العنوان أبعاد الحملة الإعلامية الأمريكية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1993
مشاهدات 58
نشر في العدد 1042
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 16-مارس-1993
·
التصريحات المسبقة توحي بالإعداد المسبق لاتهام «سلامة» بالتفجير
أعلنت السلطات الأمنية الأمريكية أنها
ألقت القبض على شخص عربي يدعى محمد سلامة، ويحمل جواز سفر مصري، بتهمة تفجير مركز
التجارة الدولي. وقال مكتب التحقيقات الفيدرالي «إف بي آي» الأمريكي إن محمد سلامة
قام بتأجير سيارة الشحن الصغيرة من محل تأجير سيارات بجادة كينيدي في مدينة جيرسي
يوم ٢٣ فبراير الماضي، وإن السيارة المؤجرة هي التي استخدمت في حادث تفجير المبنى
الضخم ذي البرجين في نيويورك. وأضافت سلطات التحقيق أن محمد سلامة استخدم اسمه
الصحيح وعنوانه الصحيح، وأنه عاد إلى مقر شركة تأجير السيارات لاسترداد قيمة
التأمين (الضمان) المالي البالغ ٤٠٠ دولار بحجة أن السيارة قد سُرقت.
وقد وصفت بعض الصحف الأمريكية مسألة
الاعتقال بأنها «أسهل اعتقال لمشتبه في أسوأ تفجير إرهابي في تاريخ الولايات
المتحدة».
وقد أعلنت الأوساط الرسمية والإعلامية
الأمريكية أمر الاعتقال، فيما وصفته مصادر عربية أنه «حكم مسبق» على المعتقلين قبل
عرضهم على القضاء.
كما اعتقلت الشرطة ابن عم سيد نصير
المعتقل بتهمة إطلاق النار على المتطرف الصهيوني الحاخام مائير كاهانا قبل عدة
أعوام في نيويورك، ووجّهت إليه تهمة عرقلة عمل رجال القانون.
غير أن التناقض بين الخطة المحكمة
والكفاءة الكبيرة التي تم بها التفجير وبين «الغباء والحمق» الذي قيل إن المشتبه
به تصرف به، يُثير إشكالية كبيرة عند المتابعين للحدث، وتلقي بظلال من الشك على أن
العملية هي فعلًا من تنفيذ جماعة إسلامية ينتمي إليها محمد سلامة.
ولعل إحدى حلقات الضعف في سيناريو سلطات
الأمن الأمريكية هي الدافع وراء التفجير، وقد حاولت بعض الجهات الإيحاء بأن الحادث
هو للضغط على سلطات الهجرة الأمريكية التي تنظر الآن في أمر ترحيل الشيخ عمر عبدالرحمن
إمام الأصوليين في مسجد السلام في مدينة جيرسي الأمريكية القريبة من مدينة
نيويورك، ووصلت بعض الأدلة حدًا من السطحية والهشاشة بأن المشتبه به يتردد على هذا
المسجد. وقد رُكِّزت الأضواء بشكل كبير ومصطنع على الشيخ عمر عبدالرحمن الذي وُصِف
بأنه يخطط لإنشاء دولة إسلامية في مصر. وقالت شبكة «سي إن إن» إنه يستعد للرحيل
إلى سويسرا حيث يملك في بنوكها ملايين الدولارات، ورغم ذلك كله فليس هناك ما يشير
إلى أن سلطات الأمن الأمريكية تملك أية أدلة ضد الشيخ الضرير عمر عبدالرحمن.
وتنظر الأوساط العربية والإسلامية بقلق
شديد للسرعة التي أُلقيت فيها التهمة على أحد العرب المسلمين، خصوصًا بعد أن كانت
التحقيقات قد اتجهت ومنذ البداية إلى إحدى المجموعات الصربية، ويُنظر بصورة خاصة
إلى سلسلة من الإجراءات المُرتبة التي انطلقت كمؤشر إلى أن هناك تهيئة مريبة
لإصدار الاتهامات.
وقد بدأت هذه التهيئة بإعلان وزارة
الخارجية الأمريكية بشكل مفاجئ قبل ٤ أيام إيقاف كافة الاتصالات مع العناصر
والمنظمات الإسلامية. وأعلن مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط إدوارد
جيرجيان الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة قطعت اتصالاتها مع حركة حماس لأن
أعضاءها يمارسون العنف والإرهاب، فيما تقدم عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية
نيويورك ألفونسو داماتو، وهو من أشد أنصار إسرائيل في المجلس، بمشروع قانون بإعلان
منظمة حماس وأعضائها منظمة إرهابية ومنع أعضائها من دخول الولايات المتحدة. وقال
دامانو: «لا نستطيع السماح للولايات المتحدة أن تعمل كقاعدة لأعضاء هذه المنظمة
الإرهابية المجرمة». واتهم المنظمة بأنها أنشأت شبكة دعم هائلة في الولايات
المتحدة لمساعدتها في شن حملات الإرهاب ضد إسرائيل. وقال دون مواربة:
إن حماس ضمن المجموعات الراديكالية التي
قد تكون «فجرت مركز التجارة الدولي في نيويورك»!
وكانت المنظمات العربية في الولايات
المتحدة شعرت في وقت مبكر أن هناك توجهًا لإلصاق التهمة بعرب مسلمين، فأصدرت اللجنة
العربية الأمريكية لمكافحة التمييز بيانًا تحذيريًّا من أن هناك من يسعى لإلصاق
التهمة بالعرب، وناشدت الجهات القانونية الحفاظ على حقوق العرب الأمريكيين وعدم
التمييز ضدهم. وانتقد المدير التنفيذي للجمعية الوطنية للعرب الأمريكيين خليل
جهشان بدوره مشروع القانون المقدم إلى مجلس الشيوخ ووصفه أنه قد يؤدي إلى إشعال
فتيل «الهستيريا المعادية للمسلمين داخل الولايات المتحدة».
وبالرغم من أن البيت الأبيض أعلن عبر
ناطقه الرسمي جورج ستيفانوبولس أن إدارة كلينتون «ليس لديها موقف رسمي من مشروع
القانون»، إلا أنه أكد طبيعة الحال أن البيت الأبيض «قلق من أية مجموعة تنشط في
مجال الإرهاب». لكنْ هناك اعتقاد يسود أوساط العرب الأمريكيين والمسلمين من أن
مرحلة صعبة من العلاقات مع سلطات الأمن الأمريكية على وشك أن تبدأ.
وينظر العرب الأمريكيون إلى خطط سابقة،
كانت أعدتها إدارة الهجرة الأمريكية منذ عدة سنوات، وكشفت عنها شبكة التلفزيون
الأمريكية (أي بي سي) حينذاك تقضي بحصر العرب وتصنيفهم واعتقال بعضهم بشكل تحفظي
في معسكرات اعتقال جنوبي الولايات المتحدة. ورغم أن السلطات الأمريكية قد نفت
آنذاك وجود مثل تلك الخطة في عهد ريغان بالصورة التي عُرضت فيها، فإن المنظمات
العربية الأمريكية والشبكة التلفزيونية كشفت عن وثيقة سرية كاملة ومفصلة لهذه
الخطة.
ويرى مراقبون عرب في واشنطن أن اللوبي
الإسرائيلي سوف ينطلق على الفور في حملة تشويه ضد العرب والمسلمين في الولايات
المتحدة، ويرون أن المؤشرات الأولية التي أعطتها وسائل الإعلام الأمريكية التي لم
تشكك بالصورة الكافية في الأدلة الموجهة ضد محمد سلامة تعكس التوجه الصهيوني في
إثبات التهمة حتى قبل البت فيها قانونيًا، وفي عدم فحص السؤال المهم: كيف يمكن
التوفيق بين القدرة التنظيمية المتمثلة في زرع نحو ٧٥٠ كيلوغرامًا من المتفجرات في
سيارة مفخخة وتفجيرها، وبين التصرفات الساذجة التي قيل إن المشتبه به أقدم عليها؟
وإن الحل الذي تقدمت به سلطات الأمن
للإسراع في إلقاء القبض على المشتبه به بالعملية هو منح مائتي ألف دولار لمن يدلي
بمعلومات تؤدي إلى حل لغز تفجير مبنى المركز التجاري الدولي.
ويجد المسؤولون في سلطات الأمن الأمريكية
صعوبة في تفسير عدم الحذر الذي أظهره المشتبه به بعد الانفجار، حيث لم يقدم أي
منهم جوابًا على هذا السؤال الذي وُجّه إليهم من وسائل الإعلام الأمريكية، مشيرين
إلى [ضعف] الدليل لدى أجهزة الأمن الأمريكية، خاصة وأن المشتبه بالقيام بإطلاق
النار أمام مقر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد لاذ بالفرار ومغادرة
الولايات المتحدة فور ارتكابه للحادث.
عرب
أمريكا في حالة استنفار
تسود الأوساط العربية والإسلامية في
الولايات المتحدة مشاعر القلق من جراء الصورة التي تجري عليها التحقيقات في حادث
انفجار مركز التجارة الدولي بنيويورك الأسبوع الماضي، والتي تفتقر إلى قدر كبير من
«المهنية».
وتخشى هذه الأوساط أن تكون سلطات الأمن
الأمريكية تحت ضغط محاولة التوصل إلى كشف النقاب عن مرتكبي الحادث، قد تسرعت في
اتهام بعض العرب في العملية. وقد ساهمت بعض أجهزة الإعلام الأمريكية، وخاصة تلك
التي يمتلك اللوبي الإسرائيلي نفوذًا فيها، في تركيز الاتهامات على ما أسمته «الإرهابيين
الإسلاميين» حتى قبل أن يبت القضاء الأمريكي في الأمر.
وقد بدأت تراجعات عديدة سواء في تصريحات
المسؤولين الأمريكيين أو في تعليقات وسائل الإعلام، حيث اعتذرت شبكة التلفزيون
الأمريكية «إي بي سي» الليلة قبل الماضية على قولها بأن سيد نصير قد اغتال مائير
كاهانا، حيث إن المحكمة كانت برأته من ذلك العام الماضي. كما اعتذرت لاتهامها الشيخ
عمر عبدالرحمن بقيادة المجموعة الإرهابية، ونشرت جزءًا من رسالة وجهها إلى الرأي
العام ينفي دعوته إلى الإرهاب ويشجب حادث الانفجار.
غير أن الدوائر الغربية في واشنطن تخشى أن
تقوم سلطات الأمن الأمريكية بسبب وقوعها تحت ضغوط هائلة بالاكتفاء بـ«محمد سلامة»
وتوقف تحقيقاتها للبحث عن الفاعل الحقيقي، خاصة أن هناك سوابق في هذا المجال في
ثلاث قضايا تتعلق باغتيال جون كينيدي، مارتن لوثر كينغ، روبرت كينيدي.
وقد هبَّت المنظمات العربية والإسلامية
الأمريكية للتصدي للحملات المغرضة التي بدأت تُشن ضد العرب والمسلمين، حيث شعرت اللجنة
العربية الأمريكية لمكافحة التمييز وقبل القبض على محمد سلامة أن هناك أيادٍ خفية
تحاول استغلال حادث الانفجار للإساءة للعرب الأمريكيين. وقد عبّر رئيس اللجنة ألبرت
مخيبر عن قلقه الشديد وتحفظه إزاء الأقاويل التي تتردد وتربط بين الحادث وبين
المصادر العربية والفلسطينية والإسلامية. ودعا مخيبر إلى التزام الهدوء والحذر،
وناشد وسائل الإعلام الأمريكية أن تتوقف عن التكهنات، وأن تكون حذرة حتى تتضح كافة
الحقائق، وتكون المعلومات متوفرة للجميع. ولاحظ أن أمر الاعتقال بحق محمد سلامة لم
يأت بحكم قضائي نافذ، وقال: إن النظام الأمريكي يؤكد براءة المتهم حتى تثبت إدانته
في محكمة قانونية، وليس عند وسائل الإعلام، وحذر من خطورة القيام باعتقالات سريعة
تؤدي إلى الإخفاق في الوصول إلى كافة الأدلة والبراهين في هذه القضايا.
وحذر المعهد العربي الأمريكي في بيان
أصدره أمس الأول- حذر اللجنة العربية الأمريكية لمكافحة التمييز مطالبًا بمواصلة تلقي
العرب والمسلمين كافة أشكال الحماية القانونية في ممارسة حقوقهم القانونية
والدينية والسياسية والمدنية.
وقال البيان: إن التشديد على هذه الحقوق
هو «نتيجة وقوع جاليتنا في معظم الأحيان ككبش فداء أوقات مثل هذه الأزمات».
وقد غصت المساجد في مختلف أنحاء الولايات
المتحدة بالمصلين يوم الجمعة الماضي، حيث عبروا عن تصميمهم في الدفاع عن حقوقهم
السياسية والدينية، والتصدي للحملة العنصرية التي تُشن ضد العرب والمسلمين، ووُزعت
في بعض المساجد بيانات توجيهية توضح كيفية التعامل مع استجوابات رجال المباحث
الأمريكية تحسبًا لأية حملة تحقيقات قد يتعرض لها العرب والمسلمون.
واقرأ أيضًا:
- الحملة الإعلامية الأمريكية الغربية على الإسلاميين ممثلين في حركة حماس