العنوان ملاحظات في الأحداث والناس
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-فبراير-1972
مشاهدات 115
نشر في العدد 87
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 15-فبراير-1972
ملاحظات في الأحداث والناس
حين يتلف الضمير الديني
* رئيس الأساقفة الإنجليز كان في المنطقة العربية يطالب ببقاء القدس تحت السيطرة اليهودية.
المطران/ أبلتون؛ رئيـس الأساقفة الإنجليكاني في القدس ورئيس الأساقفة الإنجليكان في المناطق المحتلة والأردن وسوريا ولبنان ومصر والسودان والكويت والعراق- ظل يُعلن في كل مناسبة تأييده الاحتلال الصهيوني للقدس وعداءه السافر للعرب والمسلمين.
وهو صاحب المذكرة الصادرة بعنوان «ملاحظات عالم اجتماعي على حل لمشكلة القدس السياسية» والتي جاء فيها: «إن القدس هي لليهود المدينة المقدسة بلا منازع وهي عاصمة إسرائيل»، وفي 10/6/71 ألقى المطران أبلتون خطابًا في لندن استخدم فيه مركزه الديني لدعوة سياسية تعزّز مزاعم اليهود بأن القدس أكثر أهمية لليهود منها للإسلام والمسيحية، ولذلك فإنه يرى أن من حق اليهود الفوز بنصيب الأسد في السيادة عليها، وقال كذلك في محاولة لتعزيز مطامع اليهود في الاستيلاء على ساحة الحرم الشريف ومسجد الصخرة المشرفة: «يجب أن نكون شاكرين للمسلمين محافظتهم على صخرة إيمان إبراهيم وموقع هيكل العبادة للأجيال القادمة».
كما حوّل تلاوة الصلاة في كاتدرائية القديس جورج بالقدس إلى اللغة العربية لأول مرة.
ويبدو أن المرحلة التاريخية الحاضرة بالنسبة للانحطاط الديني والسياسي للأمة العربية والإسلامية أصبحت مناسبة لكي يسفر النصارى الإنجليكان عن مواقفهم المعادية للأمة الإسلامية وللحقوق العربية في فلسطين. تلك المواقف التي عبرت عنها حكومتهم أيام الانتداب البريطاني؛ حيث تواطأت مع اليهود منذ البداية ضد الحقوق العربية والإسلامية، إن الأمة مطالبة اليوم بمواجهة أعدائها المتسترين بقداسات زائفة من غير تهيّب، وعلينا ألا ننخدع بالردود الاضطرارية التي تصدت للمطران المذكور. فعندما كان المطران الإنجليكاني يعيش تحت الحماية الأردنية لم يتجرأ على الإفصاح عن حقيقة رأيه وموقفه، ولو أن السيطرة اليهودية امتدت عبر الضفة الشرقية لما سمعنا مثل هذه الردود، بقي أن نقول: إن التهم الملطفة الواردة في هذا المقال أخذت من مصادر تبشيرية (بيان رؤساء الطوائف المسيحية في عمان).
عطاء لتوريد ثقافة:
ما هو الفرق بين الشاب العــربي واليهودي؟
في ذهني الآن صورة واقعية لشاب عربي ليكن في أي عاصمة عربية فالصورة لن تتبدل - شاب عربي يرتدي قميصًا وبنطلونًا على الهيئة التي يفضلها سواد الشباب هذه الأيام ويصفف شعره كما يرتضي مزاجه العصري ويدخن سيجارته المفضلة، هذا الشاب ألتقي به دائمًا؛ إما في نادي الطلبة أو في مقهى على الرصيف أو على البلاج، قد يكون اسمه نادر أو موریس أو سمير أو محمد، لا يهم؛ طالما أنه لا يحس بأي التزام ثقافي تجاه اسمه، وكنتُ كلما قابلته يناديني: هالو! ثم يحدثني عن آرائه الخاصة عن تحرير المرأة العربية لتواكب ركب الحضارة وعن إعجابه بسلامة موسى، وعمق ثقافته، وعن فرويد وأضرار الكتب ثم يبدي إعجابه بالتطور الذي حققه المجتمع العربي سياسيًّا واجتماعيًّا؛ حيث تبدّلت مظاهر الحياة وخرجت المرأة إلى الشارع وشاركت الرجل في العمل ونزعت الحجاب، وكيف أن معالم البلد القديمة بدأت تتلاشى لتحل محلها المحلات الحديثة والعمارات الشاهقة. إن صديقي شاب مثقف فإذا دخل السينما حدثني في الصباح عن الفيلم الذي حاز إعجابه وعن فلانة وفلان من الممثلين والممثلات ثم يشعب الحديث إلى حياتهن الخاصة ومشاريعهن الفنية. وهو كذلك معجب بمسرحيـات شكسبير وأعمال فان جوخ وموسيقى الخنافس وكاتبته المفضلة هي الكاتبة الفرنسية فرانسوا ساجان على الرغم من هذه الخلفية الثقافية فقد شهدته مرة يخطب في اجتماع طلابي يتحدث عن ضرورة القضاء على الأنظمة الرجعية واعتبار قضية فلسطين جزءًا من الثورة العالمية ونضال الشعوب المحبة للسلام، وكانت تلوح خلفه صورة كبيرة لجيفارا، وكان يتحدث بلغة هي مزيج من المصطلحات السياسية الفصيحة واللغة الدارجة والكلمات اللاتينية، وكان بعض لابسي الجينز والميني يصفقون.
بأمانة كنتُ أول عهدي به أتوق لزيارة مسكنه لأتعرف أكثر وأكثر إلى حياته ونفسيته وثقافته، لكني الآن أستطيع أن أتصور كل ذلك، أستطيع أن أضمن ما يوجد في ثلاجته وما هي وجبته المفضلة، أطباق فرنسية لا شك مع كوب من البيرة ورياضته المفضلة واللوحات المثبتة على حائط غرفته، كل شيء واضح الآن.
على كلٍ؛ فهذا الشاب نموذج حي للجيل الجديد، وهو ليس شابًّا فاشلًا أو منبوذًا، بل هو شاب ناجح، وهو في نظر الناس مثال للوعي وأمل للخلاص وسيكون له شأن؟ قال لي أحد زملائه: إن مثل فلان هذا سوف يثري البلد إذا ما تولى أي مسؤولية.
صدقوني حتى هذا الوقت كنت منضمًّا إلى زمرة المعجبين بهذا الشاب الواعد، وذات مرة كنا في إحدى دول أوروبا الشرقية في سمنار للشباب نناقش دور الشباب في التغيير الاجتماعي، وفي الاستراحة بين الجلسات التقيت بشاب سويدي. حملني على الحديث إليه تلك السمات المظهرية المطابقة لمظهر صديقنا الشاب العـربي، اللبس والذوق الخاص والحديث عن تحرير المرأة الشرقية وفصل الدين عن الفكر السياسي وموسيقى الخنافس، إلخ.
أحسست بأن الحلم الكبـير بدأ يتحقق لقد انفتحنا على الفكر المعاصر واستوعبنا تجارب المجتمعات الأوروبية ولحقنا بركب الحضارة، ما دام شبابنا العربي قد بدأ يفكر تمامًا كما يفكر هذا الشاب السويدي الذي يتحدث أمامي الآن، وهو يداعب كأسه الفارغة هدأت حلقة الرقص (كانت على أنغام البلوز) وعاد صديقي السويدي بين شلة من المندوبين العرب إلى مقاعدهم، هناك سألته:
- هل تؤمن بوجود إله؟
- أحيانًا، ساعات الضيق!
- ما هو دينك في الأصل؟
- يهودي
لا أستطيع أن أحدد لك شعوري بالضبط في تلك اللحظة لكنني لفترة وربما لهول الصدمة والمفاجأة اختلط عليّ؛ هل الجالس أمامي هو اليهودي أم الشاب العربي الذي بدأنا الحديث عنه؟ على كل لم يكن ثمة فرق؛ فالتفكير واحد والفلسفة واحدة والسلوك واحد والذوق واحد، لا فرق على الإطلاق في الشخصية وفي الثقافة وفي المواقف، في تلك اللحظة الخاطفة انشقت الأرض أمامي ونظرت في هوة سحيقة من الأسرار لا نهاية لها وبدأت أفكر كما كأني ولدت اليوم؛ كيف أصبحنا يهودًا دون أن نشعر؟؟ ما هو الفرق بيننا وبين اليهود؟؟ من المسؤول؟
لست أدري لماذا؟ فقد تذكرت صلاح الدين في نهاية تلك الدوامة وبدا لي مظهره المتميز، بعمامته وأثوابه ولحيته وسيفه، وإلى جانبه تسير زوجته المحتشمة وخلفه طريق يؤدي إلى المسجد، ولما رأيت المصحف بيده تذكرت الخنافس وكان جوخ وفرانسوا ساغان فشعرت بالغثيان، ولما عدت إلى وطني كنــتُ أبحث عن ثقافة جديدة.
أطفال من دكا!!!!
في مستشفى الأطفال بدكا ترقد بقايا طفل، له رجل واحدة معلقة إلى سقف العنبر، نصف وجهه الأيمن جميل والنصف الأيسر يختفي خلف ضماده، لا يبكي، لا يضحك، ولا يتحدث، على الحائط خلفه أوراق طبية مكتوب عليها ما أمكن معرفته من معلومات:
الاسم: محمد شودري
العمر: أربع سنين
وجد يلعب فوق جثة والدته بعد أن بعثر أنصار «عوامي» معدتها في منزلها. أبوه لا يعرف مكانه، أخذ إلى ملجأ أيتام في دكا تعرض إلى قصف الطائرات الهندية، كان يشكل هدفًا حربيًّا ممتازًا! أُخِذ من تحت الأنقاض إلى المستشفى حيث بترت ساقه.
جواهر أحمد رحمة
طفلة في العاشرة
أبوها من البهاريين، سمعت بأن رجال معركتي باهيني، قد أخذوه إلى ميدان عام، راحت تجري في الشوارع حتى وصلت وهي تتعثر وتصيح، رأت والدها مكتوف الساعدين يتلوى ويصرخ في ذعر يسترحم أحد الهندوس ألا يشرح لسانه كما وعد جمهوره المستمتع! ويرجوه أن يقتله في الحال، صاحت جواهر: أبي، وألقت بنفسها عليه، ركلها الضابط الهندوسي بحذائه العسكري ففقدت الوعي.
أفاقت جواهر في المستشفى، بدأت تصرخ وتسأل: أين أبي؟ ماذا صنعوا به؟
لم يكن أحد يدري، كانت إحدى أضلاعها مكسورة تسبب لها آلامًا حادة، بعد خمسة أيام جاءت أمها الأرملة، بكى جميع من بالمستشفى لمشهد الأم والطفلة، قالت الأم إنها لا تعلم شيئًا عن جثة زوجها بعد أن مثلوا به حيًّا وميتًا وإنها جاءت للمستشفى بعد خمسة أيام من اختفاء طفلتها لتسأل فقط إذا كانت توجد جثة طفلة.
• على السرير المجاور لجواهر يرقد غازي محمد إقبال - طفل بهاري أصيب بصدمة نفسية أفقدته النطق، وذلك لأنه حضر مهرجانات التعذيب، رأى أنصار مجيب يمزقون أجساد البهاريين بالحراب وهم يضحكون والضحايا يصيحون في ذعر وألم ـ رأى رءوسًا مفصولة عن الجثث، وأطراف آدميين متناثرة على جنبات الطريق، في منتصف الليل، قفز غازي من السرير وهو يصيح مذعورًا ولما فتح عينيه الصغيرتين كانت تلك آخر صيحاته، ثم صمت إلى الأبد.
قال أخوه الأكبر إن غازي كان يحب الشكولاتة واللعب بالبالونات وقطته الصغيرة، وفي شوارع ضاحية ميربور يتحرك شبح طفل بهاري قتل أبوه لأنه يتحدث بلغة غير البنغالية وماتت أمه لأنها خرجت تبحث له عن شيء يأكله فاصطادها أبطال موكتى باهيني بالرصاص في عرض الشارع. الطفل لا زال يتحرك، كالإنسان الآلي، رأسه منتفخ وكذلك بطنه، إلا أن أطرافه وصدره عارية تمامًا من اللحم، إذا استطاع أن يتنفس طول الليل فإنه سيستريح غدًا مع آخر أنفاسه، سينفق من الجوع حيث تشبع أبقار الهندوس في دكا.