل التوراة وأحكام التوراة وتشريع التوراة فغزتهم العمالقة، واقتحموا ديارهم، واستعمروا أوطانهم، واستأثروا بها دونهم فانظر كيف يكون جزاء الأمم إذا أهملت شأنها، وخرجت على مقوماتها؟

(2)
أخذ العقلاء من الشعب يفكرون في شأنهم ماذا يكون موقفهم؟ أيقرون الذل أم يرضون بالضيم؟ أيتركون هذه البلاد نهبًا مقسمًا للغاصبين وطعمة سائغة للمستعمرين، ملكهم ومجدهم ووطنهم وديارهم كل هذه ينسونها ويغفلون عنها؟ كلا إن الشعب الحي لا يرضى بالمذلة، وإذن فلا بد من تخليص الوطن.
وبم نخلص الأوطان من أيدي الغاصبين؟ نتحدث إليهم نرجوهم نتملقهم، لا لا، إن الغاصب لا يفهم لغة الحق ولا يذعن لصوت الإنصاف، وإن حرية الأمم والشعوب لا تنال بالكلمات فلا بد إذن من العمل، وما العمل؟ لا بد من القتال، لا بد من الجهاد في سبيل الحق المغصوب والمجد المسلوب، وهكذا رأى زعماء بني إسرائيل أنه لا نجاة للوطن إلا بالقتال في سبيل الوطن.
وهنا لجئوا إلى نبيهم، وهو المرجع إذا لج بهم الأمر، وهو الزعيم الروحي الذي يتنزل عليه أمر السماء، رجعوا إلى نبيهم فقصوا عليه القصص، وطالبوه أن يختار لهم زعيمًا عسكريًا يقود جمعهم ويرأس كتيبتهم، وهنا نرى صورة واضحة من وجوب تعاون قوى الأمة في سبيل درء الخطر، وكيف يجب أن ينهض كل إنسان في الأمة بالناحية التي يحسنها حتى تتناسق النهضة، وتؤتي أكلها.
كان في وسع نبي بني إسرائيل أن يدعي لنفسه القيادة الحربية أيضًا، ولكنه علم أن مهمته روحية يشير ويرسم الخطط، ويلهب الحماس، ويغذي النفوس، ويصلح الأرواح، أما الميدان والقتال والكر والفر فهناك آخرون يجب عليهم أن يقوموا بنصيبهم فيه.

(3)
ونبي بني إسرائيل -عليه السلام- وهو شمويل أو شمعون على الخلاف في اسمه أيًا كان فإنما يريد القرآن أن يعرض علينا الصورة من حيث هي بعيدة عن الأشخاص والأزمان لتكون نموذجًا يطبق على العصور وينتظم جميع الأمم، هذا النبي الكريم يعلم نزوات النفوس، ويعلم البعد الشاسع بين الكلام والتنفيذ، ويعلم سعة الهوة بين القول والعمل، ويعتقد أن الحماس الوقتي شيء والإيمان الثابت القوي شيء آخر، وكثير من الناس يتحمسون في الرخاء ويهربون في العناء، فأراد أن يستوثق منهم ويستثير عزيمتهم، فقال: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (سورة البقرة: 246) وذكروا في حماس وحدة ذلك السبب الذي أهاج نفوسهم وأثار حماستهم، وهو تخليص الوطن والأبناء، ثم يذكر الله -تبارك وتعالى- صدق فراسة ذلك النبي الكريم، وكيف أنهم حين جد الجد وكتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، ووصف الحق -تبارك وتعالى- هؤلاء الفارين بأنهم ظلموا أنفسهم وهو عليم بهذا الظلم، فلا يدعه لهم وسيؤاخذهم عليه أشد المؤاخذة، ألا فليستوثق المجاهدون وليعلموا أن الجهاد جهد وعناء، فهل هم مستعدون؟

(4)
قُضى الأمر ودوى النفير ونادى منادي الجهاد، وبقي الزعيم والزعيم والزعامة صخرة تتحطم أمامها الجماعات، وتحيا عندها المطامع، وتتمرد لها النفوس، وتدب عقارب الغايات والأغراض، ممن يا ترى سيكون زعيم الجماعة المجاهدة في سبيل الوطن المغصوب؟ أخذ الأشراف يعدون أنفسهم للزعامة المنتظرة، ولكن الزعامة في ساعة الخطر أسمى من المواريث والتقاليد، وفوق العرف والعادات إنها المواهب وكفى، استعد الأشراف بحكم منزلتهم ومنصبهم لتلقي راية القيادة من النبي الكريم، ولكن النبي الكريم عدل بها إلى رجل من عامة الناس، إنه أعطى الراية طالوت وما طالوت إلا أسماء أو دباغ من سبط بنيامين الذين لم يتشرف من قبل بالملك ولا بالنبوة، وهنا وقع ما ينتظر من تقلب النفوس وتحرك الأهواء، فهب الأشراف والنبلاء ينكرون على طالوت حقه المكسوب، ويقولون في عزة وإباء أنّي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال؟ يا سبحان الله حتى في ساعة الخطر لا يريد الناس أن يتحرروا من الأوهام، ولكن النبي الكريم أجابهم في هدأة وسكون: إن الله اختاره لكم لموهبته؛ إنه أقواكم جسمًا والجهاد في حاجة إلى القوة، إنه أوسعكم علمًا والجهاد في حاجة إلى العلم؛ لهذا اصطفاه الله عليكم، ولهذا آثره الله بالملك، ولهذا أيده الله لأول أمره بأن أعاد إليكم التابوت والتوراة وما فيهما من خير تركه آل موسى وآل هارون.
أيتها الأمة المجاهدة: اختاري الرجال للقيادة، واجعلي الأساس المواهب والرجولة، ودعي ما سوى ذلك من المقاييس، واعلمي أن أساس النهضات قوة وعلم أو عقل وجسم يمدهما إيمان ثابت، ويقين راسخ، وشعور فياض، فهل أنتم سامعون؟
وبذلك ينتهي الدور الأول من أدوار تكوين الأمة المجاهدة: فنرى جماعة الحدث على المطالبة بحقها، وتعاونت قوتها الروحية والعملية في سبيل الوصول إلى هذا الحق، ووجد القائد الذي ترتكز بيده الراية ومن خلفه الجنود يرقبون ساعة الجهاد، وسترى بعد ذلك من أمرهم ما سيكون؟ (1)
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ۖ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 249-250). 

ها هي الأمة المجاهدة قد سوت صفوفها، وأعدت كتائبها، ووقفت مع قائدها تنتظر الأمر وترقب النصر، ولكن هل هذا يكفي؟ هل مجرد دعوى المدعين ترفعهم إلى صفوف المجاهدين؟ وهل كل من زعم أنه بطل شجاع وعامل مجد يكون كذلك إذا جد الجد؟ 
ذلك ما تثبت التجربة خلافه، وذلك ما ينقضه تاريخ نهضات الأمم، وذلك ما يعلم الله أن نفوس البشر لم تطبع عليه، ووجود الأدعياء في صفوف المجاهدين خطر على كتيبتهم؛ إذ ينهزمون لأول معركة فيسري الخور منهم إلى الشجعان المغاوير، وإذن فمن الواجب في بناء الكتيبة الأولى أن تكون سليمة اللبنات، قوية الأسس، ثابتة الدعائم، وإذن فلا بد أن يخرج من بين أفرادها ضعاف النفوس ومجاهدو الأقوال والألسن، وإذن لا بد من الاختبار والابتلاء حتى تتمحص الكتيبة ولا يبقى في مواجهة العدو إلا الثابتون المخلصون، وذلك ما كان.
سار الجيش في مفازة قاحلة، واجتاز صحراء مقفرة، فأخذ العطش من الجنود كل مأخذ وأخذوا يعللون النفس بالماء يروون به الظمأ، وينقعون به الغلة، حتى إذا ما تراءى لهم النهر من بعيد ورأوا الماء يلمع كأنه المرأة المجلوة أخذوا يتهيئون للري، وإذا بأمر القائد العام ألا تشربوا ولا يباح لكم من هذا الماء إلا غرفة واحدة لمن شاء، فمن خالف فليعتزل كتيبتنا وليقعد في بيته، وكانت تلك أول معركة بين الجنود وبين أنفسهم أولًا، حتى إذا انتصروا على النفوس ووثقوا بالعزائم كان ذلك عربون النصر على الأعداء.
بدأت المعركة فلم يثبت فيها إلا القليل، وصرع الظمأ الأدعياء، فذابت عزائمهم أمام حرارته فانخذلوا عن الكتيبة، وبقي المجاهدون الثابتون وقليل ما هم لا يضر الكتيبة قلة العدد ما دامت كثيرة الإيمان.
وقف خالد في حروب الردة أمام جيش مسيلمة وفي جيش خالد أخلاط من أهل القرى والبوادي يكثر بهم السواد وتذهب مع كثرتهم النجدة، فلما طال به الأمد ميز الناس فلم يبق إلا المؤمنين الصادقين من الأنصار والمهاجرين، فكانت النصرة وكان التأييد، ذلك أن الله لا ينصر بكثرة عدد ولا كمال عدة، وله -سبحانه وتعالى- جند السماوات والأرض، ولكنه ينصر بالثبات والصبر.
بقي القلائل الثابتون من جيش طالوت، وجاوزوا النهر، وعزموا على مناجزة عدوهم وهم يعلمون أن عدوهم كثير العدد كامل العدة شديد البأس وعلى رأسه جالوت القوي الشجاع ونظر جيش طالوت إلى قلة عدده، فقال بعضهم لبعض: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده كادت هذه العاطفة اليائسة تسري بين الجنود فتقتل معنويتهم، وتقضي على ثباتهم.
وكيف وهم المنتخبون المختارون؟ 
وكيف وهم البقية الباقية من المجاهدين في سبيل الوطن المغصوب؟ 
وهنا علا صوت الإيمان، هنا ظهرت العقيدة الصادقة تفصح بأجلى بيان، وهنا يظهر الفارق البعيد بين المؤمنين والمأجورين، قال الذين يظنون ويعتقدون بنصر الله إياهم وتأييده لهم وأنه من ورائهم وأنهم لا شك ميتون، فموت في ساحة الشرف خير من موت على فراش الذلة، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 249) وإذن فلا قنوط، وإذن فلا معنى لليأس، وإذن فليسر الجيش المجاهد على بركة الله.
تراءت الفئتان فهذا الغاصب المعتدي المعتز بقوته وجبروته وصولته وجنوده، وهذا المؤمن المدافع عن دينه وعرينه يستمد النصر من الله، ويلجأ إليه في كل أحواله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (سورة البقرة: 250) فلم يكن إلا رجع الطَّرف حتى نصر الله كتيبته، وأعلى كلمته وأيد جنده، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت ملك العمالقة، وورثه في ملكه، وأفاض الله عليه الحكمة وشرفه بالنبوة، وعلمه مما يشاء.
وبعد فهي عبرة للشرق اليوم والتاريخ يعيد نفسه، وإن داود الشرق لرابض بالمرصاد لجالوت الغرب لو وجد الأنصار المؤمنين، فهلا؟ (2)

الهوامش:

  1.  جريدة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية السنة الرابعة العدد ٣ في ٧ صفر ١٣٥٥هـ / ٢٨ إبريل ١٩٣٦م.

  2. جريدة (الإخوان المسلمون) الأسبوعية السنة الرابعة العدد ٤ في ١٤ صفر ١٣٥٥ هـ / ٥ مايو ١٩٣٦م.


أول كتاب مطبوع للشيخ حسن البنا منذ استشهاده يصدر عن دار الوثيقة للطباعة والنشر. الكويت.
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

87

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

نصيحة مخلصة لإخوتنا المجاهدين

نشر في العدد 500

95

الثلاثاء 07-أكتوبر-1980

باختصار: تحية إكبار