; ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (۳)- الانفتاح على الآخرين | مجلة المجتمع

العنوان ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (۳)- الانفتاح على الآخرين

الكاتب أحمد محمد زايد

تاريخ النشر السبت 25-يونيو-2011

مشاهدات 51

نشر في العدد 1958

نشر في الصفحة 40

السبت 25-يونيو-2011

على الداعية أن يكون توافقيًا ينفتح على الآخرين ولا يعتمد منهج الإقصاء

هناك تيارات خائفة من الحكم الإسلامي ومن ظهور المتدينين.. والخطاب المنغلق لا يحقق إلا كثيرًا من العداوات للفكرة الإسلامية

يجب أن يلتقي الدعاة بالناس جميعًا .. يتحدثون إليهم ويسمعون منهم دون حواجز ليسمع الجميع منا بعد أن سمعوا طويلاً عنا

تناولنا سابقًا ثلاثة ملامح من خصائص خطابنا الدعوي في المرحلة القادمة، وفي هذا العدد نتناول الملمح الرابع من هذا الخطاب وما يجب أن يكون عليه في الفترة المقبلة.

رابعًا : منفتح على الآخرين توافقي لا يعتمد منهج الإقصاء:

توجد توجهات وشرائح وجماعات في المجتمع المصري، ظهرت كلها في وقائع الثورة، ربما الكثير منها لم نرها قبل ذلك ولم نهتم بها ولم نحتك بها مباشرة، وكانت جزءًا من نسيج الثورة ومكونًا من مكونات جمهورها الشعبي العريض، هذه الجماهير من حقها أن تتعرف علينا عن قرب، وتنظر في رسالتنا وأفكارنا بعد أن حجبت عنا الأسباب كثيرة وحجبنا عنها كذلك، ومن واجبنا الاجتماعي والدعوي أن نصل إليها ونتصل بها ونعرض عليها ما لدينا، وهذا جزء من الواجب، وقد تعودنا فترة من الزمن أن ينحسر الكثير منا وسط جمهور المتدينين بل وسط لون واحد منهم، واليوم الجماهير من هؤلاء تناقش الفكرة الإسلامية ما بين مقتنع بها وصاد عنها، ما بين مشوش الفكر تجاهها أو متسائل حولها، أو خائف من حملتها ورجالاتها بعد عصر طويل من التشويش على الدعاة ورسالتهم.

جماهير تتحدث عن التغيير، وعن الحكومة كيف تتكون، وعن نظم الحكم وبعض هذه التيارات مرتاب أو خائف من الحكم الإسلامي ومن ظهور المتدينين، ومن هنا نقول: إن الخطاب المنغلق أو الغاضب لا يحقق إلا كثيرًا من العداوات والأعداء للفكرة الإسلامية، وهذا يتطلب انفتاحًا على وسائل الإعلام والصحف ومواقع الإنترنت، وانفتاح الدعاة في أحيائهم وبلادهم على الجميع يلتقون بهم ويتحدثون إليهم ويجلسون معهم ويسمعون منهم دون حواجز، ليسمع الجميع منا بعد أن سمعوا طويلاً عنا، إن ثمة أسبابًا وموجبات لهذا الانفتاح، منها :

- حق الدعوة ووجوب تبليغها للجمي فهي دعوة للعالمين.

- أننا لسنا مختلفين مع هؤلاء في كل شيء، فلا يوجد خلاف كلي بيننا وبينهم بل هناك قاسم مشترك بين جميع العقلاء يمكن الاجتماع عليه والتعاون فيه دون المساس بالأصول العقدية.

- لسنا وحدنا في الساحة، فالجميع له حقوق وله أفكار وتوجهات، فإهمال هؤلاء وتجاهلهم معناه إهمال كم كبير من المجتمع يجب الاستفادة منه أو على الأقل تحييده.

وفي السيرة الشريفة كانت وثيقة المدينة انفتاحا وتنظيما وتعاونا بين المسلمين وبقية أطياف المجتمع الداخلي، ثم جاءت مراسلة الملوك والأمراء كصورة للانفتاح الخارجي ورأينا الهجرة إلى الحبشة، وكلام جعفر ر للنجاشي كيف قلب الميزان السياسي في موقفه من المهاجرين، وقبل الرسالة المحمدية دلل حلف الفضول على ضرورة التعاون بين كافة العقلاء على المشترك الإنساني دون تخوف أو انقباض، وفي تاريخ العمل الإسلامي المعاصر صور ونماذج وأحداث على هذا الانفتاح والتواصل مع أطياف المجتمع أثمرت ثمرتها، بينما تأخرت تيارات عن ركب الحياة بسبب انغلاقها عن هؤلاء جميعا بحجج حسبوها شرعية وما هي بذاك.

وأحب هنا أن أنقل في هذا المعنى الأخير كلامًا نفيسًا لأهل العلم في بعض المفاهيم الشرعية التي فهمها بعضهم على غير وجهها، وبالغ في ذلك، فانغلق بسبب هذا الفهم، بل وانسحب من ساحات دعوية كان يمكن أن يقتحمها ويؤثر فيها .

من هذه المفاهيم مفهوم «الولاء والبراء والمداهنة، مفهوم الركون إلى الظالمين».

أولا: المداهنة والولاء: توسع بعضهم في تفسير هذا المعنى الشرعي، ولم يفرق بين المعاني المرادة وغيرها، فجعل كل صور العلاقة مع غير المسلمين مداهنة وولاء بينما الأمر ليس على ما فهم، ومن هنا حاول الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه «الفروق» تصحيح هذا الفهم فقال: «في الفرق الرَّابِعُ وَالسِّتُونَ وَالْمَائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَدَاهَنَةِ المحرمة وَبَيْنَ قاعدة المداهنة . التي لا تَحْرُمُ وَقَدْ تَجِبُّ»: «اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى الْمَدَاهَنَةِ مُعَامَلَةٌ النَّاسِ بِمَا يُحِبُّونَ مِنْ الْقَوْلِ وَمِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَدُوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾(القلم: الآية 9 ) ؛ أي هُمْ يَوَدُّونَ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَيَقُولُونَ لك مثل ذلكَ فَهَذِهِ مُدَاهَنَةٌ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ يَشْكُرُ ظَالِما عَلَى ظُلْمِهِ أَوْ مُبْتَدِعًا عَلَى بِدْعَتِهِ أَوْ مُبْطِلاً عَلَى إِبْطَالِهِ وَبَاطِلِهِ فَهِيَ مُدَاهَنَةٌ حَرَامٌ؛ لأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةَ لِتَكْثِيرِ ذَلِكَ الظُّلْمِ وَالْبَاطِلِ مِنْ أَهْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَشْكُرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ يُرِيدُ الظُّلَمَةَ وَالفَسَقَةَ الَّذِينَ يُتَّقَى شَرُّهُمْ، وَيُتَبَسَّمُ فِي وُجُوهِهِمْ وَيُشْكُرُونَ بِالْكَلِمَاتِ الْحَقَّةِ فَإِنَّ ما مِنْ أَحد إلا وفيه صِفَةٌ تُشْكُرُ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَنْحَ النَّاسِ . فَيُقَالُ لَهُ ذَلِكَ اسْتِكْفَاء لِشَرْهِ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إِنْ كَانَ يَتَوَصَّل به الْقَائِلُ لِدَفْعِ ظُلْمٍ مُحَرَّم أَوْ مُحَرَّمَات لا تتدفعُ إِلَّا بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَيَكُونُ الْحَالُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إِنَّ كَانَ وَسِيلَةً لِمَنْدُوبِ أَوْ مَنْدُوبَاتٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهَا إِنْ كَانَ عَنْ ضَعْفِ لا ضُرُورَةَ تَتَقَاضَاهُ - بَلْ خَوْرٌ فِي الطَّبْع أَوْ يَكُونُ وَسِيلَةَ لِلْوُقُوعِ فِي - مَكْرُوهُ فَانْقَسَمَتْ الْمُدَاهَنَةُ عَلَى هَذِهِ الأَحْكَام الْخَمْسَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَظَهَرَ - حِينَئِذٍ – الْفَرْق بين المَدَاهَنَةِ الْمُحْرِمَةِ وَغَيْرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَدْ شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْمُدَاهَنَةَ كُلَّهَا مُحَرَّمَةٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأَمْرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ».

فهذا تفريق بين المعاني والأحوال بحسب مقاصدها وما توصل إليه، وأعتقد أن لقاءنا بالآخرين ومدحنا ما فيهم من خير كمقدمة البيان الدعوة إليهم من الواجبات الشرعية نظرا لما يؤول إليه الأمر من فهم الإسلام والتعرف على الدعاة.

الولاء والبراء

ثانيًا: مفهوم الولاء والبراء الذي يرفعه الكثيرون دون فهم المعناه الشرعي فقد درج الكثيرون على إطلاقه على مجرد المخالطة، أو الزيارة، أو المراسلة (11).. وهي كلها بعيدة عن مفهوم الولاء الشرعي الذي هو المودة والنصرة، ولا يسمى عمل ما إعطاء للولاء إلا إذا تضمن حبًا قلبيًا، وتفضيلا للآخر على المؤمنين، وإلا فهو من جنس المعاملات التي تجري بين البشر، والتي الأصل فيها الإباحة والجواز، ولذلك قال تعالى: ﴿لا يتخذ المُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله في شَيْءٍ إِلا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةٌ ﴾ (آل عمران : الايه 28)، فأوردت الآية قيدًا لمعنى الولاء، وأشارت إلى الحالات التي تستثنى منه، قال الأستاذ محمد رشيد رضا في تفسير «المنار»: ﴿ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قيد في الاتخاذ أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء وأنصارا في شيء تقدم فيه مصلحتهم على مصلحة المؤمنين لأن في هذا اختيارًا مهمًا وتفضيلاً على المؤمنين، بل فيه إعانة للكفر على الإيمان بطريق اللزوم.....

﴿إلا أن تتقُوا مِنْهُمْ تُقَاةُ﴾ استثناء من اعم الأحوال أي أن ترك موالاة الكافرين على المؤمنين حتم في كل حال إلا في حال الخوف من شيء تتقونه منهم، فلكم حينئذ أن توالوهم بقدر ما ينقي به ذلك الشيء لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح وهذه الموالاة تكون صورية لأنها للمؤمنين لا عليهم، والظاهر أن الاستثناء منقطع والمعنى ليس لكم أن توالوهم على المؤمنين ولكن لكم أن تتقوا ضررهم بموالاتهم.

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فجوازها لأجل منفعة المسلمين يكون أولى وعلى هذا يجوز لحكام المسلمين أن يحالفوا الدول غير المسلمة لأجل فائدة المؤمنين بدفع الضرر أو جلب المصلحة، وليس لهم أن يوالوهم في شيء يضر المسلمين وإن لم يكونوا من رعيتهم، وهذه الموالاة لا تختص بوقت الضعف بل هي جائزة في كل وقت (تفسير المنار).

حلف الفضول

ولقد نوهت قبل قليل إلى حلف الفضول، واشتراك الرسول ﷺ فيه، وبيانه أنه لو دعي إلى مثله لأجاب.

يقول د. سعد الدين العثماني تعليقًا على مسألة حلف الفضول: «والآن هل يمكن أن تسمي هذا العمل ركونًا إلى الذين ظلموا !! إن الكثيرين لا يزالون يجعلون من آية سورة هود: ﴿وَلَا تَرْكَنًوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسْكُمُ النار﴾ (سورة هود: الآية 113) متكأ لإدانة كل خطوة يتعاون فيها دعاة الإسلام مع غيرهم على طاعة أو خير، أو يستعينون بهم لتحقيق مصالح أو در مفاسد عنهم.

والركون في اللغة يمكن أن يطلق على معان عدة، منها مطلق الميل والسكون، أو الاعتماد على الشيء والرضا به، أو الود والطاعة .. لذلك من الضروري الرجوع إلى الأصول الشرعية وإلى النصوص الأخرى المعرفة المراد الشرعي من النهي الوارد في الآية، وفي مقدمة ذلك القواعد المقتضية لجلب المصالح ودرء المفاسد والموازنة بينها عند وجود تعارض بينها .

ثم ينقل عن الشوكاني في هذا الصدد قوله يرحمه الله في تفسيره ، وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة، أو دفع مفسدة عامة أو خاصة مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا، فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله خافية.

وزن الأقوال والأفعال

وبالجملة، فمن ابتلي بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك «فعلى نفسها براقش تجني»، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له، والأليق به إلى أن قال: «وقال النيسابوري في تفسيره قال المحققون الركون المنهي عنه هو الرضا بما عليه الظلمة أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم، ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لرفع ضرر واجتلاب منفعة عاجلة، فغير داخلة في الركون» (فتح القدير للشوكاني).

وعقب على ذلك بقوله: «وهكذا يتضح كيف طبق المفسرون قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد في فهم هذه الآية ونتيجة الغفلة أو الجهل بهذه الأصول حمل لفظ الركون هنا، كما حملت الآية ما لا يحتملان.

فاعتبر مجرد المطالبة بحق من الحقوق القانونية المشروعة ركونا إلى الظالمين واعتبر مجرد إرسال رسالة توضيح أو القيام بزيارة لدفع ضرر أو جلب منفعة ركونا إلى الظالمين.. وفصلت كل هذه الأمور عن ملابساتها وظروفها وعن الأهداف والمقاصد المرتبطة بها، مع أن المنهي عنه في الآية هو الميل القلبي إلى الظالمين ومحبتهم ومساعدتهم في ظلمهم، أما غير ذلك فهو إما مباح وإما مستحب أو واجب إن رجحت منفعته ومصلحته للمسلمين ولدعوة الإسلام»…

(*) الأستاذ بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

الرابط المختصر :