; مقال.. الشورى في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان مقال.. الشورى في الإسلام

الكاتب محمد يوسف عبده

تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992

مشاهدات 100

نشر في العدد 995

نشر في الصفحة 34

الأحد 29-مارس-1992




المشاورة في اللغة هي استنباط المرء رأي غيره فيما يعرض له من الأمور والمشكلات.

وقد وردت في كتاب الله- سبحانه وتعالى- مرتين، مرة في صورة أمر من الله سبحانه وتعالى لنبيه- صلى الله عليه وسلم- بمشاورة أصحابه رضي الله عنهم فيما عرض له من أمور تتعلق بمصالح الحروب وغيرها من الأشياء التي لم يرد في شأنها وحي وهي قوله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).

قال المفسرون: أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه لتقتدي به أمته من بعده، ويطيب بها نفوسهم ويرفع أقدارهم، ويؤلف بها قلوبهم، وليعلمهم ما في المشاورة من الفضل والبركة، وليس لحاجة منه- صلى الله عليه وسلم- إلى رأيهم، لأن الله قد أغناه عن رأيهم بوحيه، وقد روى عنه- صلى الله عليه وسلم- قوله: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًا».

ثم دأب الرسول- صلى الله عليه وسلم- على استشارة أصحابه فيما يعرض له من أحداث لترسيخ هذا المفهوم في أذهانهم ولتتأسى به أمته من بعده، ولذلك نقل عنه- صلى الله عليه وسلم- قوله في مناسبات مختلفة لأصحابه: «أشيروا عليَّ أيُّهَا النَّاسُ».

ويلاحظ المتتبع لسيرته العطرة أنه كان يعزم على الرأي الذي تراه الأغلبية من المستشارين، كما فعل في غزوة أحد وفي شأن ثمار المدينة وفي أسرى بدر، كما يلاحظ أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يرجح رأي المتخصصين في القضايا المطروحة كما فعل في غزوة بدر عندما نزل قرب البئر بإشارة بعض أصحابه المتخصصين في خدع ومكائد الحروب، وكما فعل في غزوة الخندق عندما اتخذ قراره في حفر الخندق نزولاً عند رأي الصحابي المتخصص في مثل هذه الطريقة التي كانت جديدة على العرب.

وكان- صلى الله عليه وسلم- تَعْمِيقًا لهذا المفهوم يقول لأبي بكر وعمر- رضى الله عنهما-: «لوِ اجتَمَعْتما في مَشورةٍ ما خالَفْتُكما» (أحمد: 17994).

وعن علي- رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن العزم فقال: «مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم».

وقد حث النبي- صلى الله عليه وسلم- الأمة على الاستشارة في شؤونها العامة والخاصة بأقواله من هذه الأقوال قوله- صلى الله عليه وسلم-:

1- «ما خاب مَنِ استخار، ولا نَدِم مَنِ استشار» (الطبراني: 6627).

2- «ما شَقِي قط عبدٌ بمشورةٍ وما سَعِد باستغناء رأي» (مسند الشهاب: 773).

3- «ما تشاورَ قومٌ قط إلا هُدُوا لأرشدِ أمرِهم» (ابن حجر: 59).

قال ابن العربي: الشورى ألفةٌ للجماعة، ومسبارٌ للعقول، وسببٌ إلى الصواب، وما تشاور قوم إلا هُدُوا.

وقد التزم الخلفاء الراشدون من بعده- صلى الله عليه وسلم- بهذه السيرة، فكانوا يستشيرون كبار الصحابة في كل ما يعرض لهم من مشكلات وما يستجد من أحداث ومعضلات لم ينزل فيها قرآن ولم يرد فيها حديث كأمور الخلافة والولايات العامة وإدارة مصالح المسلمين، وكالمسائل الشرعية الاجتهادية كما فعل الصحابة- رضى الله عنهم- في مسألة ميراث الجدة ومثيلاتها من المسائل الفقهية.

قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: المشاورة حصنٌ من الندامة وأمن وسلامة.

الآية الثانية وردت في معرض تعداد صفات المؤمنين وهي قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى: 38).

أي شأنهم وصفتهم اللازمة لهم حتى يكونوا مؤمنين حقًا، إن عرض لهم أمر يحتاج إلى مراجعة الرأي واستخلاص الصواب فيه أن يتشاوروا فيما بينهم ويقلبوا الآراء حوله ليتوصلوا إلى أفضل النتائج وأنسب القرارات.

ولمكانة الشورى في الإسلام وما ترمز إليه من أهمية سميت سورة من سور القرآن الكريم باسمها، ولأهميتها كذلك ورد ذكرها مع أركان الإسلام الثلاثة: الأولى وهي ركن التوحيد الذي يتضمنه قوله تعالى في الآية: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾، وركن الصلاة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وركن الزكاة المعني بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.. ثم وضعت بين الصلاة وبين قرينتها الزكاة.

وفي ضوء ما تقدم من النصوص القرآنية والحديثية وسيرة الخلفاء الراشدين أرى أنه لا يحق لأحد أن يزعم أن الشورى في الإسلام غير ملزمة، وأن للحاكم أن يستبد برأيه ويقرر ما يراه هو دون الأخذ برأي أهل الشورى.

والغريب أن بعضهم حاول أن يستدل لهذا الاتجاه بقوله تعالى: في الآية الأولى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159).

بعد أمره لنبيه- صلى الله عليه وسلم- بالاستشارة قائلين: إن الحاكم إذا عزم على شيء معين واقتنع به فليس عليه إلا أن ينفذ عزيمته هذه سواء كان هذا العزم نابعًا من استشارة أو من رأي فردي ارتآه هو، مع أن الفهم الطبيعي للآية يرفض هذا الاتجاه، حيث إن العزيمة تأتي بعد الاستشارة وتقليب الآراء ثم تطبيق رأي الأغلبية من المستشارين كما قال- عليه الصلاة والسلام- عندما سئل عن العزم: «مشاورة أهل الرأي ثم اتَّباعهم».

وإلا فليس للاستشارة أي معنى غير تضييع أوقات المستشارين وهدر طاقاتهم وتسفيه آرائهم التي لم تؤخذ في الحسبان، ولم يُلقَ لها بال من قبل ذلك الحاكم الذي يحق له أن يضرب عرض الحائط برأي غيره من المستشارين، وأن يقرر ما يراه هو مناسبًا.

وأعتقد أن هذا القول نابع من تفسير أن بعض العلماء الذين تأثروا بعوامل بيئية لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، وبأنظمة سادت أمتنا الإسلامية في فترات من تاريخها، حيث كان الاستبداد ورأي الفرد في الحكم هو الأمر الواقع مَصبوغًا بصيغة إسلامية أو دينية، حتى إن الحكام في تلك الفترات المشار إليها أطلقوا على أنفسهم ألقابًا توهم بأن سلطتهم مستمدة من الله كالحاكم بأمر الله وما شابه ذلك.

كما أن هذا القول يستند إلى بعض الأحداث والمواقف التي توهم أن بعض الخلفاء الراشدين انفردوا بالرأي فيها، ومع ذلك كان الصواب حليفهم كموقف أبي بكر- رضي الله عنه- في حرب أهل الردة ومانعي الزكاة، مع أن هذا الموقف كان في حقيقته نابعًا من نص شرعي اعتمده أبو بكر- رضي الله عنه-، بالإضافة إلى الخصوصية الصدّيقية التي لا يمكن لأحد في هذا العصر أن يدعيها.

قال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين- من الحكام- فعَزله واجب وهذا ما لا خلاف فيه.

ويكفي في هذا المضمار ما جنته الشعوب من تطبيق الشورى من سعادة لمجتمعاتها وحفاظ لأنفسها وأموالها وأعراضها، وتمتع بحرياتها ومساواة في الحقوق والواجبات، ومشاركة فعلية في تسيير أمورها دون أدنى خوف أو إرهاب.

وما جنيناه نحن من رأي الفرد والاستبداد من أهوال يشيب لها الولدان، مما جعلنا ونحن- خير أمة أخرجت للناس كما أراد لنا القرآن- نعيش في ظلمات التخلف والقهر والخوف والتبعية والمعاناة الدائمة نتيجة لتعطيل الشورى بيننا حكامًا ومحكومين.

أما طريقة تنفيذ الشورى فهي متروكة للأمة، المهم أن تنفذ الشورى تنفيذًا كاملًا غير منقوص فيه، ولا أهمية بعد ذلك للاسم الذي تسمى به هذه الطريقة، لأنه لا مُشَاحَّة في الاصطلاح، وإن كان من الأفضل أن تكون مستوحاة من نصوص ديننا الحنيف، إلا أنه يجب أن يكون المستشارون ممن تتوفر فيهم العدالة والأمانة والصلاح، وأن يكونوا عقلاء متسلحين بقدر من الدراية والعلم، ملمين بما فيه الكفاية بما يجري في العالم من الأحداث وما يطرأ من مستجدات، كما يجب أن يكونوا بعيدين عن تسلط الحاكم وهيمنته ليتمكنوا من إبداء رأيهم في حرية كاملة.

ويجب على المصلحين كافة أن يعلنوا للعامة والخاصة أن الشورى من أهم أسس الحكم في الإسلام، وأنها صفة من صفات المؤمنين التي ينقص الإيمان بنقصها، وأن معظم الويلات والنكبات التي حلت بنا نحن الأمة الإسلامية بسبب انعدام الشورى، وأننا بتطبيق الشورى يمكن أن نحقق الكثير ونحتل المكان اللائق بنا. والله ولي التوفيق.

 

الرابط المختصر :