; مقال الاستنساخ بين الوسائل والغايات | مجلة المجتمع

العنوان مقال الاستنساخ بين الوسائل والغايات

الكاتب عبدالحي الفرماوي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997

مشاهدات 110

نشر في العدد 1247

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 29-أبريل-1997

 

من الأمور التي لا يختلف عليها أصحاب العقول وجوب المحافظة على العقل، والنسل، والمال، والدين، والنفس، كما أن الإعتداء عليها أو واحد منها بأي شكل من الأشكال أو في أي صورة من الصور هو إعتداء على صميم وأسس الحقوق الإنسانية، ومن هنا اعتبر الإسلام هذه الأمور كليات خمس يجب احترامها والمحافظة عليها وجرم من اعتدى عليها في نفسه أو في غيره، كما اعتبر الاعتناء بها والإفادة منها وحمايتها من الإعتداء عليها وصيانتها من تخريبها أو تدميرها أو الإفادة منها ذلك من الزم الواجبات التي يلام المقصر فيها ويعاقب المهمل لها، وهذه المحافظة وهذا الأعتناء المطلوب لهذه الكليات يقتضينا في نظر الإسلام أن نستخدم لهذا الغرض كل ما يعين عليه ويؤدي إلى النجاح فيه سواء أكان ذلك الجميع هذه الكليات أم لكل واحدة منها على حدة، وذلك بشرطين.

الأول: ألا تكون هذه الوسائل المستخدمة محرمة في ذاتها كعلاج الفقر بالسرقة مثلًا.

الثاني: ألا تؤدي هذه الوسائل إلى تخريب الإنسان أو تدميره، أو تخريب هذه الكليات أو إحداها.

وقضية الاستنساخ  التي أطلت علينا من خلال التطور الهائل، والتقدم السريع لبحوث، ومكتشفات الهندسة الوراثية البشرية واحدة من القضايا الملحة التي تطرق علينا نحن علماء الإسلام أبواب محاربينا بعنف وتصرخ لتمزق ستر صمتنا بقوة، وكأنها تقول لنا هبوا لمعرفتي، وإدراك يخطط للبشرية من خلال إجراء بحوثي، فإن كان خيرًا ما يراد للبشرية على طريقي، فأين العلماء المسلمون مني ومن بحوثي ومن حسن توجيهي، وإن كان شرًا ما يهدفون إليه، فما موقفكم وأين جهودكم؟؟

ولأنني واحد من العاملين في الحقل الإسلامي ولا أدعي لنفسي العلم بهذا الموضوع حتى يكون لي موقف، وكذلك لست من أهله حتى يكون لي جهد يبذل أخاف على نفسي عقوبة الصمت، وخطورة الكتمان، فقد أحببت أن أوضح هذه النقاط من باب الإعذار إلى الله تعالى. 

أولًا: لا يمانع الإسلام من الإفادة بمنجزات العلوم ومكتشفات البحوث وتطورها في إفادة الإنسان منها مادامت هذه المنجزات والوسائل –كما سبق أن أشرنا- غير محرمة في ذاتها، وغير مخربة للإنسان أو لكلية من كلياته مما أصبح معلومًا الآن بالنسبة لقضية «الاستنساخ » إن التجارب التي تتم بالنسبة لهذا الموضوع تؤدي إلى قتل أعداد كبيرة من الحيوانات مجال التجربة للحصول على قرارات ونتائج متميزة، وليس ذلك أستنتاجًا من عندي، فقد أشارت إحصائيات مختبر رزولين إلى أن مؤسسة رزولين العلمية القريبة من مدينة أدنبرة أزهقت حوالي ۲۷۷ خروفًا قبل أن تتمكن من إنتاج «دوللي» ومع أن هذا محرم شرعًا، فما رأيكم دام فضلكم حينما يفعل ذلك بالإنسان وقد حدث «أنظر المجتمع عام ۱۹۹۳م» حيث قال الطبيبان جيري هول وروبرت ستيلمان من جامعة جورج تاون الأمريكية بتصنيع توأمين من خلال عملية الاستنساخ  هذه، ولكن بعد سلسلة من العمليات والتجارب التي راحت ضحيته عدة أجنة، كما أن هذا الاستنساخ  يقتضي عملية تفريخ، وهذه بدورها إما أن تتم بدون رحم أو في داخل رحم، فإن كان ذلك بدون رحم فقد حرمته الشريعة الإسلامية، وإن كان في داخل رحم فإما أن يكون رحمًا أجنبيًا، وهذا محرم كذلك، وإما أن يكون رحم نفس الزوجة صاحبة البويضة الملقحة والخلية المنقحة من زوجها وهذه حالة نادرة في موضوعنا هذا، فهي الحالة التي تبيحها الشريعة، ولكن بشرط عدم قتل الأجنة، كما حدث في الشاة دوللي والتوأمين، وهذا شرط كما هو واضح يتنافى مع وسائل ومقاصد أصحاب هذا الموضوع. 

ثانيًا: أما عن الهدف الذي يثيره هؤلاء ومن يؤيدونهم والذي يثيرون به عواطف الناس ومشاعرهم في محاولة لإضفاء الشرعية على

أعمالهم، وهو القائمة الطويلة من الحالات الإنسانية التي تنتظر دورها في مختبرات إنتاج الشبه الموجودة في بعض البلاد الغربية.

 ومثال على ذلك حالة أبوين لطفلة عمرها ست سنوات مصابة بسرطان الدم وتزويدها فقط بعظام جديدة، هو الأمل في بقائها على قيد الحياة، وما يقوم به هؤلاء الخبراء هو أخذ النوية الحاملة للجينات الوراثية من خلق هذه الطفلة، ثم حقنها في بويضة من أجل أن يحدث إخصاب صناعي يضمن نمو جنين مشابه طبق الأصل لهذه الطفلة لأنه يحمل نفس صفاتها الوراثية.

وعندما يولد هذا الجنين الصورة، يأخذ العلماء منه العظام الجديدة ويزرعونها في جسد الطفلة الأصل من أجل أن تعيش والإشكال في هذه العملية التي تعتبر أحد أهدافهم في موضوع الاستنساخ  التي يعتبرونها مبررًا لوسائلهم الخطيرة والمخيفة من جهتين:

الجهة الأولى: أنه مازالت هناك كما يقول أ.د. سالم نجم أخطار تحيط بالتطبيقات الجينية التي منها هذه الحالة ومن هذه المخاطر

  1. احتمال أن تفقد الجينات المزروعة خواصها الوظيفية أو الطبيعية أثناء عملية الزرع أو الحقن مما قد ينتج عنه أمراض أخرى غير محسوبة النتائج.
  2. احتمال أن تسبب الجينات المزروعة نموًا سرطانيًا يودي بحياة الجنين أو الطفل خلال أي مرحلة من مراحل حياته، إلى غير ذلك من المخاطر.

الجهة الثانية: هو معاملة الكائن الجديد الصورة مجرد احتياطي للكائن الأصلي، وإلقاء بقية الأعضاء غير المرغوبة في القمامة بعد أخذ المرغوب فيه، ولو أدى ذلك إلى إزهاق روح هذه الصورة البريئة، وهذا غير مسلم لهم به شرعًا لا من جهة الهدف الداعي لهذا الاستنساخ  ولا من جهة الوسائل التي يتم بها وعن طريقها هذا الاستنساخ  بقيت نقطة أخيرة أختم بها ملاحظاتي في هذا الموضوع وهي:

 ثالثًا: هل نبقى نحن المسلمين مكتوفي الأيدي أمام هذه البحوث الشاذة العبثية؟ 

الواقع حقيقة يفرض علينا أن يكون لنا موقف وديننا يفرض علينا كذلك أن يكون لنا مكان، بل أن يكون لنا الصدارة ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ (سورة البقرة:١٤٣)

ولا أقصد بهذا الكلام أن يكون لنا موقف ومكان في هذه البحوث وهذه التجارب فقط فهذا مما يحث عليه الإسلام ويدعو إليه، بل أقصد كذلك أن يكون لنا موقف ومكان في توجيه هذه البحوث وأمثالها لتكون نافعة للبشرية دافعة لتقدمها، مخففة لآلامها، مانعة لسقوطها وتدميرها، تسألني كيف يكون ذلك.

أجيب بما يلي:

  1. على أمتنا أن تستيقظ من سباتها، وأن تعود لرشدها، وأن تعمل بتعاليم دينها وساعتها ستكون كما كانت هي الرائدة والفائدة والموجهة والآمرة بالمعروف في كل الدنيا ولكل الناس والناهية عن المنكر كذلك.
  2. أن تربط مؤسساتنا البحثية والعلمية أعمالها بالضوابط الشرعية أهدافًا ووسائل وساعتها ستكون في معية الله وستحظى بتوفيقه، وستنير الدنيا وتسعدها بما تصل إليه من نتائج،﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ  (سورة الأعراف:٩٦)
  3. أن تقوم مجامعنا العلمية مثل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ورابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة وغيرهما بدور الريادة العالمية التي يفرضها الإسلام ويوجه إليها في:
    1. تنبية هذه المؤسسات البحثية والعلمية والتجريبية إلى وجوب الإلتزام بالضوابط الشرعية، وبطبيعة الحال، بعد تعريفهم بها وتعليمهم إياها، والتعاون معهم في كيفية الإلتزام بها.

    2. التعاون مع الجمعيات والأتحادات الطبية الإسلامية والعالمية في إعداد ميثاق شرف علمي مهني أخلاقي مقترح بنظام مثل هذه البحوث.

وقد دارت مناقشات ساخنة بين الأطباء في كثير من مؤتمرات وندوات الطب الإسلامي حول ضرورة وضع شروط وقيود أنضباط على الممارسات لدى بعض العلماء المتعاملين مع الأجنة البشرية، مما حدا بالأستاذ الدكتور سالم نجم أستاذ الأمراض الباطنية بجامعة الأزهر أن يتقدم بأقتراح إعداد هذا الميثاق خلال إلقاء سعادته بحثًا عن أبعاد الهندسة الوراثية البشرية وموقف الشريعة الإسلامية من هذا العلم أمام المؤتمر السنوي لإتحاد الأطباء العرب بأوروبا بمدينة برلين بألمانيا سبتمبر 1995م، فقد أقترح سعادته وصوتي معه بهذا الخصوص:

أولًا: تشكيل لجنة متخصصة في بحوث الهندسة الوراثية البشرية، تضم في عضويتها علماء معامل أطباء نساء وتوليد، جراح، باطنة بيئة ومجتمع قانون إجتماع شريعة إنسانيات، وغيرهم من المتخصصين، ولابد من التدقيق في الإختيار.

ثانيًا: إتاحة الفرصة لخلق ورشة عمل لهؤلاء مع إفساح المجال لغيرهم من أهل الإختصاص والأهتمام.

ثالثًا: بعد عمل اللجنة وتمحيص التوصيات وصياغتها يقوم الإتحاد بعرضها على المجامع العلمية والفقهية في العالم الإسلامي، وكذلك على الجمعيات والأتحادات الطبية الإسلامية والعالمية، ثم تلقى الملاحظات والأنتفاع بها.

رابعًا: عقد ندوة علمية فقهية دينية قانونية... إلخ، لدارسة مسودة ميثاق الشرف هذا وإعادة صياغته.

خامسًا: التقدم به إلى المؤسسات الدولية مثل WHO أو غيرها لأعتماده وإنفاذه إن شاء الله، ومما يثلج الصدر أن أ.د. سالم نجم صرح خلال هذا المؤتمر بأن المجمع الفكري الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة يرحب بالمشاركة في هذه الوثيقة إلى حيز الوجود.

وهذا الإقتراح الجيد إذا كتب له أن يرى النور بإذن الله تعالى سيحفز همم علماء المسلمين في البحث والإبتكار وسيحد من عبث هؤلاء الذين أدى بهم الترف العلمي والتحلل الإنتمائي إلى الجنوح والتطرف في أفكارهم ومعاملهم وتجاربهم وسيرفع من جهة ثالثة الضوابط الشرعية الإسلامية الإنسانية إلى مكان تسعد به البشرية وتسائل عنه وعن مصدره فتهتدي بهداه، وهو لون رفيع من ألوان الدعوة إلى الله تعالى ودينه القويم: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ  (سورة يوسف:١٠٨)، قد يقول قائل ماذا يفيد هذا الصوت ومن يسمعه أقول نعم إنه ليس صوتا واحدا بل هناك الاف الأصوات تبلغ رسالة الحق وترفع عقيرتها بها باعوا أنفسهم لله من أجل إعلاء شأنها وإسعاد أهلها، مع ذلك فهذا الصوت يقدم من باب: ﴿ إِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)سورة الأعراف:١٤٦-١٤٧).

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الصوت يؤازره آلاف الأصوات من العلماء المسلمين وغير المسلمين في العالم الغربي والإسلامي كذلك.

 

الرابط المختصر :