العنوان مكارم الأخلاق
الكاتب سعاد الولايتي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1993
مشاهدات 51
نشر في العدد 1035
نشر في الصفحة 54
الثلاثاء 26-يناير-1993
مكارم الأخلاق
بقلم: سعاد الولاياتي.
من السهل جدًا أن نتحدث عن مكارم الأخلاق وأهمية التحلي بها، ولكن كم
منا من استطاع الوصول إليها، وترى كم يتطلب الأمر منا حتى نَصِل إليها؟ ليس من
السهولة الوصول إلى مكارم الأخلاق خلال فترة قصيرة ذلك أن الأمر يتطلب من الفرد
جهدًا كبيرًا، واحتِمَالًا واسعًا، ونية صادقة نحو التغيير للأفضل، وقد يفنى المرء
عمره كله وهو يحاول جاهدًا الوصول إلى مرتبة مكارم الأخلاق، بل إن صعوبة هذا الأمر
قد تفوق كثيرًا من الأمور التي نجدها عسيرة على الكثير منا، فعلى سبيل المثال
الحصول على شهادة علمية عالية كالشهادة الجامعية مثلًا أو حتى شهادة الماجستير فما
فوقها، لا يتطلب من المرء سوى سنوات من البحث والدراسة والتحصيل حتى ينال بعدها
تلك الشهادة التي يطمح إليها، أما نَيْل شهادة مكارم الأخلاق فقد تستغرق منه وقتًا
وجهدًا أكثر من جهد شهادته العلمية بكثير، إن المرء قد يصادف من خلال حياته اليومية
أُناسًا كُثر من ذوي حملة الشهادات العالية، لكنه من خلال احتكاكه اليومي
معهم كذلك قد يلحظ أنهم ليسوا بالمستوى الأخلاقي الذي يتوقعه، أو ربما أقل
من ذلك بكثير، فالشهادة العلمية العالية لا تضمن أن يكون صاحبها بمستوى أخلاقي
عال، وقد ترى هذا الشخص على سبيل المثال لا يتورع عن ممارسة سلوكيات لا أخلاقية
ينفر منها الخُلُق القويم كالنفاق والغرور والحِدة وسرعة الغضب... إلخ.
الأمر كما ذكرنا مسبقًا يحتاج إلى جهد كبير ومتواصل فقد يقضي المرء
سنوات عديدة من عمره كي يعوِّد نفسه على الصبر واحتمال الأذى من الآخرين، أو أن
يعوِّد نفسه الحِلم، أو قول الصدق في جميع الأمور والأحوال، أخلاقيات عديدة وكثيرة
وقيمة تلك التي يحثنا عليها ديننا الحنيف من خلال توجيهات الرسول -صلى الله عليه
وسلم- «لا تغضب» «إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه» ومن خلال آيات كتاب
الله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (سورة المعارج: 5)،
﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (سورة آل
عمران: 159) ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ (سورة الأحزاب: 35)،
أخلاق عالية راقية لو حرص كل فرد منا على التمسك بها لانصلح حال
المجتمع، وارتقت الأمم، ولكن مع الأسف الشديد قليل منا من يجاهد نفسه كي يصل
إليها، قليل منا من يجلس ليتفكر في عيوبه، ومن ثم يسعى لإصلاحها، قليل منا من ينظر
إلى عيوبه قبل النظر إلى عيوب الآخرين، من السهل جدًا أن ننتقد الآخرين، لكن من
الصعب جدًا أن نوجه النقد لذواتنا، ونسلط الضوء على عيوبنا، إن لنا في رسول الله
-صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة ذلك الذي يذكرنا بأنه إنما بُعث ليتمم مكارم
الأخلاق، وحين كانت السيدة عائشة تُسأل عن خلقه تجيب «كان قُرآنًا يمشي على
الأرض».
كم صِرنا نفتقد الكثير من مكارم الأخلاق التي راحت تضمحل تدريجيًا
بفعل ضغوط الحياة المادية، فمن شخص ينفعل لأتفه الأسباب إلى ذاك الذي يقضي ساعات
في الجدال فقط؛ ليثبت أن رأيه هو الصواب، وما عداه باطل، إلى آخر يتعدى السيارات
الواقفة تنتظر في طابور طويل ليتجاوزها هو ضاربًا بالأخلاق الكريمة عرض الحائط،
وكأنه هو فقط -لا سواه- صاحب المشاغل الكثيرة، وغيره بلا مشاغل. سلوكيات كثيرة
فينا بحاجة إلى تقويم، بحاجة إلى عين بصيرة تبحث عن الداء ومن ثم تصف له الدواء،
الأمر كما ذكرت في البداية ليس سهلًا، قد يستغرق منا سنوات عديدة، لكن النتيجة
بالتالي تستحق كل ذلك الجهد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل