العنوان ملامح النهضة الاقتصادية الإسلامية في حفل افتتاح بيت التمويل الكويتي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979
مشاهدات 43
نشر في العدد 434
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-فبراير-1979
في الرابعة والنصف من مساء الإثنين الماضي تم افتتاح «بيت التمويل الكويتي» وسط تظاهرة اقتصادية إسلامية، وكان ذلك برعاية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله الصباح.
وقد برزت في الاحتفال ظاهرة الاقتصاد الإسلامي ودوره في المجتمعات المسلمة بالشكل المقنن المبني على أيديولوجية دينية تستوعب مشكلات الاقتصاد في العصر الحديث.
هذا وقد بدئ الحفل بآيات من كتاب الله أسمعت الجمع المحتشد الكبير قول القرآن الكريم الفاصل في مسألة الحلال والحرام في الاقتصاد والمال، وبعد ذلك ألقى سمو ولي العهد الشيخ سعد العبد الله كلمة جاء فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرات الإخوان: يسرني أن نلتقي اليوم لنحتفل بافتتاح بيت التمويل الكويتي الذي يشكل خطوة رائدة في مجال الخدمات المصرفية والمالية في البلاد باعتباره أول مؤسسة مالية تسير وفق أحكام الشريعة الإسلامية.. ولقد بادرت الحكومة إلى مباركة جهود إنشاء هذه المؤسسة لما توسمته فيها من رغبة صادقة في خدمة المجتمع وتنميته، فمنحتها التشجيع والتأييد المعنوي.. إلى جانب الدعم المتمثل في المشاركة برأسمالها، مع إتاحة الفرصة لمساهمة المواطنين في الاكتتاب بأغلبية أسهم رأسمالها.
والحكومة حين تشارك في تأسيس مثل هذه المؤسسات الهامة وتساهم في رأسمالها، إنما تهدف إلى تعزيزها ودعمها لخدمة الصالح العام في الدرجة الأولى.
إن للمال دورًا إيجابيًّا بناء في المجتمع الإسلامي، وإنه لمن دواعي السرور ما نراه من حسن استجابة مؤسسات القطاع الأهلي.. لرغبة الحكومة بضرورة المساهمة في خدمة المجتمع.. ونحن إذ نشكر هذه الاستجابة، فإننا نأمل في مزيد من مساهمة القطاع الخاص -أفرادًا ومؤسسات- بمشروعات تعود بالخير على المجتمع، وتلقى منه ومن الدولة دعمًا وتقديرًا وتشجيعًا.
حضرات الإخوان:
سوف نستقبل بعد أيام قليلة مناسبة وطنية مجيدة، وذكرى عزيزة علينا جميعًا... يوم عيدنا الوطني الثامن عشر.
ويجدر بنا ونحن نحتفي بعيدنا الوطني أن نذكر بالعرفان والإجلال أسلافنا الذين أخلصوا الحب والعطاء للكويت، ودافعوا عنها بأموالهم وأنفسهم، وتحملوا في هذا السبيل شظف العيش وغالبوا الصعاب وقسوة الحياة في البر والبحر، وتماسكوا أيام الشدة، فما وهنت لهم عزيمة ولا تفرق لهم شمل، وعاشوا على الإيمان والتعاون والتكافل والتشاور، يحمون وطنًا أحبهم وأحبوه، ويعملون دائبين من أجل أمنه وتقدمه.
إن الكويت وطن الأسرة الواحدة، وإن خير ما نعبر به عن الوفاء لمن أقاموا أسرتنا الكبيرة ووطننا العزيز أن نتابع من بعدهم المسيرة بنور الإيمان في قلوبنا والحب لوطننا.
كما يجب علينا في هذه المناسبة أن نحمد الله على ما أفاء به علينا من نعم كثيرة.. نعمة الخير الذي شمل أرجاء البلاد وكافة المواطنين.. نعمة الحرية والأمن والاستقرار والطمأنينة التي يستظل بها كل من يعيش على أرض الكويت.. نعمة المحبة والتعاضد في السراء والضراء.
حضرات الإخوان:
تشهد البلاد هذه الأيام حوارًا عامًّا حول تجربتنا النيابية، وهي الاختيار الذي ارتضيناه تطويرًا لديمقراطية الشورى التي عاش الكويتيون في ظلها منذ القدم أسرة واحدة متعاونة، وسيظلون كذلك بعون الله قلبًا واحدًا ينبض بالمحبة والتراحم، ويدًا واحدة تبني صرح الوطن وترفع رايته.
ولقد كانت للمرحلة الأولى من التجربة النيابية إيجابيات طغت عليها سلبيات حالت دون بلوغ الأهداف المنشودة، وضاع على المجلس وقت ثمين في مناقشات عديدة لا تخدم مصلحة الوطن والمواطنين، وشهدت جلساته تدني مستوى الحوار، وتعطيل عدد من المشروعات الهامة وإثارة النعرات البغيضة التي من شأنها إشاعة الفرقة والتفكك في مجتمعنا.
ومن ناحية أخرى فقد أبرزت هذه الممارسات وجود نقاط ينبغي تطويرها، حتى تستقيم العلاقة بين الجهازين التنفيذي والتشريعي في وقت تحمل فيه الحكومات في العالم كله مسئوليات متزايدة تحتاج إلى مزيد من الفاعلية والحسم.
كل هذا وغيره احتاج منا إلى مراجعة ننطلق منها إلى المرحلة التالية من حياتنا النيابية.. ومن البديهي أن أول خطوة في طريق الإصلاح هي إدراك الخطأ ومعرفة أسبابه والعزم على تلافيه، وعلينا جميعًا ونحن نناقش التجربة النيابية أن نعي تمامًا أن لا عودة إلى صورة الممارسة الخاطئة التي شوهت مفهوم الديمقراطية، بل لا بد من مراجعة شاملة كي يتم التوصل إلى صيغة مثلى للديمقراطية النابعة من ضمير شعبنا الطيب.. النابتة من تراب وطننا.. المنسجمة مع ديننا وتراثنا وقيمنا وتقاليد مجتمعنا.. ديمقراطية تعزز مبدأ الشورى المتأصلة في نفوسنا.. ديمقراطية تجمع شملنا وتصون وحدتنا وتشد أزرنا.. ديمقراطية ترعى أواصر المحبة والمودة بيننا.. وتوصد الباب في وجه أي تيارات ونوازع شريرة دخيلة على مجتمعنا ووطننا.. ديمقراطية تكفل وصول العناصر المتميزة بالإخلاص والكفاءة والنزاهة إلى سدة المشاركة الواعية في تحمل المسئولية.
هذه -أيها الإخوة- هي الديمقراطية التي يجب العمل على إرساء دعائمها وترسيخ مفهومها وترشيد ممارستها.. وتقع مسئولية تحقيق ذلك على عاتقنا جميعًا ككويتيين.. فكل مواطن مسئول، وخير الكويت خير لنا جميعًا.. وعز الكويت عز ورفعة لنا جميعًا.
حضرات الإخوان:
إن الأحداث الدامية التي تعصف ببلاد وشعوب عديدة في أنحاء مختلفة من العالم ينبغي أن تفتح أعين العرب على الأخطار المحدقة بوطننا العربي كله، وأن تكون حافزًا للمسئولين العرب على نبذ الخلافات وتوحيد الصف وتعزيز التضامن العربي الذي هو دعامة القوة العربية، والوسيلة الفعالة لتحرير أرضنا العربية المحتلة، واسترجاع حقوقنا.
القدير أن يوفق أمتنا العربية والإسلامية، وأن يسدد خطانا لمواصلة العمل لما فيه خير ورفعة وطننا العزيز بقيادة راعي نهضتنا صاحب السمو أمير البلاد، حفظه الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم ألقى السيد أحمد بزيع الياسين رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لبيت التمويل كلمته، وجاء فيها:
الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
صاحب السمو، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، علماؤنا الأفاضل، أصحاب السعادة: يطيب لي أن أقف في مقامي هذا مرحبًا بكم، شاكرًا لكم على تلبيتكم الدعوة لحضور الافتتاح الرسمي لهذه المؤسسة الاقتصادية «بيت التمويل الكويتي»، ومهنئًا الأمة الإسلامية جمعاء على قيام المصارف الإسلامية تباعًا في بعض الأقطار.
وبما أن المال عصب الحياة، ومن أساسياتها، وجب أن ينظم استغلاله وفق أساليب سليمة، تكفل للأمة عموم المنفعة، وعدالة التوزيع، وتكافؤ الفرص في مجتمع متضامن مترابط، وهذا الأمر كله شملته الشريعة الإسلامية الغراء جملة وتفصيلًا؛ لأنها منهج حياة متكامل، نسعد بالالتزام بأحكامها، ونشقى بالابتعاد عنها ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
الذي تحتمه الشريعة الإسلامية على ولاة الأمور في البلاد الإسلامية، بادرت الحكومة مشكورة، وعلى رأسها سمو الأمير المفدى وولي عهده بتأسيس ورعاية هذا الصرح الاقتصادي السليم، المتمثل في هذه المصارف الإسلامية، حيث ساهمت حكومة الكويت في بنك دبي الإسلامي الذي كان له الريادة ممثلة بوزارة المالية، وساهمت الحكومة في بنك فيصل الإسلامي في الخرطوم، وبنك البحرين الإسلامي في البحرين ممثلة بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية. وعلى نطاق إسلامي ودولي قامت الحكومة بالمشاركة مع الدول الإسلامية بتأسيس بنك التنمية الإسلامي بجدة.
ومن دواعي الغبطة والسرور، أن تكون الكويت من أوائل من يرعى حركة انتشار البنوك الإسلامية في العالم، ووضع أسس تطبيق الاقتصاد الإسلامي من خلال تدعيمنا وعضويتنا في الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على حرص المسلمين عمومًا على التحرر من النظم الاقتصادية المستوردة التي لا تلائم المجتمع الإنساني، ولا تتمشى مع عقيدتنا.
وبيت التمويل الكويتي الذي نحتفل بافتتاحه رسميًّا اليوم، هو مؤسسة اقتصادية حققت الكويت بتأسيسه سبقًا على الصعيد الدولي الإسلامي، فهي تعتبر من أوائل الدول التي تؤسس وترعى مصارف مالية تقوم بجميع الأعمال المصرفية والاستثمارية، وأعمال التأمين التعاوني على أساس الشريعة الإسلامية الغراء، بعيدًا كل البعد عن الربا والاستغلال.. وعلى أساس من البيع المشروع والمشاركة والإقراض والإجارة، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275).
وبهذه المناسبة المباركة، أقدم الشكر الجزيل لكل من ساهم وعاون في قيام وتدعيم هذا البيت حتى تأسس برأسمال قدره عشرة ملايين دينار كويتي 49% للحكومة، 51% للقطاع الخاص، ولقد كان تعاون الجميع سببًا لشق طريقنا بسهولة. ونحمد الله على ذلك.. ولا يفوتني أن أشيد بالدور الذي قام به وزير المالية عبد الرحمن سالم العتيقي، ومعاونته لنا بهذا الصدد.
ومن الجدير بالذكر أن الحكومة لما جعلت قيمة السهم في بيت التمويل الكويتي دينارًا واحدًا استهدفت من ذلك إتاحة الفرصة لجميع المواطنين من المساهمة لتحقيق عدالة التوزيع والمنفعة العامة، ومن فاته فرصة المساهمة من المسلمين عمومًا يمكنه أن يكون مودعًا مستثمرًا لدى بيت التمويل الكويتي.
هذا ويقوم على إدارة بيت التمويل الكويتي مجلس إدارة مكون من عشرة أعضاء.. وقد عقد أول جلسة له بتاريخ 29/ 11/ 1977م واستمرت الجلسات لوضع التخطيط الإداري والمالي والاستثماري بخطين متوازيين.. حتى تم الافتتاح للجمهور بإدارة وطنية وعربية شقيقة، وإسلامية رائدة. وأستطيع أن أقول: إن هذه المؤسسة هي من المؤسسات المالية التي تفسح المجال للكفاءات الوطنية والعربية الشقيقة والإسلامية بالظهور على مستوى القيادة.
ولدينا في هذا البلد -ولله الحمد- ما يمكننا من القيام بمثل هذه المؤسسات على أكمل وجه نتيجة للعلم والمعرفة التي تمد الحكومة بها أبناءها.
ومن فضله تعالى أصبح الحلم حقيقة، بعد أن فتحنا أبواب بيت التمويل الكويتي للجمهور الكريم للعمل بتاريخ 28 رمضان المبارك 1398هـ، الموافق 31/ 8/ 1978م، حيث مارسنا مباشرة الأعمال المصرفية جميعها بفتحنا للحساب الجاري، وحساب التوفير، والودائع الاستثمارية، وبيع وشراء العملات والتحاويل الخارجية، والشيكات السياحية والاعتمادات المستندية، وبلغ عدد جميع الحسابات (7709) لغاية تاريخه، وهذا يعتبر رقمًا قياسيًّا بالنسبة للمؤسسات المماثلة، ولقد تم فتح حسابات لنا مع المصارف الأجنبية في الخارج، وكذلك مع المصارف المحلية، بعد أن قبلت هذه المصارف التعامل معنا حسب نظامنا.. أي لا ربا.. لا أخذ ولا عطاء.
هذا ولما كان السكن من ضروريات الحياة بدأنا مشاريعنا الاستثمارية في العقار تمويلًا ومتاجرة، مساهمين بذلك في تشجيع إيجاد المزيد من العقارات السكنية المناسبة، والمزيد من القسائم السكنية تمشيًا مع النمو السكاني وتمشيًا مع أهدافنا.
والتجارة هدف رئيسي من أهداف بيت التمويل الكويتي، فلذلك كان تركيزنا على التمويل التجاري أخذًا بالازدياد إن شاء الله تعالى، وذلك عن طريق الاعتمادات المستندية، والأساليب التجارية المعروفة الأخرى؛ للمساهمة في توفير ما تحتاجه البلاد من المواد الضرورية وبأسعار متهاودة، وكذلك نتطلع إلى تشجيع وتنمية الصناعة المحلية، وأصحاب الحرف والمهن النامية. ونرجو أن يمتد نشاطنا إلى البلاد الإسلامية متعاونين في ذلك مع المصارف الإسلامية الشقيقة.
وندعو الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى تحقيق جميع الأهداف والأغراض التي من أجلها تأسست المصارف والبيوتات المالية الإسلامية، حتى يكون ذلك داعيًا إلى تصحيح المسار الاقتصادي العام إلى المفاهيم الإسلامية، امتثالًا لأوامر الباري تعالى حتى نستحق رحمته وعافيته. وآمل من الله العلي القدير أن تلي هذه الخطوة خطوات إسلامية أخرى نكون بها نظامًا اقتصاديًّا إسلاميًّا منيعًا.. نحقق به عز أمتنا وسيادتها، ونقوم بحق الشكر لله على ذلك؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: 7).
ويسعدني أن أشير بوضوح إلى إمكانية ممارسة الخدمات المصرفية والاستثمارية على أساس الشريعة الإسلامية، وبنجاح ولله الحمد والمنة، ونعزوا النجاح لسلامة المبدأ والعقيدة، ولا شك ولا ريب أن الله مظهر دينه، ومعل كلمته ومحقق وعده: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
وفي كل ذكرى لفرحة الاستقلال نصر إن شاء الله تعالى.. وبهذه المناسبة يسرني أن أعلن للجمهور الكريم:
- أن الودائع الاستثمارية المستمرة حققت ربحًا بنسبة 9% سنويًّا.
- والودائع الاستثمارية لمدة سنة حققت ربحًا بنسبة 8% سنويًّا.
- وحساب التوفير الاستثماري حقق ربحًا بنسبة ٦% سنويًّا.
وختامًا، أدعو الله مخلصًا أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد، وأن يأخذ بأيدينا إلى النجاح، وتحقيق الأهداف مساهمين مع المؤسسات المالية الأخرى، بعد تصحيح مسارها في التنمية المعنوية والمادية لهذا الوطن الحبيب، تحت رعاية أميرنا وراعي نهضتنا سمو الأمير وولي عهده.
وأشكركم، والله يحفظكم ويرعاكم.