العنوان مقال الأسبوع.. عالمية الإسلام ودعاة العلمانية
الكاتب عبدالمجيد حامد صبح
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 1016
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
الرد على شبهات القومية: تأكيد عالمية الإسلام
· محاولات نفي العالمية
وتأصيل الشبهات.
· عالمية الإسلام من
بدهيات المعرفة التي يدركها جميع الناس.
لم يدع حماة
العلمانية من شيء يكون سبيلًا إلى معارضة الإسلام وعقبة في طريق صحوة المسلمين إلا
نثروه في الطريق، وأذاعوه بأقلامهم، وقد تجاوزوا الفرعيات إلى أصول الدين
وضرورياته المسلّم بها من المسلمين وغيرهم على مر الدهور، وكر العصور.
ومن شبهاتهم:
تشكيكهم في عالمية الإسلام، وزعمهم أنه دين «قومي»، جاء به نبي عربي، بكتاب عربي،
إلى أمة عربية، وأن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- لم يتجاوز بدعوته حدود الأمة
العربية، وأن هذا التجاوز إنما بدأ في عهد عمر بن الخطاب.
ولو أن أصحاب
هذا الفكر اقتصرت دعوتهم على وحدة العرب، وتنقيتها من كدر الطغيان، والأطماع
والأحقاد، لما كان عليهم من نكير، ولكان الدعاة إلى الإسلام أول المجيبين، إذ إن
وحدة العرب وسلامتها قوة للإسلام، ومدد للمسلمين، غير أن أمرهم يتجاوز ذلك إلى
التنكر للإسلام، رغبة في إحلال «روابط مذهبية» محل الإسلام.
ومما يجب التنبه
إليه أن «عالمية الإسلام»- مع عدم تعارضها مع «قومية العرب»- دعوة إنسانية عامة،
تدعو إلى الإخاء الإنساني الذي ينظر فيه المسلم إلى الناس جميعًا على أنهم شركاء
له في الإنسانية، التي من الله بها، وجعلها طريقًا إلى التعارف، وتبادل المنافع،
بينما «الروابط القومية» ذات نظرة محدودة بالجنس أو الأرض، وذات آثار تثمر ثمرة
الاستعلاء.
لقد كانت هذه
الرابطة عند الغربيين البديل الذي خلف عبادة الفرد، انتقلوا بها من عبادة الأبطال
إلى عبادة الأجناس، وجعلوا «الجنس الأبيض» له وحده الحق في سيادة الأجناس الأخرى،
وأن ما عداهم إنما خُلق على هيئة وطبقة لا تؤذن له بالترقي، وأن عليه أن يقبل ما
فرضته عليه هيئته وجبلته.
فالدعوة إلى
«الرابطة الجنسية» نكسة عن الإنسانية التي تدعو إليها «عالمية الإسلام»، وفي رحبها
تنافست الأجناس المختلفة في تحصيل الخير والترقي في السلّم الاجتماعي، فكان من
البيض والسود والصفر علماء وملوك ووزراء وحكام، بل كان من غير المسلمين من بيده
زمام العلم ورياسة الدواوين.
٢. استدلالات الفكر القومي وتفنيدها
ويستدل أصحاب
الفكر القومي على خصوصية الإسلام- ونبيه وعقيدته وشريعته، وكتابه- بآيات من
القرآن، ففي خصوصية الإسلام بالعرب يذكرون قول الله سبحانه: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (البقرة:135)..
وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (البقرة:127)، وقوله على لسان إبراهيم وإسماعيل: ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ (البقرة: 128).. وواضح بزعمهم أن
إبراهيم وإسماعيل يدعوان الله أن يجعل من ذريتهما- وهم العرب- أمة مسلمة.
وفي خصوصية نبي
الإسلام للعرب يذكرون قول الله سبحانه: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ (التوبة: 128)..
وفي خصوصية
القرآن يذكرون آيات منها: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ
آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (فصلت: 3).
وفي خصوصية
العقيدة يذكرون أن عقيدة التوحيد في الإسلام بُنيت على معرفة العرب بالله- سبحانه-
وأن «الله» هو «إله العرب»، فالإسلام من حيث هو عقيدة مرتبط ارتباطًا عضويًا بـ
«إله العرب».
وفي خصوصية
الشريعة يذكرون من القرآن قول الله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ﴾ (المائدة: 3)..
ويرون أنه لا
عموم في قول الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158) لأن لفظ
«الناس»- بزعمهم- مقصود به العرب، بدليل أنه مخصوص ببعضهم في قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ..﴾ (آل عمران: 173)، فلفظة «الناس» الأولى مراد بها فرد
واحد، والثانية مراد بها طائفة من الناس: أبو سفيان ومن معه.. تعالوا ننظر في
قولهم:
أما استدلالهم
على خصوصية الإسلام بالعرب بما ذكر القرآن من ملة إبراهيم وذريته وذرية إسماعيل،
فإن القرآن يذهب مذهبًا أبعد بكثير من هذا الأفق المحدود الذي يريدون حصرهم فيه،
فهو يقرر أن «الإسلام» إنما هو دين جميع الأنبياء أوحى الله به إلى رسله أجمعين،
وأنه دعوة الرسل كلهم على تتابع الزمان، واختلاف المكان. والآية التي استشهدوا بها
تقرر ذلك، فملة إبراهيم هي الملة التي دعا إليها العرب ومن قبلهم أمة موسى وعيسى،
ومن قبلهم ذرية إسحاق ويعقوب.. يقول الله سبحانه: ﴿وَمَن
يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ﴾ (البقرة:
130).. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131).. ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ
وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132).. ﴿قَالُوا نَعْبُدُ
إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا
وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة: 133).
فإذا كان العرب
من ذرية إسماعيل، فمن ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب، ومن ذريتهما كل بني إسرائيل.. بل
القرآن يقرر أن «الإسلام» دين من في السموات ومن في الأرض ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن
فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (الرعد: 15).
وأما استدلالهم
على خصوصية نبي الإسلام بالعرب بمثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ (التوبة: 128)، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ
فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ (الجمعة: 2)، هذا الاستدلال أخذ
ببعض الكتاب وترك لبعض، فالقرآن كما قرر رسالته- صلى الله عليه وسلم- إلى العرب،
قرر رسالته إلى أهل الكتاب: اليهود والنصارى، وإلى عامة المشركين وعباد الأوثان،
بل إلى جميع الإنس والجن، وفي القرآن الكريم من ذلك الكثير، فالله يقول: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ
سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: 64)، لقد عرف بالنقل المتواتر
أنه قال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158)، وهذا معلوم من دين الإسلام بالضرورة والبداهة
التي تغني عن الدليل.
أما قوله ﴿رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (آل عمران: 164) فهذا
ومثله المراد به: رسول من البشر، إذ كانوا يستبعدون أن يكون الرسول من البشر،
وطالبوه- على الأقل- أن يكون معه ملك ليكون معه نذيرًا، ورد الله عليهم بقوله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ
مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾
(الإسراء: 95). ولو حصرنا- بالفرض- فهم «من أنفسكم» في العرب خاصة، فليس
فيه ما يمنع أن يكون مرسلًا إلى غيرهم، كما كان خطابه للإنس لم يمنع أنه مرسل إلى
الجن، وليس الجن من جنس العرب، والعجم أقرب إلى العرب من الجن إلى الإنس. والله
تعالى يقول: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا
مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (الأحقاف: 29)، ويقول: ﴿قُلْ أُوحِيَ
إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ (الجن: 1).
يوضح ذلك أن
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾
(الزخرف: 44)، وقومه هم قريش، ولا يمنع ذلك من أن يكون القرآن ذكرًا لسائر
العرب، والناس أجمعين، وهذا ما صدقه الواقع، وصدقه القرآن نفسه، إذ كان القرآن
ذكرًا للناس يذكرونه فيهتدي به من يهتدي، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: 52)،
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (ص: 87)، وفي سورة التكوير «19،
27»، كما كان النبي ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).
٣. تفنيد مزاعم خصوصية الإله والشريعة واللغة
وأما زعمهم
الفاحش بخصوصية «الله» للعرب، وأن الإسلام من حيث عقيدته مرتبط «بإله العرب»، فما
أفظع هذا القول! وما أشد نكرَه! ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً
تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: 5). ما
هؤلاء؟ إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواوَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِوَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْوَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 62)، والله يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (المائدة: 69)،
ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ
وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (الحج: 17).
ويقول للمشركين
ولأهل الكتاب: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾
(الشورى: 15)، ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2)،
ويقول: ﴿ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (فصلت: 9)، ويقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ
الْفَلَقِ﴾ (الفلق: 1)، ويقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ
إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ (الناس: 1-3)، ويقول عن الجن: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ
اللَّهِ﴾ (الأحقاف: 31)، ويقول عن الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة: 30)، يقول عن الأكوان كلها: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن
فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (الإسراء: 44).
ويرفض القرآن
فكرة خصوصية الإله لقوم دون آخرين فيقول: ﴿وَقَالَتِ
الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ
يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ (المائدة: 18)، «وهذا
في القرآن كثير كثير، فأيّة جريمة ترتكب في حق الإسلام وكتابه باسم البحث الحر،
والعقل المتحرر!! لقد نقض الإسلام كثيرًا مما كان عليه العرب في العقيدة والأخلاق
والعادات والسياسة والمعاملات والعبادات، وفي صلة الإنسان بالله والكون والدنيا
والآخرة، وحسبك من هذا أنه نقض عادتهم المتمكنة في التعصب والتفاخر بالأنساب بـإخاء
الإيمان وإخاء الإنسان.
لقد جدع بذلك
أنف العصبية المتمكنة فيهم، وغلوهم في التفاخر بالأنساب حتى جعلوا للخيول والإبل
نسبًا يرفعونها به عن غيرها.
وارتفع الإسلام
بمبادئه فوق عادات البيئة التي نزل فيها. لقد كان فيهم من القبائل من يتوارى
استحياء لحظة نسبه، وما يُعيَّر به، فقبيلة «باهلة» مثلًا يقول فيها الشاعر:
ولو قيل للكلب:
يا باهلي *** عوى الكلب من لؤم هذا النسب
فماذا فعل
الإسلام لهذه القبيلة؟ لقد ارتفعت شأنًا وبعدت ذكرًا، وحسبك أن كان منها قواد عظام
مثل: قتيبة بن مسلم الباهلي. وحسبك في تمكن حقارتهم في نفوس العرب أن قتيبة وهو في
أوج انتصاراته وعظمة إمارته، ومجده الحربي الذي وصل به إلى حدود الصين، لقي
أعرابيًا فسأله: أتود أن تكون ذا مال كثير، وجاه عظيم، وتكون من باهلة؟ فأجاب من
فوره: اللهم لا! فقال له قتيبة: أتحب أن تكون أميرًا مثلي وتكون من باهلة؟ فأجاب
من فوره: اللهم لا! فقال له: أترضى أن ترث الجنة وتكون من باهلة؟ فتمهل الأعرابي
قليلًا، ثم قال: لابأس بهذه، على شرط ألا يعرفني أحد!!
وأما استدلالهم على خصوصية الشريعة بمثل قوله سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (المائدة: 3).. فإنه كذلك استدلال ببعض الكتاب وترك لبعض؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: 29)، ويقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (المائدة: 15). وحرّم لحم الخنزير ولم تكن العرب تأكله، وحرّم الربا وكان العرب وغيرهم يتعاملون به، وحرّم الخمر وكان يشربها العرب، وأحل طعام أهل الكتاب، وأحل المحصنات منهم، وخاطب أهل الكتاب بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ (الأعراف: 157)، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: 157).. وخاطب النوع الإنساني كله بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (الأعراف: 26)، ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (الأعراف: 27).... ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: 31).. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (الأعراف: 32).
وأما استدلالهم
على خصوصية القرآن بمثل قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾
(يوسف: 2)، فليس يلزم لا عقلًا ولا علمًا ولا واقعًا أنه خاص بالعرب.. فهل
المطلوب- ليكون الإسلام عالميًا- أن ينزل كتابه بكل لغات أهل الأرض؟ وهل يستقيم
ذلك في فهم أو علم أو إمكان؟.. ليس يلزم من أن القرآن «كتاب عربي» أنه للعرب خاصة،
والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ
إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ﴾ (إبراهيم: 4) إنه لم يقل:
وما أرسلنا من رسول إلا لقومه، بل قال: بلسان قومه.. والعالم في أي بلد، في كل
زمن، من أي قوم، يكتب في علم بلسان قومه، فلم يمنع ذلك انتفاع غيرهم به، وأخذ
الحقائق العلمية منه، وأن يكون حجة من حجج هذا العلم عند أهله في كل مكان، وهذا ما
فعله بالقرآن المسلمون من غير العرب، فكان من علمائهم من يأخذ مقعده من تلاميذه،
ويتلو من القرآن، ثم يأخذ في تفسيره بالعربية، ثم يتبعها بالفارسية، أو التركية أو
غيرها، وما زال الأمر كذلك.
٤. الأدلة النصية والعملية على عموم الرسالة
إن عالمية
الإسلام من بدهيات المعرفة التي يدركها جميع الناس حتى أعداء الإسلام، لقد تقررت
عالمية الإسلام منذ الخيط الأول من فجر الدعوة. يقول الله في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ
لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1)، وقوله في سورة المدثر
وهي من أوائل ما نزل بمكة: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا
ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ﴾ (المدثر: 31)، ﴿نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ﴾ (المدثر: 36) وفي
سورة الأعراف المكية خطاب عام لبني آدم.. «الأعراف: 26-35»، وفي سورة يس المكية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ (يس: 60)،
وفي سورة الأنعام المكية: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا
الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ۚ﴾ (الأنعام: 19)، ومن أدلته
الجامعة قوله: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ﴾ (آل عمران: 20).
وجه الدلالة على
عموم الرسالة، وعموم [المُرسَل] إليهم أن الناس جميعًا إما أهل كتاب وإما أميون لا
كتاب لهم.. والآية تأمر الرسول أن يخاطب الناس جميعًا على تصنيفهم ذلك أن يسلموا..
وعالمية الإسلام مقررة بأمر جامع آخر، وذلك عندما بين القرآن طبيعة الإنسان من حيث
هو إنسان، لا من حيث هو فريق خاص، فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ
الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28)، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ
دَعَانَا﴾ (يونس: 12)، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف:
5)، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34)، ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ
مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ (الرحمن: 14)، ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ
دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ (الإسراء: 11)، ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ
جَدَلًا﴾ (الكهف: 54)، هذا وغيره كثير في القرآن الكريم يبين الطبيعة
الإنسانية من حيث إن الإنسان قسيم لغيره من المخلوقات من جماد ونبات وحيوان وجن
وملك.. يجد فيه كل إنسان- على دورة الأرض والزمان- صفة نفسه يخاطبه بها ربه الذي
خلقه، وهو أعلم بمن خلق.
وعالمية الإسلام
مقررة بالتطبيق العملي من الرسول- صلى الله عليه وسلم- منذ خاطب ملوك الأرض
وعظماءها، فبعث إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى هرقل عظيم الروم، وإلى المقوقس عظيم
القبط، وإلى كسرى عظيم فارس.. وكتب إلى مجوس هجر، وإلى نصارى نجران، وكتب إلى ملوك
عمان وملوك اليمن.
وتقررت عالمية
الإسلام بالتطبيق العالمي الواسع من صحابة الرسول، إذ جعلوا الرسالة بعده إلى أهل
الأرض أجمعين، وقد علموا أن ذلك فرض عليهم منذ حملوا رسائل الرسول- صلى الله عليه
وسلم- إلى عظماء الأرض، وقد قادهم بنفسه إلى تبوك إرهابًا للروم، وإرهاصًا بقدوم
الصحابة إليهم، وقد جهز جيش أسامة بن زيد لمثل ذلك الإرهاب والإرهاص.
فالزعم بأن
المسلمين- عهد عمر- «هم الذين خرجوا بالإسلام إلى غير العرب زعم هوى وخيال مريض..
إن المسلمين مُجمعون على أنه لا يجوز لأحد بعد الرسول أن يغير شيئًا من شريعته.
وتقررت عالمية
الإسلام منذ بادر إليه منذ فجره الأول رجل وامرأة، ورومي وفارسي، وكان ذلك شهادة
الواقع لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: 158).
ولفظة «الناس»
في هذه الآية على عمومها الذي يفهمه كل أحد يفهم خطاب العربية من غير بيان أو
دليل، ولا حجة لأحد في صرفها عن هذا العموم البيِّن.
أما قوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (آل عمران: 173)، فقد رد العقل على تخصيصه.. بيان ذلك أن ههنا:
أناسًا قائلين ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ
إِنَّ النَّاسَ﴾ (آل عمران: 173) وأناسًا جامعين ﴿إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (آل عمران: 173) وأناسًا مجموعًا لهم..
والناس «القائلون» غير الجامعين وغير المجموع لهم.. والناس «المجموعون» غير
القائلين وغير المجموع لهم.. والناس «المجموع لهم» غير القائلين وغير الجامعين..
كل ذلك بضرورة العقل، فدل ذلك على تخصيص لفظ «الناس» في هذه الآية.. أما لفظ
«الناس» في قوله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ (الأعراف: 158)، فيظل على عمومه، حيث لا نقل
ولا عقل يدل على تخصيصه بخلاف لفظ «الناس» في قوله: ﴿إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (آل عمران: 173)، حيث خرج عن عمومه بدليل،
فوجب الوقوف عنده، ولولا ذلك لما جاز أن يكون إلا محمولًا على عموم الناس كلهم..
مع ما في قوله «جميعًا» في آية الرسالة من دليل على توكيد العموم.
وقوله تعالى في
مفتتح سورتي النساء والحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (النساء: 1)، (الحج: 1).. لا خلاف بين لغوي وشرعي أن
هذا الخطاب متوجه إلى كل آدمي كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ (الحجرات: 13).
فقه مراحل الدعوة وتدرجها نحو العالمية:
وفقه مراحل
الدعوة، منذ بدء الوحي على الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى كماله يجمع تلك
الحقائق السالفة، كما يكشف عن غفلة القائلين بخصوصية الدعوة، ذلك أن الرسول تدرج
به الوحي من مرحلة إلى أخرى على سنة الله في التشريع:
1- فنُبِّئ
أولًا يقول الله له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).
2- ثم أرسل بقول
الله له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ..﴾ (المدثر: 2).
ثم تدرج
بالإرسال في مراحل خمس:
1- مرحلة إنذار
أهله الأقربين بقول الله له: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214).
2- ثم مرحلة
قومه من قريش بقول الله له: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ
لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ (الزخرف: 44).
3- ثم مرحلة من
حولهم من العرب بقول الله له: ﴿لِّتُنذِرَ أُمَّ
الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (الشورى: 7).
4- ثم مرحلة
العرب قاطبة بقول الله له: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ
قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: 2).
5- ثم المرحلة
العالمية بمثل قول الله له: ﴿لِلْعَالَمِينَ
نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1).
فمن التقصير في
حق القرآن والقصور في فهم الإسلام قصره على مرحلة بعينها أو تخصيصه بقوم بأعينهم.
والله الهادي
إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل