; ملاحظات حول كتابة التاريخ الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان ملاحظات حول كتابة التاريخ الإسلامي

الكاتب محمد سليمان العبدة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975

مشاهدات 80

نشر في العدد 249

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 13-مايو-1975

من الواضح أن كتب التاريخ التي بين أيدي الناشئة فيها أخطاء كثيرة نلمس من ورائها أثر المستشرقين. وإن أعداء الإسلام يعلمون ما للتاريخ من أهمية في صياغة شخصية الأمة في الحاضر والمستقبل، ولذلك عمدوا إلى التاريخ يؤولون الأحداث ويحرفون النصوص ويتتبعون الكتب الضعيفة يأخذون منها آراء فيليب حتى في أن الفتح الإسلامي هجرة من الهجرات التي خرجت من الجزيرة العربية كالهجرة الكلدانية والآشورية، وأن الحروب الصليبية هي صراع بين الشرق والغرب. هذه الآراء موجودة في كتب التاريخ الآن.

وفي كتابة التاريخ الإسلامي لا بد أن نتخلص من كل العقد ومن کل الخلفيات الفكرية التي تأثر بها المسلمون في العصر الحاضر. لا بد أن نواجه الحوادث التاريخية بروح محايدة وبحث موضوعي.

إن كثيرًا من كتاب السيرة في العصر الحاضر يخشون من ذكر المعجزات المادية للرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك تراهم يحاولون اللف والدوران حول النص. إنها العقدة التي أصيب بها المسلمون من جراء الهجـوم الاستشراقي الماكر حول الغيبيات، حتى الكتاب الفضلاء من المسلمين وقعوا في هذا الخطأ؛ فنزول الملائكة في بدر وغيرها من المعارك، وعروج الرسول صلى الله عليه وسلم بجسده الشريف، وغيرها كثير من المعجزات المادية الواضحة والثابتة، هذه المعجزات يقفون عندها كثيرًا ويحاولون تأويلها.

ويجب أن نرجع إلى الكتب التاريخية المشهود لأصحابها بالثقة والتقوى، وإن كانوا يوردون في كتبهم روايات كثيرة على عهدة أصحابها كابن جرير وابن كثير. ونرجع إلى علماء المسلمين؛ علماء الحديث والفقه، وعلماء نقد التاريخ كابن خلدون. إن آراءهم ذات قيمة كبيرة، ولهم آراء منثورة هنا وهناك، فمثلًا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رأي في أسباب انقراض الدول، يقول: «والمقصود هنا أن دولة بني أمية كان انقراضها بسبب هذا الجعد المعطل وغيره من الأسباب التي أوجبت إدبارها، وفي آخر دولتهم ظهر الجهم بن صفوان بخراسان».

إن كثيرًا من حوادث السيرة النبوية موجودة في كتب الحديث، وهي أصح من كتب السير.

وفي تاريخ ابن كثير رد على الذين يتهمون الخليفة سليمان بن عبد الملك بأنه كان أكولًا نهمًا، بينما كتب التاريخ الآن تورد هذه التهمة على سليمان.

إن جميع علماء الحديث، وتاريخ الفرق الإسلامية الثقات يردون نسب الفاطميين إلى فاطمة رضي الله عنها، فلماذا لا يؤتى برأيهم مع الآراء الأخرى، وهذا أقل الاحتمالات. وابن خلدون له آراء قيمة جدًّا في نقد من يتهمون الخلفاء العباسيين الأوائل بالترف واللهو، ويبني نقده على أن هؤلاء الخلفاء لا يزالون أقرب إلى الخشونة، ولم يبتعد العهد بهم حتى يصلوا إلى اللهو المذكور في كتب الإخباريين.

وفي كتابة التاريخ الإسلامي يجب أن نبتعد عن التطرف في الحكم على الأشياء، وذلك نتيجة إدخال عنصري الحب والكره قبل مواجهة النصوص، ونلتزم بالنص القرآني: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(المائدة: 8).

إن بعض الذين كتبوا في التاريخ الإسلامي من المعاصرين تورطوا في ردود الفعل هذه. إنهم قبل أن يكتبوا لم يواجهوا النصوص بصدور سليمة، فتراهم مثلًا يبررون کل أعمال يزيد بن معاوية، وخاصة وقعة الحرة. مع أن ابن حزم -وهو من المؤيدين للدولة الأموية- لم يرض عن فعل يزيد هذا، ووصف قائد الحملة مسلم بن عقبة بأنه مجرم بن عقبة.

ومن ردود الفعل أيضًا ما حدث عندما راجت بدعة القومية فبدأ الكتاب يكتبون عن بعض الشخصيات أو الحوادث لتسخير هذه الكتابة لمبدأ القومية، فكتب عن عبد الملك ابن مروان ويقال عنه: إنه علم من أعلام تاريخنا القومي. ونحن هنا لسنا بصدد تحليل شخصية عبد الملك؛ ولكن كيف أقحمت «القومي».. ترى هل كان عبد الملك نفسـه يريد هذا الشيء الذي يكتب الآن عنه من أنه دعم بناء القومية العربية؟!

وفي كتابة التاريخ الإسلامي لا بد من أن نشير إلى سنة الله في زوال الدول وانقراضها، وأنه لذلك أسباب، وقل من كتاب التاريخ المعاصرين من يشير إلى هذه الناحية، وكأن الأحداث تجري هكذا وليس لله إرادة فيها، والله سبحانه يقول: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء: ١٦). ويبين الله سبحانه وتعالى أن فساد بني إسرائيل هو السبب في أن بعث عليهم عبادًا أشداء فجاسوا خلال ديارهم: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا (الإسراء: ٤، 5). كما بين في حنين أن الإعجاب بالكثرة هو من أسباب الهزيمة. والقرآن الكريم حافل بصور عن الأمم التي كفرت بأنعم الله فأتاها بأس الله.

كما أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر لنا جانبًا من جوانب التاريخ الإسلامي، فقد روى الإمام أحمد رضي الله عنه في مسنده، كما رواه الطيالسي والعراقي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًّا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».

قال العراقي: هذا حديث صحيح. والحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة، وشيء من فقهها وفوائدها رقم «٥» للشيخ ناصر الدين الألباني.

فهذا الحديث فيه بشارة بعودة الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبشر المسلمين بأن هذا الأمر «الإسلام» سيبلغ ما بلغ الليل والنهار. وما وقع من البشارات كركوب البحر في زمن عثمان وإمارة معاوية، وفيه منقبة لمعاوية. وكذلك فتح القسطنطينية الذي كان على يد محمد الفاتح العثماني. 

فإذا كانت هناك نظريات في تفسير التاريخ، فيجب أن يكون للمسلمين نظريات خاصة في هذا الموضوع.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة: ١٤٣). والسلام عليكم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

1229

الثلاثاء 24-مارس-1970

أصول الاقتصاد من الكتاب والسنة

نشر في العدد 2112

119

الأحد 01-أكتوبر-2017

مار جرجس.. والإله حورس!

نشر في العدد 61

111

الثلاثاء 25-مايو-1971

لقاءات المجتمع