العنوان مقال الأسبوع: مسؤولية الحكام والعلماء
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
مشاهدات 47
نشر في العدد 1014
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
صلاح الأمة بين نطق العلماء وعمل الحكام
· بالحكام والعلماء يصلح حال الأمة إن نطق العلماء بالحق وانصاع (1) الحكام للحق.
· لقد أصبحت الأشياء تختلف معانيها عن مبانيها، واضطر الناس لتصديق الكذب وظنوا أن الخطأ هو عين الصواب.
غياب الاهتمام بكبار الأمور
تشعبت بالناس في عصرنا المسالك، وانطمست الغاية الموحدة أمام الجموع، فاتجهوا وجهات شتى بعضها يسير في رحاب الإسلام، وبعضها بعيد عن الإسلام بل ومنحرف عن هديه الكريم، وشغلت الناس صغار الهموم، فلم يعودوا يعبؤون [يعبئون] بكبارها، ولا يبالون بما أصاب الدين منها، تشيع من حولهم المنكرات فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا تتمعر وجوههم -مرة- في سبيل الله ينتشر، بينهم الربا والظلم وأكل أموال الناس بالباطل، فلا يحزنون لكأن هذه الأمور أصبحت هي الأصل، لكثرة إلف الناس إياها، حتى حق عليهم قول الله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المَائـِدَة: 50). (تفسير أفحكم الجاهلية يبغون).
ولما أصبحت المنكرات مألوفة بينهم، قلّت غيرتهم على الدين، فنسي الناس الأسير في أيدي العدو منذ ما يقرب من ربع قرن ونسوا أسرى المسلمين في سجون الطغاة في كل مكان، وتثاقلوا أن يدعوا الله أن يفك قيد كل أسير حتى يعود لأهله سليمًا، يسعد بهم ويسعدون به، وتثاقلوا أن يتوجهوا بأبصارهم نحو المقدسات المستباحة في القدس ليشدوا العزم على العمل على تخليصها، وفك قيود الصهاينة من حول رقابها. وجهود الحكام والمسؤولين في العالم العربي مطلوبة قبل جهود الأفراد والهيئات فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. (فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
نصيحة لولاة الأمر والعلماء
وإننا نلفت أنظار ولاة الأمر فينا ونحن نوجه لهم هذه النصيحة أن يكونوا مثل إبراهيم الأمير الذي كان يقول: على بابي رجلان: رجل يخاف الله ولا يخافني، ورجل يخافني ولا يخاف الله؛ فالأول عظيم الحرمة عندي، والذي يخافني صغير عندي...
ونلفت أنظار علمائنا إلى أن يكونوا أمثال محمد بن كعب القرظي الذي لقي أحد حكام المسلمين في الصدر الأول فنصحه بقوله: لا يغرنك حسن ثناء المادحين فلن ينفعك ما قالوا فيك إذا لم يكن ذلك فيك، وأنت أعلم بنفسك من مقال القائلين، فإن يكن فيك ما قالوا فلا يضرك لو سكتوا، وإن لم يكن فيك لم ينفعك ما قالوا.
وبهذين الصنفين من الناس: الحكام والعلماء يصلح حال الأمة، إن نطق العلماء بالحق، وصدع الحكام للحق، وسار الجميع عاملين على نهضة الأمة، الحاكم بعمله والعالم ببيانه ودعوته وإقناعه وحجته، هنا وهنا فقط تذوب الفتن وتتلاشى المحن ويسلم البشر من بطش الحكام وقهر الصولجان، وتكون كلمة الحق هي الفاصلة في كل معترك بين المسلمين فلا يسارع الناس إلى غيرها ولا يستعملون في حوارهم وخلافاتهم سواها، فإن فعلوا سلموا واعتدل في أيديهم ميزان العدالة وأمن الناس وأمن الحكام على السواء. (دور العلماء والأمراء في نشر الصلاح).
الحق حصن الأمة (قصة ابن سمعون وعضد الدولة)
وإليك هذه القصة التي تكشف أن الحق حصن يحمي ويحفظ أصحابه من كيد المعتدين وظلم الظالمين، دخل عضد الدولة إلى بغداد وقد هلك أهلها قتلاً، ونهباً وحرقاً وخوفاً للفتن التي اتصلت بين السنة والشيعة، فقال: الآفة القصاص هم: فنادى في البلد، أن لا يقص أحد في جامع ولا طريق فرفع إليه أن أبا الحسين بن سمعون جلس على كرسيه في يوم الجمعة بجامع المنصور، وتكلم على الناس فأمر عضد الدولة شكر العضدي بأن أنفذ إليه من يحصله عندي قال شكر العضدي: ففعلت.
فدخل عليّ رجل له هيئة، وعلى وجهه نور، فلم أملك أن قمت إليه وأجلسته إليّ فلم ينكر ذلك. وجلس غير مكترث. وأشفقت والله أن يجري عليه مكروه على يدي فقلت: أيها الشيخ، إن هذا الملك جبار عظيم وما كنت أوثر لك مخالفة أمره.. والآن فأنا موصلك إليه فلما تقع عينك عليه قبّل التراب وتلطف في الجواب إذا سألك، واستعن بالله فعساه أن يخلصك منه، فقال: الخلق والأمر لله عز وجل..
فمضيت به إلى حجرة في آخر الدار قد جلس الملك فيها منفردًا خيفة أن يجري من أبي الحسين بادرة بكلام فيه غلظ، فتسير به الركبان، فلما دنوت من باب الحجرة وقفته وقلت له: إياك أن تبرح من مكانك حتى أعود فأدخلك، وإذا سلمت فليكن بخشوع وخضوع فدخلت لأستأذن له فالتفت فإذا هو واقف إلى جانبي، قد حول وجهه نحو دار بختيار وقرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هُود: 102). ثم حول وجهه نحو الملك، وقرأ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (يُونُس: 14).
وأخذ في وعظه، فأتى بالعجب، فدمعت عين الملك وما رأيت ذلك منه قط. وترك كمه على وجهه فتراجع أبو الحسين فخرج، ومضى إلى حجرتي فقال الملك: امض إلى بيت المال وخذ ثلاثة آلاف درهم، وإلى خزانة الكسوة وخذ منها عشرة أثواب، وادفع الجميع إليه، فإن امتنع فقل: فرقها في فقراء أصحابك، فإن قبلها فجئني برأسه فاشتد جزعي وخشيت أن يكون هلاكه على يدي. ففعلت وجئته بما أمر، وقلت له: قال لك: استعن بهذه الدراهم في نفقتك، والبس هذه الثياب، فأبى. فقلت: فرقها في أصحابك.. فقال: أصحابه إلى هذا أفقر من أصحابي، فعدت فأخبرته فقال: الحمد لله الذي سلمنا منه وسلمه منا، فالأرض بحاجة إلى كلمة الحق والخلق بحاجة إلى من يهتم بأمرهم ويتذاكر بشأن مشروعهم الإسلامي الذي ينشدون، وبالليل هم به يحلمون، فالأمة بحاجة إلى أمثال الإمام أبي عبد الله. (سير أعلام النبلاء - ابن سمعون).
أهمية استثمار الرجال والمفاهيم
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي فكان كثير المذاكرة له.. فسمعت أبي يوما يقول: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافلي، ومأساة الأمة اليوم ليس بعدم وجود الرجال، ولكن بمنهج الاستفادة من الرجال، ومن أوليات هذا المنهج وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، فكل ميسر لما خلق له، وكما قال الإمام ابن دقيق العيد، ما كل جلد يصلح وعاء للمسك، ولا كل ضعيف يوسم بسمة الترك.. نعم من صور الضياع وضع المفاهيم في غير مكانها، فالمداهنة مكان الرفق الخوف مكان التروي والتعقل، والحرص على المال والجاه مكان مصلحة الدعوة، والتلون وتغيير الأثواب مكان الكياسة وحسن الدراية والفطنة، وهكذا أصبحت الأشياء تختلف معانيها عن مبانيها، واضطر الناس لتصديق الكذب وظنوا أن الخطأ هو عين الصواب، فإلى متى هذا يا رجال، والحق بيّن والمنهج واضح، وما علينا إلا أن نسير في الطريق من غير انحراف أو تبديل.(1) في الأصل: (وصدع)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل