العنوان ملامح التخطيط والحركة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم
الكاتب جمال النهري
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أكتوبر-1970
مشاهدات 123
نشر في العدد 31
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 13-أكتوبر-1970
«المؤمن كيّس فطِن»..
﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
والآيات التي هي بمثابة «منبهات عقلية» والتي تنتهي بمثل هذه النهايات..
«أفلا تتدبرون»؟
«أفلا تعقلون»؟
ما أكثرها.. وما أشد عمق مراميها.. في جنبات الكتاب الكريم.
وبرغم أن الفطنة قد يختلف مستواها من عصر لعصر إلا أنه سيظل دومًا من أكبر أهداف كتاب الله الحكيم إنتاج «العقل الذكي المسلم» الذي يجيد «فن بلوغ الهدف».
• وحين تحرّكت شفتا الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكلمات القرآن كان يتحرك «لهدف» والهدف كان «إعلاء» كلمة الله.. وبمفهوم المخالفة فلقد كان هذا «التحرك» يستهدف في نفس الوقت «إسقاط» ما عدا «كلمة الله» من كلمات وإثبات بوارها عمليًّا.
• وهذا الإسقاط كان يعني إبدال «قوة شريعة الله» محل قوى وسلطات متعددة مزّقت المجتمع البشري.
ولكي يتم هذا الإبدال كان لا بد له منذ «لحظته الأولى» من «خطة».
الخطة في مكة وتكوين القاعدة في ظلال القوى القائمة
بعض أصول الخطة في مكة كان إلهيًّا بينما ترك البعض الآخر لاجتهاد الرسول وأصحابه.
ولا شك أن الحكمة كانت وستظل تقتضي أن ترتكز الدعوة على «قاعدة» متينة من الأهل والعشيرة ومن ثم نزلت الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤).
وفي حدود هذه الدائرة ترتكز الحركة على الصدق في القول والتعامل.. بحيث يكون «نموذج الحركة» مثالًا يثق فيه المجتمع الذي حوله يحبه ويصدقه.
وقف الرسول فقال: «يا بني عبد المطلب.. يا بني فهر أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تُغير عليكم صدقتموني؟».
قالوا: «نعم».
قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».
• ولأول وهلة قد ينصرف الذهن عن تصور وجود خطة في مكة.. ولكن الحقيقة أن الاضطهاد كان يمثل عنصرًا إلهيًّا بمثابة «نار الصقل» تحمي هذه المجموعة الجوهرية من تسلل العناصر المزيفة. وكانت «الاجتماعات المتكتمة» تمثل عنصرًا بشريًّا آخر له فائدتان: أحدهما عدم استثارة قريش، وثانيها تجنب أذاها للدعاة قدر الطاقة..
الاستفادة من مراكز القوة في مكة
• ذهب أشراف قريش وممثلو السلطة القائمة آنذاك إلى أبي طالب فقالوا:
«يا أبا طالب: إن ابن أخيك سبّ آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا.. وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه.. فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه.. فنكفيكه».
ولقد رفض أبو طالب تسليمه، رفض لأنه يمثل «أحد مراكز القوة» في مكة «وقبل» الرسول هذه الحماية برغم أن أبا طالب لم يؤمن.. هذه الحماية التي اتخذت صورة أكثر شعبية فيما بعد..
وإلا فلماذا كانت الهجرة للحبشة.. إذا لم تكن لأمن الحركة؟ وتكوينًا لقاعدة خارجية..
• اشتد «التعذيب» وتفنّنت قريش في تصانيف العذاب.. واضطر «عمار» وهو من هو اضطر أن ينطق بكلمة الكفر «بلسانه فقط».. وقيل إنه أكره على «سب» النبي صلى الله عليه وسلم.. هكذا بلغ المعذبون بالمعذب.. وبلغ فن التعذيب..
وهكذا قرر الرسول «التخطيط» للهجرة.. والبحث عن «أرض» بها «ملك لا يظلم الناس».. فكانت هذه الأرض هي «الحبشة»..
و«انتقيت» عناصر المهاجرين فكان منهم رضي الله عنهم جميعًا: عثمان بن عفان ورقيه «بنت» رسول الله. وأبو حذيفة وامرأته سهلة. وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن مظعون. وعبد الله بن مسعود.. تبعهم قريش فلم تلحق بهم.
• ثم إنه قد بلغهم وهم في أرض الهجرة أن قريشًا «صافت» الرسول فاتجهوا للعودة لمكة. ولكن هل كانوا يدخلونها دون تقصي للمعلومات! بالتأكيد لقد «بلغهم» باقترابهم من مكة أن قريشًا قد تغيرت.
فدخل كل رجل في «جوار» رجل من قريش. ولنا أن نعلم أن هذا المجتمع الكافر كان يعرف «الرجولة» ويحترم «الجوار».. وهكذا استفادوا من القوى القائمة في مكة مع كفرها.
أمن الحركة
ارتبطت فكرة الهجرة بفكرة التخطيط «لأمن الحركة» الدعوة والدعاة معًا. وكان اشتداد التعذيب أجراس خطر ماحق يستهدف مستقبل الحركة. ولذا نلاحظ ارتفاع عدد المهاجرين في الهجرة الثانية من 15 إلى 83 رجلًا و19 امرأة إلى نفس الأرض: الحبشة ما دامت توفر العناصر «الأمينة» التي سبق تحديدها. بالدراسة والاستيثاق من الأسلوب الذي يتبعه النجاشي في الحكم وقد صدقت هذه الدراسة في تفهمها لعقلية النجاشي وخلقه.
التتبع وأساليبه
لم تكن قريش بالخصم البدائي الذي لا يحسن استخدام «أساليب الذكاء».. بل كانت بعيدة النظر فلم تحصر نظرتها في حدود مكة وما حولها ولا في حدود الجزيرة كلها ولم تكن لتدع فرص النمو لقاعدة خارجية مضادة «دون أن تتبعها بمؤامرات القضاء عليها».
فأرسلت من رجالها من هم أشبه «برجال المخابرات» في عصرنا. رجال تميزوا بالذكاء والحنكة ومن المناورة والحديث والرشوة.. مما لا يختلف كثيرًا عن أساليب العصر وإن اختلف نوع الهدية من المال إلى النساء إلى الخمر إلى التلويح بالسلطة.. إلخ..
فهم أولًا: حملوا هدية «رشوة» للنجاشي ولا بد أن الهدية كانت تليق قدرًا بمكانة ملك..
وهم ثانيًا: شككوه في نوايا المهاجرين، وبلغة العصر أفهموه أن هؤلاء قد «يقلبون نظام الحكم».
يقول عمرو بن العاص: «لقد بعث إليك ابن عمه «يقصدون الرسول» ليفسد عليك دينك «وملكك» فاحذرهم.. وادفعهم إلينا لنكفيكهم؟
وقدموا الدليل فماذا كان؟
«إنهم إذا دخلوا عليك. لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي كنت تحيا بها رغبة عن دينك»..!!
فلما استمع النجاشي إلى رد جعفر ورآه مقنعًا.. حين ذكره بأنهم لا يسجدون إلا لله.. أعادوا الكرة في اتجاه آخر.. قالوا: «إنهم يسبون عيسى وأمه» فقرأ جعفر من «سورة مريم» ويُقال إن النجاشي دمعت عيناه فلما رأته بطاركته على هذا الحال تفاخروا وأحسوا بالاستياء.. وخابت بعثة مخابرات قريش فيما أرادته. وردت الهدية وردوا مقبوحين. وكان النجاشي ملكًا «يناقش» وهو يُحسن الاستماع. ومن المفهوم ماذا كانت تريد قريش وماذا كان يمكن أن يكون من أمر هؤلاء لو عادوا إلى مكة!!
أو يهلك أحد الفريقين
بلغ الصراع ذروته. وحددت قريش أهدافها في المعركة المقبلة في حضور أبي طالب.
• تكفه.
• أو ننازله وإياك.. في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين.
تحدد شكل المعركة.. موت أو حياة.. أرادوا أن يسلبوا الرسول مركز القوة المتمثل في أبي طالب الذي كاد أن يميل لقريش «وبكى» رسول الله.. ثم اتخذ أبو طالب قرارًا تاريخيًّا.. قائلًا للرسول «فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا».
الاعتقال والاغتيال
وقررت قريش المقاطعة والحصار واللجوء إلى الاغتيال ولجأ أبو طالب بذكائه إلى قاعدته الشعبية الواسعة يستثير نخوتها ورجولتها ولو كانوا كفارًا.. ونجح في هذه المهمة ووافقه عليها المسلمون بتصرفهم فانحاز «للشعب» المسلم والكافر من بني هاشم وبني عبد المطلب، وبعد أن وضعت قريش بنود «أول اعتقال في الإسلام».
• ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم.
• ولا يبيعوا منهم شيئًا ولا يبتاعوا منهم.
• ولا يقبلوا منهم صلحًا أبدًا ولا تأخذهم بهم رأفة.
ونحن نعرف ما بلغته الحال في الشِعب حتى أن «الأطفال» كانوا يأكلون أوراق الشجر..
• كل هذا ليسلم الرسول «للقتل».
وعلقت «تعليمات المعتقل» في جوف الكعبة كأنها لتستمد منها قدسية أو ديمومة..
ولكن التاريخ لا ينحني للتعليمات بقدر ما ينفذ أوامر المؤمنين.
هذه بعض من لمحات عن التخطيط والحركة أيام الرسول. شملت التعذيب
والاعتقال والمقاطعة الاقتصادية والاغتيال والمطاردة والتعقب حتى في «البلاد الخارجية» في النطاق الدولي بعيدًا عن الأرض التي جرى فيها الصراع أصلًا. في الحبشة.
كان ثمة تخطيط وتخطيط مضاد. وكان تفاصل حقيقي في المجتمع اختفت منه الأشكال المائعة وكانت حرب ذكاء.
وبرغم أن الله سبحانه وعد بنصر المؤمنين فهم لم يغفلوا التخطيط لحظة لحركتهم في مكة أو ما أعقبها من خطواتهم الكريمة التي طهّرت العالم في فترة مشرقة من أنصع ما عرف تاريخ البشرية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل